دُوار القدس (أقاصيص)

محمود الريماوي*

حلاوة طحينية

تكرر أمي  ذلك على مسامعي فأشعر بدوار لطيف.
 ولسبب ما فإن امي تعيد  سرد الحكاية قائلة اني افلتّ من يدها في حارة المغاربة في القد , وأنا في سن السادسة، وقد وجدتني بعد لهفة وخوف بالغين أجلس على عتبة حانوت، ألتهم بهناء  واستغراق قطعة  كبيرة من حلاوة الطحينية منحني اياها  صاحب الحانوت الذي أشفق على ضياعي..
كررت امي الحكاية على مسامعي عدة مرات، ناهيك عن المرات التي  سردت فيها الحكاية في غيابي.
 بينما تقول هي انها وجدتني  امام  حانوت،  وهي صادقة بالطبع كل الصدق في ما تقوله، فإني اشعر بعد خمسين  عاما على الواقعة أني  ما زلتُ  تائها  في شوارع القدس القديمة، وأصغي هناك  لنداءات أليفة يخفق لها قلبي  ولا أعرف كيف أجيب عليها ، ولا أطيق الابتعاد عن مصدرها.  
هل وجدتِني حقا يا أمي؟.
 
مذاق النعيم
الوصول الى القدس من اريحا يتطلب من الحافلة بجرمها الحديدي الثقيل صعود  طرق ملتوية بين جبال صخرية  ذات لون رمادي داكن.  لكم تبدو  الكيلومترات السبعة والعشرون طويلة قبل الوصول الى  العيزرية ثم  كنيسة الجثمانية. في تلك الأيام ، خمسينات القرن الماضي  لم يكن البنزين المستخدم في السيارات  مُكرراً كما يجب، وكانت رائحته المدوّخة  العنيفة تنشر بكثافة  داخل الحافلة وحتى داخل السيارات، بما يجعل الرحلة شاقة على الطفل الذي يحبس نفسه عبثا، عن التقيؤ. لكن الوصول الى عتبات المدينة يُنسي الطفل المسافر كل تعب.  الجثمانية جاثمة بكل عظمة بنائها وتثير فضولاً لا  حد له، وقبّة الصخرة تنشر ضياءها حتى في النهار. لم تقل الجدة  ذلك للطفل إذ  كان يشعر  بتبدد التعب وبراحة  تشبه مذاق النعيم، ما ان تتردد  في الحافلة كلمة : وصلنا. 
 لقد ماتت الجدة  واستولى جندٌ مسعورون على القدس من جميع جهاتها، وعاثوا فسادا في بيوت المقدسيين القديمة، فتجدّد  الشعور القوي بالدوار في رأس وفي معدة  من  كان طفلاً.
 
باب خان الزيت

ما إن تبلغ  مدخل باب خان الزيت من جهة باب العمود ، المدخل المزحم بالمارة في ساعات ما قبل الظهيرة، حتى تلتقط جدتي يدي  وتندفع في العبور، فيما  الصبي ( أنا) يتفادى برشاقة الاصطدام بالمارة الطوال وضخام الأبدان. وقد اعتاد الصبي ان لا يطلب من جدته ان تشتري له شيئا ، فهي  التي تقرر ذلك متى شاءت،  وتشتري له ما تريده هي مما تعرف أنه يحبّه. الجدة البدينة تحيّي  بعض اصحاب الدكاكين الواقفين امام محالهم، والصبي  تدهشه الكمية الهائلة  للسكاكر والحلويات ويتساءل:  لماذا لا يشتري الكبار  منها،و هؤلاء في جيوبهم نقود كثيرة ، ويقرر مع  ذات نفسه ان يملأ بيته بها حين يكبر. الجدة تشق طريقها في الزحام بثبات وانطلاق ، ومن لا يبتعد عن طريقها فليُعرّض نفسه للاصطدام بها. فالجدة القوية والمرحة لا تخشى الزحام أبداً، وفي سلوكها هذا لن تتشبه بـ"حماقة" الحاجة ام موسى سامحها الله،  وهذه من سكان حارة كتف الواد في اريحا، وتقصد القدس كل يوم جمعة للصلاة والتسوق. تروي الجدة ان ام موسى وقفت ذات يوم في مدخل شارع خان الزيت، الشارع غير العريض المصفوف بالمحلات على جانبيه،. تنَحّت جانبا،  ووقفت تنتظر انتهاء الزحام  كي تعبر، وكلّفها الوقوف بضع ساعات من الانتظار المصحوب بالإعياء، حتى انقذها شاب مما هي فيه  بعد ان سألها فيم وقوفها، فأجابته ان الناس كثيرون وهي تنتظر ان يقِلّ العدد. لن يقِل قبل حلول المساء، ونحن في ساعة الظهيرة يا حجة. قال لها الشاب. وهو ما قالته  جدتي كله عن ام موسى الطيبة التي تخاف من الهواء، بينما يخاف كل شيء من جدتي. وبالفعل قد انتظر جنود صهيون رحيل جدتي، كي  يستولوا  بعد سنتين على قدسنا.

القيامة
سمحوا لنا في رحلتنا المدرسية الى القدس بزيارة كنيسة القيامة. مزيج من قصر وقلعة. سقوف عالية ذات أقواس وشبابيك بعيدة صغيرة وكبيرة، ورسوم ملونة  قشيبة لأم وطفل. قساوسة بثياب  سوداء وأخرى بهيجة ، وراهبات بأثواب بيضاء يتجولن على عجل في قاعات فسيحة (إحداهن رمقت الفتى بنظرة حانية رفرف لها قلبه) . رائحة بخور عابقة وأصوات خافتة لأجراس  .  ثريّات مبهرة متعددة الأحجام. ممرات طويلة شبه معتمة  وأخرى حسنىة الإضاءة. وكأننا ذهبنا الى بلد آخر.. مهابة وغرابة ، وأستاذ المدرسة يراقب التلاميذ  مخافة أن يختفي أحدهم ويصعب العثور عليه. لم يكن فتى المدرسة  يعرف كيف يصبح الواحد مسلماً، وكيف يغدو مسيحياً. الدليل الذي  شرع في الشرح  انهمك يحدثنا عما هو قبل مئات السنين، لكن بما أنه ليس درساً مدرسياً، فنحن التلاميذ غير ملزمين بالإصغاء التام لشرحٍ يزيد الأمور غموضاً، ولن يختبرنا الدليل في مرة لاحقة بما سمعناه منه،  فلن نراه مرة ثانية ولن يرانا. وظل اسم الكنيسة يثير الشعور بمهابة ممتزجة بالرهبة.. وبما انها كنيسة قيامة فقد يحدث  فيها شيء جلل فوق طاقة الكبار على الاستيعاب أو التحمّل، فكيف بنا نحن الفتيان. وكان الواحد  منا باستثناء الفتى غسان  يخشى ان يبدر منه سلوك خاطىء يدل على انه غير مسيحي يتواجد في كنيسة، رغم انهم سمحوا لنا بالزيارة، وقد رحّب  خوري متورد الوجه بأستاذ المدرسة وهشّ له وبَشّ حين دخلنا، أما نحن التلاميذ برؤوسنا الحليقة وأبداننا الناحلة وسحناتنا المخطوفة وبزي الكاكي المدرسي، فلم نلفت انتباه أحد.  بينما عمد غسان الى  القيام بحركة  رشيقة بيده اليمنى على صدره . وكان فاتح اصحابه بأنه زار الكنيسة من قبل  ثلاث أو أربع مرات مع والديه، وأنه لا يخاف المكان بل يحبه. وقد وقف قريباً من الدليل وكأن هذا عمّه أو خاله. وقد سار الفتيان بعد ذلك وراء استاذهم صبحي الى داخل الكنيسة بعد ان طلب منهم الحديث بصوت خافت، وعدم لمس أي شيء. كان الفتى قد انتقل من  الشعور بالرهبة الى الخوف وربما الرعبة مع وجود سياح أجانب يألفون المكان أكثر منا، وقساوسة يتحدثون لغات غريبة، ومع اشتداد رائحة البخور، ثم حين  اقتربنا من القبر المقدس.. هل سنقرأ الفاتحة على القبر؟ وغسان  (المأمول منه المعاونة) وصديق  الفتى كأنه  قد اختفى، وربما لن يرجع معنا.
 في الخارج ومع استقبال ضوء الشمس مجدداً تنفسنا الصعداء، وأخبرنا الأستاذ ان الواحد يحتاج لأكثر من زيارة كي يتعرف على هذا المكان الشاسع والاستثنائي.  كان غسان وهو مثلنا ابن العاشرة قد عاد وطلب من الأستاذ ان  يتخلّف عنا ويبقى  في الكنيسة،  فغضب  الأستاذ منه قائلا له: حين تحضر مع والديك يمكنك استئذانهما بالبقاء هنا. وقال بعض الفتيان انهم يرغبون بالعودة شرط ان يسمحوا لمن يحتاج  بأن ياكل مما لديه من كعك بسمسم او حلقوم، وبالذهاب الى الحمّام.
 لم نزر القيامة بعدئذ ،  الفتيان كبروا، والرحلات المدرسية توقفت، و"القيامة قامت"* باستيلاء جنود غرباء (ليسوا مسيحيين أو مسلمين) على القدس وكل ما فيها.

تعبير شعبي، مجازي، غير ديني، يُقصد به أن الأمور انقلبت رأساً على عقب.

* أديب وإعلامي من الأردن.