دوار

Printer-friendly versionSend to friend
هشام القيسي*
 
 ينبغي أن يتبع رأسه فتلك اللحظات ما زالت تنادي في كل يوم من أيامه وتمضي إلى آخر الأفق 
- ماذا حدث ؟ ولِمَ؟  
- لا شيء ، منذ الألم سوى هذه الكوابيس التي لا تفقه معنى التأمل . 
كالراقص أخذ يدور ولا يدري من أجل من وماذا عليه العمل . أفكاره لا تعرف أجوبة جازمة في نهايات أيامه، وكأنها صوب مداخل متاهات غير مقيدة . فتح على شاطئ خامل كتاب زمنه فاذا به ينتهي من حيث بدأ، ومن حيث أدرك أن حمى الكآبة أخذت تعزف له ولا تكف عن عوائها البتة ، فثمة مشاهد مترنحة تلوح بيديها في آخر كل مطاف . تطلع لبرهة ثم بدأ السير في أزقة بلا نوافذ على شكل دوار مهدد بالغياب . 
يومه الذي فقد انتظاره 
تكلم عبر متاهة فائتة 
وفي مجرى عميق 
تأمل إلى آخر الأفق 
هو بعينه 
في كل مكان 
زائر يحتضن غيمته  
ولا شيء في الخوف 
سوى هذه الوليمة . 
 
أيامه الأولى 
أسماؤه الأولى 
أغنياته المستعينة 
نوافذه 
معزوفات تدون على خلفية الذكرى . 
 
 
في اليوم التالي مشى ولم يدر رغم كل الظواهر أنه سينام راضيا دون وهم أو نفس محترقة . حتى ذلك اليوم كانت النار تلهو وسط حياته وبلا صدفة تبعث أرغفتها وصيحاتها عبر سيول من الملامح الباذخة . قد يبدو أنها لا تجيء من الماضي، وقد يتدفق في مسار آخر مرة أخرى . سأل نفسه عن مداخل مكان سار عليه من خلال فسحات فرشت سكينتها . بقي بانتظار كلمات من وجه يعرف كيف يحلم كل ليلة، وكيف يقيم وليمة بلا مشورة فهناك بقايا أحلام وحجارة وسيجارة ما زالت تحدق وهي تحمل نظرات لا تخلو من أوتار يتيمة . 
حاول فتح أسراره ثانية عسى الأمس لا يستقر بأثقاله عليه، لكنه يفاجأ بأن دواره المتأرجح مازال يعرف معناه وقد يكون اليوم وغدا الرائي الوحيد الذي يجعل تواصله المختلف مستحيلا، وبنغمات تشير إلى أشياء حزينة .لآجل ذلك أخذ يهرب إلى ذاته شاكيا أرقه الطويل دون أن تكون هناك نهاية لهذه المجاهل . 
هذا التواصل لا يسطع من بعيد ، 
في مفترق الطرقات 
يبقى في مكانه 
وبجوار أجوبة 
تحتاج إلى سفر . 
 
في كل لحظة 
يصرخ الصمت 
بأول الفجر وآخره 
فهنا يزحف الليل 
وعبر كل أرق طويل 
يحلم ويتعرّى . 
 
لأنه وحده 
يشحذ الأشياء 
على صفحات أيامه . 
 
 
عليه إذن أن يزيل سهرته ويمحق رسائل خسفت بأوقاته ، فهو بذاته من سافر في أسرار كلماته وهو وحده في ذلك السبيل عرف تلك الأغاني، وشرب القهوة من خلال أيام حملت نظرات مثقلة بالأسئلة والأزمنة الممتدة إلى ما لانهاية . لهذا كان يجس نبض القلب بانتظار أن تبوح له نافذة تحمل رسائل تجيد العزف، أو لها صوت في آخر الرحلة ،وقد اعتاد على ذلك لأنه كان يعرف أن أفقه المفجوع يخرقه بسلسلة ليس بينها سوى تشرد يتجاوز الحد قبل هبوط الليل . 
تأمل في تلك الزاوية عسى زائره يطلق سراح سكينته لأن يومه أيضا خلط ساعاته وفر من صمته دون أن تلوح بأرق أمل لشبكته . وبين كوابيسه التي تصيح أدرك أن هناك في ذاكرة أيامه ما هو جدير بالتوقف حيث لم يحك بعد ومازال يرنو . عاد إلى خلفية الذكريات كي لا تحجب عنه أمله ومعنى أن يمضي . 
 
بعد أن عاد 
بما استعاد 
وفي مساء ينادم بين صدفة وصدمة 
عرف كيف يلهو بالحكمة 
فهذه الصفحة المحترقة 
تسبقها رؤى تعرف كيف تمضي . 
 
ربما عرف 
وربما لا يعرف 
أن النزف 
لم يتجاوز المراثي بعد ، 
أحيانا يطفو كمعنى ما 
وأحيانا يبدو كنجمة
لم تتجاوز الحد . 
 
الجحيم يحكي 
أهله في الأسفل 
من يدري 
كيف يمضي 
بين قلب وقلب .
 
في هذا الزمان 
وعلى مسار امتداده 
أيام تركع 
وأيام لا تجس نبض القلوب 
فلننتظر الآن 
لربما كائنات 
تقدح عبر أكياس النيران . 
 
الذكريات في طريقها إلى البحر 
والوصول كله حصى خلف السفر 
هذا ما حلّق به اليقين 
منذ الوهلة الأولى كما يبدو .
 
* أديب من العراق.