دنيا عبد الحليم

Printer-friendly versionSend to friend
أحمد غانم عبدالجليل*
 
 دخل وصديقاه منذ أول جلوسهم في حديث مستمر؛ كان يهيمن كعادته على جل الكلام, بنبرة صوته المميزة, متوسطة الخشونة في تموجها بين الهدوء والسخرية حد القهقهة المراعية لوجودهم في مكانٍ عام, والانفعال الذي لا يلبث أن يعاود الهزل, فلا يسمح للسأم بالتسلل إلى من يجالسه, وإن قلّت المواضيع التي تجمعهما.
 ينصرف اهتمامه نحو جلسة فتاة وشاب منزوية بعض الشيء عن صخب الكافتريا، ذراعه الملتفة حول كتفيها النحيلين، تكاد تدفع رأسها الناعمة إلى توسد صدره العريض، تبسط كفها البضة على ساقه المرفوعة فوق الأخرى في شيء من الغطرسة، يهمس في أذنها فتستبق رقرقة ضحكاتها حركات شفتيها سريعة الإيقاع، كما لو كانت تدندن كلمات أغنية عبد الحليم حافظ الصدّاحة "ضحك ولعب وجد وحب, عيش..." كفها الأخرى زهرية رقيقة لوردة ندية، أصابعها العاجية تداعب وريقاتها الزاهية البيضاء، حب صادق ترتسم أطيافه في وهج عيونهما، أم نزوة عابرة بالنسبة له، أو لها، وربما لكليهما؟.
 أدار رأسه صوب الجهة الأخرى ما أن هجس بانتباه الشاب مفتول العضل لتطفل نظراته، يتابع شلال الحياة المتدفق في الشارع أمامه، لم يدرِ صديقاه أي طية من طيات الشرود تلف تفكيره في تلك اللحظات، أخفى مسحة الحزن عن وجهه سريعاُ، ثم عاد من جديد ممسكاً بدفة أحاديث مرحة تكاد لا تنتهي.
دفع الحساب، مع بقشيش رسم ابتسامة امتنان على محَيا النادل، قبل أن يبتعد، بخطوات متثاقلة، عن الطاولة التي كان يحلس إليها بمفرده.                 
 
* أديب من العراق.