خَرَزَةُ النَّومِ الزرقاء

محمد سلمان البلوي*
 
أنا لا آتيكِ بالماءِ؛ إنَّما أقدحُ من بين يديكِ السَّرابَ بالظَّمأِ، ثمَّ من جميلِ صبركِ أتوضَّأُ، وبحسنِ ظنِّكِ أتعطَّرُ، ثمَّ عليكِ أنثرُ صلاتي رذاذًا وندىً، ودعائي أسكبُهُ رواءً في حوضِ أُذنكِ الممتلئِ بالحبقِ، ثمَّ في محرابِ عينيكِ أنامُ. هل أنامُ؟.
وأنا لا آتيكِ بالشَّمعةِ ولا بالثِّقابِ؛ إنَّما أُنَبِّهُكِ إلى مَكْمَنِ النُّورِ فيكِ؛ ولو اِضْطُرِرْتُ إلى أنْ أَلفَّكِ بالظَّلامِ لبعضِ الوقتِ، إلى أنْ تُشرقَ روحُكِ بنورِ ربِّها من تِلْقَاءِ نَفْسِهَا، ثمَّ في عينيَّ تنامُ. هل تنامُ؟.
وأنا لا آتيكِ بالكلامِ؛ إنَّما معكِ أنذرُ للرَّحمنِ صومًا، ومعكِ أصنعُ للرِّيحِ مهدًا، حتَّى إذا ما أشرتِ إليه يومًا بالنَّاي، أو نفثتِ فيه شيئًا من ريقِ الصَّدى، أو نفحتِ فيه صمتًا خالصًا... تساقطَ الكلامُ علينا شهيًّا وطازجًا مثل السَّكينةِ والنُّعاسِ. هل ننامُ؟..
وأنا لا آتيكِ بالحبِّ؛ إنَّما أعرفُ أنَّ لكِ قلبًا خاشعًا؛ فيطمنُّ قلبي على قلبي، ثمَّ قريرًا ينامُ في صدري. دمعةٌ، أو دمعتانِ، ثمَّ نلتقي؛ قبلَ الموتِ وبعده، قبلَ النَّومِ وبعده. دمعةٌ، أو دمعتانِ، ثمَّ لا نفترقُ أبدًا ولا ننامُ. كأنَّنا كلمةُ "أحبُّك"؛ تضمُّ جناحيها على سرِّها؛ حينَ الحربُ تدهمها، ثمَّ تعرجُ في السَّماء؛ نجمةً، نجمةً... ثمَّ في مدارنا الأزرقِ تنامُ. هل تنامُ؟..
وأنا لا آتيكِ بالنَّومِ، ولا أفكِّرُ... إنَّما من أَرَقِكِ الكثيفِ أسرقُ نومي، ومن نومي الثَّقيلِ أطرحُ عليكِ أَرَقِي، ثمَّ في عينيكِ أنامُ ساهرًا، وفي عينيَّ تسهرينَ نائمةً. ما حاجتنا إلى النَّوم! تقولينَ؛ فأقولُ: بل ما أحوجنا... تعالي ننامُ؛ كما لو أنَّنا نيامٌ منذُ الْقُبْلَةِ الأولى، تعالي ننامُ؛ فــ "ما فازَ إلَّا النُّوَّمُ".
هل ننامُ؟ 
نعم، نعم، إنَّا نيامٌ... إلى أنْ نفترقَ،
 إنَّا نيامٌ... ولنْ نفترقَ.
 
* أديب من الأردن.