"خياط الهيئات"  للرافعي: سُرود تدعو القارىء لإعادة خياطتها (شهادة)

محمد دريوش*

"لا‌ يعرف أولئك الذين لا‌ يعيشون وحدهم كيف يكون الصمت مرعباً. كيف يكلم شخصٌ نفسَه ؟ كيف يعْدو إلى المرايا جائعاً إلى روح ؟ لا‌ يعرفون !" أورهان باموق.

 

فتحتُ كتاب "خياط الهيئات" بطريقة عشوائية كما أفعل عادة كلما هممت بقراءة كتاب جديد. وأنا أتصفحه، كنت ألتقط بعض الكلمات المفتاحية التي تتقمص دور علامات التشوير في طريق مليئة بالمطبات القرائية، التي قد تؤدي إلى حلحلة معارف القارئ وقدرته على مجاراة انفلاتات إبرة الكاتب وهو يخيط متتاليته القصصية الماتعة. وفجأة وقع بصري على أيقونة الماندالا الأولى، فالثانية، فالثالثة. تساءلت للوهلة الأولى:
لماذا  يريد الكاتب إقحام القارئ بهذه الطريقة "الفجة" بداخل بؤرة التجاذب ما بين "فن البهجة" والقلق الروحي الذي ينتاب هذا القارئ، إذا ما عنت للكاتب فكرة جعله طرفا في كتابة أو  إعادة كتابة قصة من وحي خيال خصب تنبت عبر جنباته أدغال سردية لا مندوحة لنا من دخولها، مدججين بقدرات غير معهودة من أجل فك طلاسمها وكأننا - في الآن نفسه- طرف في الفعل (فاعل )، وطرف في ردة الفعل ( مفعول به )، كأننا القاتل والقتيل، كأننا الخياط  والهيئة التي خاطتها أنامل الخياط في غفلة منه بإبرة مسكوكة بحرفية عالية، إبرة لا سم يعلو رأسها ليدخل منه طرف الخيط.
تتأرجح الكتابة/ الخياطة عند المساعد الاحتياطي الثالث أنيس الرافعي (وهي إشارة ذكية منه وتأكيد مسبق على أنه لن يكون الممارس الوحيد الأوحد لفعل الكتابة بهذا الكتاب، وهو ما أشار إليه بموت الكاتب عندما قال "موت الكاتب يكون أحيانا ضرورة فنية لا محيد عنها" في إشارة ذكية إلى نظرية رولان بارت، ولقد كانت "جريمة نظيفة" بحق برأيي  المتواضع) ما بين الحكي الذي يمسك بزمامه سارد واحد مفرد وبين التخييل الذاتي الذي يناهز العجائبي أحيان كثيرة، ممارسا لعبة التموقع/الكراسي في إقحام وعي الذات من داخل الذات نفسها، وقد يجنح إلى استحضار انعكاسات المرايا من أجل ضمان خاصية البوليفونية، أو تعدد الأصوات لينطق بلسان ساردين آخرين بما عجز لسانه عن النطق به في عملية تنصل مفضوحة، ليس لتبريء ذمته من حجم الإرباك الذي يصيب به قارئ نصوصه، لكن، وفقط، من أجل القول إن الشخص الذي يقرأ نزيفه يشارك بطريقة أو بأخرى في عملية الكتابة، وإنه ربما يكون هو المقصود.. هي عملية توريط جميلة من الكاتب للقراء في جريمة اجتراح خطيئة الكتابة وإماطة نزر قليل من الثقل الذي ينوء به كاهله لتحمله عنه كواهل أخرى.
لم يكن استثمار الكاتب للإبرة كآلية لخياطة هيئاته الممزقة ضربا من العبث، بل كان انتقاؤها مقصودا وهي التي تعيد رتق ما انفتق من أثوابنا/قيمنا التي تستر عوراتنا، وكما يقول أورهان باموق "الكتابة كمن يحفر بئرا بإبرة"، كان  الرافعي -وعبر متتاليته القصصية التي تتخذ اتجاهات شتى صعودا ونزولا " سلالم لا عد لها يصعد إليها الغياب ويهبط منها النسيان. يهبط إليها الغياب ويصعد منها النسيان"- في الآن نفسه يحاول بإبرة الكتابة رتق شروخ عالمنا من أجل إعادة بنائه بعد نسفه، وحفر بئر عميقة عمق قرارات محيطاتنا النفسية من أجل إماطة اللثام عن حفريات أوجاعنا، وجعلها تطفو على السطح كعملية "ترويكا" كتابية من أجل عقد مفاوضات مصالحة مع الذات التي تشكل بؤرة الكون النفسي غير المرئي، تماما كما تشكل الماندالا مركز الكون الميتافيزيقي في الحضارات القديمة. 
وقد اختلفت تقنيات البناء السردي عند الكاتب باستعمال أساليب أخرى بدرجة عالية من الحذاقة ، فالصور المنعكسة على مراياه الكثيرة ليست سوى تجليات أخرى مغايرة للذات المفجوعة التي لا تجد مناصا  غير البحث عن وعاء آخر تستطيع من خلاله التعبير عن رؤيتها للعالم، فنجده يمعن في استعمال تقنية القناع واستحضار الشخصيات التاريخية والأدبية كمحمد شكري وبول بولز وغيرهما، بل ويذهب أبعد من ذلك حين يتقمص شخصياتهم عبر استجلابهم من جوارير الذاكرة وإعادة تشكيل مقاطع من حياتهم على سجية هواه التعبيري وخياله الخصب خصوبة حمولته الثقافية والمعرفية الموسوعية.
ولأن الشذرة هي "كتابة الصمت"،  كان لا بد للكاتب من استثمارها أحيانا كمتنفس يمده بالشحنة اللازمة من أجل مواصلة الكتابة أو الانكتاب إن صح التعبير، فيقول:
الإبرة 
بلا يد
لبرهة
تواصل الخياطة
نعم، القلم، بلا أفق تعبيري، لبرهة، يواصل الكتابة.. يواصل الكتابة حين نصاب بالسكتة الكتابية ولا ندري، حقيقة، إلى أين تجرنا وراءها بالسلاسل كحيوان غير مرئي، فنثمن رغبة ذاتنا في الانكتاب ونأخذ استراحة نعيد خلالها لملمة شظايا الروح من أجل السير قدما باتجاه الدفة الأخيرة للكتاب.
ويقول، في إيحاء إلى أن عملية السرد عملية معقدة ومتعبة ومرهقة لدرجة أنها قد تأخذنا إلى مداءات لم نكن نتوقع أننا سنصلها:
حينما تندحر
شموس السرد
في اتجاه الأفول 
تكبر ظلال الحكايات
إن الكتابة عملية فيزيائية محضة تنبني على "تغيير سرعات السرد وقيادة الحبكة صوب اتجاهات متعددة في وقت واحد"، فينطلق حينا السرد من الخارج نحو الداخل عبر الحكي المحايد، وما يصاحبه من احتفاء بالإنسان والمكان والزمان كمكونات ضرورية لكل فعل حياتي، وحينا آخر من الخارج نحو الداخل عبر بعث الحياة في شخوص ساردة أخرى وخلق التفاصيل الدقيقة التي تجعلها تمشي بالسرد إلى حيث تشتهيه نفس السارد الأصلي من خلال دكتاتورية الكتابة، وتخلق هذه العملية المعقدة نوعا من التردد والتراوح يتسلل إلى داخل البنية النفسية للكاتب والقارئ معا كشريكين في جريمة غير نظيفة عبر الذهاب بشخوص النصوص إلى أقصى حدود التفجع؛ فالذنب ليس ذنب الكاتب، بل الذنب ذنب تلك الشخوص التي اجترحت خطيئة ترويع مخيلته لحظة الكتابة.
كتاب مدهش من حيث عمليتي التجريب والتثوير اللتان نهجهما الكاتب في بناء سردياته الممزقة على أمل أن يعيد خياطتها قارئ ما في مكان ما.
 
* كاتب  من المغرب.