خمرة الحبّ اسقني..

بسمة الشوالي*

رفرفت إليه من باب موارب، سرعان ما انغلق خلفها كأنّ يدا ماكرة أوصدته. لا تذكر ما كان بين يديها من شأن منزليّ فأهملته يتكسّر أو يتعفّن أو يحترق.. 

ذهنها لا يعقل حينها سوى صوته الذي كما المزمار السّحريّ ينفّر كلّ فئران الفرح الغافية في جحور الخجل فتتبعه كطفلة مسرنمة.. غير أنّ اليوم، سُدّ باب الرّجوع الآمن في وجه التي تسرق يوميّا من خزينة الزّمن ساعة للّقاء. السّاعة تلك لا وقت لها، لا ميناء للرّسوّ. يغنّي فتمطر سماء الخيال غيثا ذروة القيظ، وتلوّن الكلمات العتمة بقوس قزح، وإذا كان الشّتاء يشرق في اللّيلة الظّلماء بدرُ شاعرٍ ما كتب، دون أن يعلم، لأجلها أجمل القوافي المغناة..
يغنّي فيغيّر الوقت عاداته، ويحوّل مسارَ الأحداث باتجاه موعده..
ما العمل؟ 
لا شيء. نلتقي ومن ثمّ  "يعملْ ربّي"، طمأنت نفسها. 
إنّ الله مع المحبّين، يؤكّد مقسما بحقّ بيت الله ورأس ستّين حزب في يقين المؤمن رافعا يسراه بقارورة الجعّة نحو السّماء، وباليمنى يمسك سيجارة لا تنطفئ. 
 تحت السّور، العالم الحافّ بهما لاهث، والنّار متعدّدة. 
يغرغر الحرّ في الحلوق الجافّة للبشر، وصنابير الماء المقطوع، والكلاب والأمكنة العائمة في بركة مهولة من سراب، ورُواء كاذب يُربي نسبة العطش في الدّماء. اللّهاث بدوره متعدّد تحت أسقف الاسمنت أو الزّنك، في الأحواش العارية والمغطاة، في الزّوايا الخبيئة للحيّ، في المقبرة.. وخلف مصنع النّسيج كذلك.. 
ينبئ نهيق الحمير المتقطّع عن شياطين دخلوا الظّهيرة على ظهور نفر من الحيّ نفسه، وبعض من الأحياء المجاورة. أحداث جسيمة تقع في الحيّ تحت جنح الحرّ المتوقّد لا تُرى ،ولا يسمع لها في حينها أثر.. عريٌ يتفشّى في الأجساد والمشاعر والقلوب المنكتمة تلتقطها العيون المتلصّصة عبر الجدران المهذار للمنازل المتلاصقة والنّوافذ المخلّعة والأسطح المكشوفة. وجوه مقنّعة وسافرة للسّرقة تتحرّك بخفّة هنا وهناك.. في النّهاية يبرّد العرق كلّ الأجسام جرّاء ما جعلها تلهث. لحظة التعرّق هي عقل الجسد المجهد في شأن صاحبه، هي ما به يضبط حرارة طبقاته الجوفيّة، ويعدّل نسبة الملح في دمه. 
- يا ستّار اُستر.
- لا تقلقي يا خالة زهرة. النّهار مبصر، وكلّ سارق لا بدّ يكون حذرا..
- القوائل أخوات اللّيل يا ابنتي، وقت سانح للسّرقات الفادحة والخطف. ليتها لم تكبر. في الصّغر كنت أخوّفها بالبهيم  ظهيرة، والبومة ليلا فتنكمش في مرقدها تغطّ في نوم الخوف حتى العشيّ أو الإبكار. لمّا  تفتّح نوّار حسنها تعلّقت بـ "النّعوشة" نفسها. 
يمرّ حمّة السّكران في الزّقاق رافعا عقيرته " نيرانْ جاشي شاعِلَه ميقودَه.." فتضيّع وردة عقلها في البحث عن الباب المؤدّي إليه. 
الملعون، حرائقه لا تنطفئ في صيف أو شتاء. 
حمّة؟ لا شأن له عاقلا، ثقيل دمه، رزينة ملائكته. يظلّ متقوقعا في صمته الخشن كغيلم متوحّد، عاطلا عن الحياة، مجدب اللّسان، بارد الطّبع حتى يسكر. يخصب ماء الخمرة مجاريه الكسلى، تندى تربة روحه، يفوح عطر العشق من كلماته، تنفتح كلّ مداخله المرْتجة، تنفكّ العقد عن حبال الحنجرة فينسرب منها نسيج الكلام جديدا ناعما ملوّنا مغزولا وشاحا يليق بها وحدها.. ساحرا يغدو، يطيّر فراخ الحمام من قفصه الصدريّ المغرم، ينوّم الوُشاة فيحرسونه من عيون الحُسّد، يفرد حضنه بساطا تطير عليه إلى أماكن أخرى لا يدخلها غيرها، يلاعب أصابعه العشر في الهواء الحارّ فيتحوّل كيانها إلى بيانو تترنّم ملامسه بألحان سماويّة. 
زدني عشقا.. 
تخشع له، فيغنّي لها وحدها من كلّ لون زهرة شعريّة فيغرّها الثّناء حتى يتقافز على ظهرها ذيل الحصان المجدول من شعرها الشّمسيّ، ويطرب الحيّ: سيّدات يتغامزن متنهّدات حسرة على طيش جميل ولّى مع الصّبا ثمّ يضربن بحصارهنّ على بناتهنّ، رجال يتميّزون غيظا مموّها ويكتمون رغباتهم في امتلاك وردة أو من كان مثلها حسنا، صبايا يشتعلن غيرة وأحلاما ويُبدين من نفوسهنّ غير ما يُضمرن، أطفال يتمرّنون تلصُّصا على العشق.. وحمّة إذا صحا ينتبذ ناحية معتمة من ذاته. يعمل كآلة مبرمجة ويسكت كحقّ مسلوب. يصلّي الجمعة بانتظام، يصوم رمضان احتسابا وقياما، يرتّل القرآن عند الفجر، ويسكر عند الظّهر من كلّ يوم عدا الجمعة، يصبح يومذاك تائبا مستغفرا بُكرة وأصيلا، يتّخذ قميصا أفغانيّا، وسبحة تعبق ببخور مكّة وخُفّا يبتاعه من سوق ليبيا المنتصب طول الشارع الرّئيسيّ للمدينة، يخفض نار شهواته، ويغضّ الطّرف الواله إن بدت له وردة.. 
"تلبسين لباسا شرعيّا لا يُبين من مفاتنك شيئا، وتلزمين بيتك لا تغادرينه إلاّ بمحرَم"، يرسل لها إحدى جاراتها بشرطه خاطبا، فإذا أشرق السّبت نهرها أن تواري عنه فتنتها.. 
" لا بأس، فليشاركني المؤمنون اليوم نعمة النّظر إلى الظاهر من حسنك، وغدا أمر والآن. الآن هِزّي حْرامِكْ وخَمْريكْ  علْ وَشْمْتِكْ هَبّلَتْني.. " يغنّي بين شربة من كوز شفتيها وتجشّؤ.
- مجنون. روت جدّته أنّه سقط على قفاه رضيعا فظلّ أبكم حتى سنّ الخامسة.
- هو فقط كان يعاني من متلازمة أينشتاين يا خالة. وردة تحبّه.
- لمن تكتحلين يا امرأة الأعمى !؟ 
 أخشى ألاّ تعود بخزّانها فارغا، أن تخطفها "النّعوشة" تحت ظلمة الظّهيرة وملء إرادتها. 
- لكنّ حدث الاختطاف هذا لا شيء عليه يا خالة. هو كلّ شيء في لحظة ما. العالم بأسره وأسِرّته وسرائره متعلّق بلحظة خطف. 
- أنت معها أم معي يا بنتي؟
 - أنا مع القصّة.
عند السّور الخلفيّ لمصنع النّسيج المنتصب طرف الحيّ يلتقيان. تشعّ حمرة عينيه تحت قدْح الشّهوات المتنافرة تحتدم على عتبة الجرأة توارب بابها على الفعل وتنحجب دونه في آن. الرّغبة فيها حدّ الرّجفة والخوف منها حدّا أدهى يتناوبان على تحريك الجمر في رأسه. يترنّح. لا تقدم ولا تحجم. يلفح ريح الشّهيلي خدّيهما شاربا قطر العرق على جسد الصّبر المنهك. توسّع مساحة الفراغ الضّئيلة بينهما بابتسامة فسيحة مخاتلة. على شفا الانهيار، يستدرك نفسه في عسر. يبرّد الحرقة بجرعة مركّزة من سيجارة مغمّسة بماء الجعّة. يتأمّلها نهما مستنفر الغرائز. 
- "قولي أحبّك.."
- "أحبّك جدّا.. وأعرف أنّي تورّطت جدّا.."
- يا معذّبتي.. "إن تجودي فصِليني أسوة بالعاشقين.."
 - "هذا فؤادي فامتلك أمره.."
 ينضح جبينه المتوهّج ولَعا يُشرِب قمح وجهه المضغوط في كيس جلديّ مشعّر يوشك ينفلق باتجاه وجهها الفرح بضعفه الذي يوشك يبلغ ذروته إزاء سطوع القرار بحسم المسألة المنتهية: تُرى في مشهد مسرحيّ شبه علنيّ متلبّسة بجرم ضمّة أو قبلة فيتفرّق الخُطّاب عن الباب وتُكتَب له.. 
ينزل الغرام الأجيج عليهما أبرد من يقين الضمّة بأنّها أخيرا وللأبد امتلكت الجسد الآخر في اللّحظة المشتعلة. الضّمة هي ما به تفرض أمرا واقعا على الجميع. يحدّثها عقل الرّغبة واضحة الرّؤية: لكلّ لحظة في الحبّ يقينها الخاصّ، وعقلها المنظّم لمسار حياتها القادم. اللّحظة التالية هي بذرة أولى في الاتفاق السّريّ المبرم بين الأنا والمضموم الذي ينشغل حاليّا بمتعته الآنيّة وبلا رابط زمنيّ يصلها بأيّ آت. غدا هو الجمعة، سيفيق الغيلم المتوحّد من سكرته والفخّ منطبق عليه. الصّيف القادم تكون قد أنجبت له قيدا يربطه إليها إلى الأبد. خارج الطّوق النّاريّ للحبّ يدير الظنّ شؤون اليوميّ على محمل لعلّ وعسى وكثيرا من ربّما ينوي حقّا الزواج بها. وأليس عمّار العطّار زوجا أفضل من حمّة السّكران؟ تريد أن تنجب طفلا عامّة، وطفلا منه خاصّة. لكن، هو نفسه بما هو عليه الآن طفلها الأجمل مع اختلال في الشّخصيّة وبلا نفع قد يُذكر.. 
"كشجر الخروع.." تقول الخالة زهرة، بيد أنّ وردة تؤكّد لها أنّها ستعْدله على مرّ الأيام القادمة. سيصير يوما ما رجلا تعتمد عليه. 
"ذيل الكلب يا بنتي.. !" تدير الأمّ رأسها هازئة ممتعضة وتنفرج أسارير الصبيّة: 
"من فمك إلى ربّي يا أمّي.."
في البال قصص كثيرة عن وفاء الكلاب، وجارهم المثقّف يروي عن لا تدري من اليونانيّ الشهير بلا شكّ يقول لصاحبه الأفضل في اعتزاز "أنت كلب".. عن كلب يابانيّ ظلّ منتظرا في محطّة القطار صاحبه المتوفّى حتى قضى نحبه هناك.
تزمّ أمّها شفتيها على حافّة اليأس من غد أفضل.. " أفسد الملقوط عقل البنت.."
تحت السّور، فاجأهما أذان العصر يزرّران أثواب الحبّ. بين غيبة نشوة وحضرة وعي بالكاد يدرك ما كان منها ومنه، غمغما في الآن ذاته وباتفاق تلقائيّ: "الله أعلى وأكبر"، ولملما حالهما المبعثر. عادت جريا تتنازعها رعشة المسرّة وهزّة غضب يبسط ذراعيه بالوصيد، لكنّ باب الرّجوع أُرتج دونك يا وردة.. ! 
أشارت عليها الجارات بالتّسلل من معبر الأسطح المتلاصقة فاسترقت خطو العوْد المذموم. بدا حوش منزلها المصفّح بطبقة من الاسمنت المرطّب قريبا والوصول إليه هيّن، بيد أنّ الخوف من السّقوط أثقل الجسم أكثر في وعيها المرتاع. لا مفرّ، الفضيحة خلفا وقدّاما وعلى طرف كلّ لسان في الحيّ. ليس هذا ما دبّرت له. 
ما العمل إذن؟ 
إن توجّعت تكتم وتجبر نفسها على النهوض لتموّه رجّة السّقوط بإسقاط شيء آخر غيرها. الجميع يغطّ في نوم موات وأزيز المروحة الكهربائيّة يملأ أذن أبيها الذي يستحيل صدره في مثل هذا الوقت من كلّ يوم مبْرك الجاثوم المُكنّى بـ "بو تْليلِيسْ" فيمنعه أن يدرك العصر حاضرا. لو قُدّر له أن يفيق ليدرك الصّلاة في أوانها، ولم يجدها منهمكة في شأن من شؤون المنزل، ترى منه تجلّيات العين الحمراء التي لرجل أوّاه يخشى الله كثيرا في الجهر (والسّرّ علمه عند الله) وبإتقان الضّغينة على احتمال ضئيل بالإساءة إلى اسمه الناصع بين رجال الحيّ، ثمّ يذهب ليسبغ الوضوء بإسراف ويصلّي العصر ونافلة من بعده مستغفرا عن عينه الزّانية كلّما حثّها على الغضّ تنطّعت تلاحق صبايا الحيّ المتورّدات حديثا.. 
سمعتُ وردة ذات يوم، فأنا كما لم أخبركم جارة قلبها بالجنب ومحرّرة رسائلها القصيرة لحمة حين يكون غير سكران، تدعو: "اللهمّ طيّب مقام بو تْليليسْ على صدر والدي بجاه نبيّك المصطفى.. يااا ربّ.."
على حرف السّطح، سحبت نفسا عميقا مرتعبا. 
واحد إثنان.. واحد إثنان.. هوووبْ.. 
الصّرخة التي انفلقت من جوفها فزّعت رُقود الجبّانة، فانتفض الحيّ من قاع الغفلة يُنْجِدها، ولحق بها الكثير إلى المستشفى المحليّ. 
في الحوش الخالي والمفتوح على وضعيّة سرديّة تتهيّأ لتغدو قصّة من صلصال معروك قابلة للتّشكيل وإعادة الصّياغة بما تقتضيه الحاجة، وعابرة للأحياء ومجالس النّميمة متعدّدة الطبقات والثقافات والأعمار، بقعة صغيرة قاتمة تخثّرت على وجه الأرضيّة الإسمنتيّة لا تقول شيئا كثيرا عن وردة ما بعد السّقوط، لكنّ الألسن غزلت منها سجاجيد كثيرة من الحكايات والحواشي المثرية لها، واستخرجت من بئر الصّمت التي غرق فيها والدها المنكفئ على شعور أسود بالعار دلاء عامرة بمياه الاحتمالات المختلفة وتصوّرات ما بعد الحادثة..

حمّة؟ 

جنّ أو هو على وشك.. يدور حول نفسه كخذروف، يلزم حاشية الطريق المعبّد المبسوط على جانب الحيّ جيئة وذهابا ينتظرها، ويغنّي لأساه، لدمها المنسكب خارج أوردته، لبقايا طعمها على شفتيه، وآثار أظفارها المزروعة بين كتفيه.. 
حين تناهت إليه بشائر سيارة الإسعاف المعْولة اختبل حاله بين ضحك وبكاء، بيد أنّه سرعان ما استدرك هدوءه المنخول.. 
قد جاءت.. 
تجاوزه الزّعيق فجرى خلف السّيارة أمتارا. وقف قلب المعبّد. رفع يده المرتخية ملوّحا، وصوته الوالع مغنّيا: 
بوَدّعَكْ.. تِنْ تِنْ تِنْ.. 
بَاوَدَّعَكْ.. 
 
* قاصة من تونس.