خطاب الإقناع في رواية بسام سلمان "امرأة عادية"

Printer-friendly versionSend to friend
سعيد فرحاوي*
 
(1)
ان التعامل مع الخطاب الروائيبصفته سردا،يجرنا،منهحيا اما النظر اليه من منظور دلالي، بحثا في اليات تشكل المعنى وتمفصلها من زاوية تركيب الأجزاء والايحاء الدلالي، وصولا الى بناء شكل الدلالة.هنا نكون مطالبين في التعامل مع النص سيميوطيقيا، او النظر الى الخطاب، بصيغة كيف قيل النص،هنا نبحث في المكان الروائي والزمن السردي وصيغة التخطيب.في هذه الحالة تكون الشعرية اوالبويطيقا السردية هي الاقرب.السؤال الذي يطرح هنا : أيهما الأقرب في ملامسة النص الروئي"امراة عادية" للروائي بسام سلمان؟. ان تتبعنا للنص ووقوفنا على محتوياته،احالتنا على موضوعة لصيقة بالجزء الاول،اي بصيغة توزع اجزاء الدلالة تمفصليا لبناء محتوى سردي موزع بشكل محكم دلاليا، متفصل في كليته، انتج خطابا ابداعيا ناضجا،الى جانب توزع عناصر الزمن والمكان بصيغ فنية مغايرة عن الزمن الطبيعي،هي احالات ادت بنا الى موضوع شامل جامع بينهما.انه عنصر الاقناع في الخطاب السردي،ذالك بتبني المستوين معا لإنتاج هذه الآلية في الكتابة. الإقناع ابتدأ في عناصر الخطاب منذ اول جملة تلفظ بها السارد،نجد الروائي يقحم الشخصيات في مواضيعه بشكل مباشر،من اول جملة في الرواية"جمعة مات". متمما كلامه،محددا مرسل الكلام باستحضار صاحب الكلام، (بهذه العبارة بدات حكايتها )،بمعنى السارد ينقل الخطاب ،بصفته سارد ديموقراطي لا يقول الا مايتلقى ،عكس السرد التقليدي الذي نجد فيه الراوي العليم،يعرف كل صغيرة وكبيرة لا يترك الحق للاخرين في الكلام،اما هنا يصيح منذ البداية بكلامه،هذه عبارة قالتها فلانة،اما انامجرد راوٍ انقل مااسمع. هنا تحضر اول خاصية في الاقناع ،بنقل كلام منطقي يحدد طبيعة المسافة بين السارد والمسرود له/ وبين السارد والمتلقي ثم بين الكاتب والقارئ،كل ذلك لبناء رواية عصرية تحترم شرط السرد الحداثي.الى جانب هذه الخاصية نجد الكلام في الجزئيات اغير المعرف يقينها ولا مصادرها، جارة السارد تكرهه وهو لا يعرف،فقط بمجرد النظر اليها تثير انتباهه بأن هناك شيئا ما يثير سخطها نحوه؛ دائما نجد ساردا محايدا،بعدها يتوصل بسر الكره من امه، هذه الأخيرة روي لها الكلام مباشرة من فم الكارهة، بمعنى خطاب يبنى بشكل محبوك وبلغة منطقية مقبولة، كل ذالك مقصود لإبعاد السارد عن كل ما يجعل من الخطاب مرتبكاً وغير معقول. 
خلاصة لما سبق ،الاقناع جاء عبر المحتوى الدلالي،اي الخبر وكيف توصل اليه ثم البناء السري بمعنى، الحياد التام من طرف السارد.اقناع بشكل مبسط جاء شكلا ومحتوى بالمفاهيم القديمة ومتفصلا ومبنيا على مستوى الخطاب، بابعاد المعرفة الكلية واليقينية عن السارد وجعله واحدا من العناصر المشكلة للعبة الكتابة ككل.
 
(2)
 رواية "امراة عادية" للكاتب الأردني بسام سلمان. البرامج السردية الفاشلة. بعد نظرتنا في الجزء الأول الى مشكلة الخطاب الاقناعي  ،بتبنيه اساليب واقعية يمثله ايصال الخبر،واختصار الفكرة الموصلة، على ان السارد لايعرف اكثر من الشخصية، نتحول الان الى البرامج السردية المتنوعة. نبدا بموت جمعة، بنهايته يتوقف برنامجه السردي في الرواية اولا ،اي توقف عمله كفاعل بنيوي داخل عملية الحكي، أي عدم قدرته على مواصلة الحياة تحيل على انهاء المهمة ويصبح وجود دوره ثانويا، تأتي الأم كعامل ذات لها برنامج سردي،تمثله رغبتها في رؤية ابنها متمسكا بالدين فيصل الخبر من الطالبة جارتها التي رات ان السارد شيوعيا ملحدا ،وعليه تكسرت رغبة السارد بحكم قربه من الأم ،ثم ياتي البرناج السردي الثالت الذي يمثله رغبة السارد في قربه من نعيمة التي يحبها الى الموت ، لتنكسر الرغبة الملحة في تقربه من المدرسة التي تكبر منه. عليه الرواية تحكمها برامج متعددة ،لم تتحقق بناء على غياب عدة عوامل مشجعة.عنصر الرغبة حاضر عند الكل باستناء جمعة الذي خانته الموت،أما الأم والسارد فهما معا يشكلان عامل ذات ،هي لها موضوعها هو الابن ، في علاقتها بالأمومة والابن ،هو له برنامج سردي تمثله الأم نفسها ،فتصبح العلاقة بينهما هي علاقة يحددها دور تيماتيكي عائلي، وبرنامح سردي في كون كل واحد منهما يرغب في الآخر، فتنكسر العلاقة ،بناء على تدخل عامل مشاكس هو الجارة.ثم عنصر المعرفة ،الكل يعرف ان البرامج السردية معرفة عند الجميع. اما الفشل فياتي خارج ارادة الجميع. ثم عنصر الواجب كمعطى موضوعي ضروري في كل العلاقات التلازمية، لكن غياب القدرة افشلت البرنامج ككل. رواية "امراة عادية" يمكن اعتبارها رواية البرامج الفاشلة بامتياز. الى جانب البرامج الفاشلة،يتحول السارد،فتصبح المراة هي المتكلمة في الجزء،الذي عنونه"صداقة "،ويصبح السارد مسروداً له، لعبة اخرى من لعبه في الكتابة، يختزل الزمن الطويل في لحظة قصيرة جدا، هذا مايسمى بالزمن المختزل في الرواية، تقول: كانت هي في السابعة من عمرها وكان هو في الجامعة،هاهي الآن اينعت واصبحت تحبه،بمعنى اخر، الزمن السابق الذي انكسرت فيه برامجه، كان عمرها سبع سنوات، في مقطع قصير كبرت وامتد الزمن الطويل في لحظة قصيرة، فاصبح حبيبها، زمن شاسع يختصر في جزء قصير ليحول السرد.التعدد اللغوي وانتقال السارد الى مسرود له وظهور شخصية جديدة فتصبح ساردة .الأكثر من ذالك، تحضر أسماء غابت في الأجزاء السابقة،وكانت غابرة ،أصبحت الآن حاضرة بقوة (جمعة )، كل ذالك ساهم في  المسار القديم انتاج شخصية تتكلم عن نفسها بمعلومات تهمها هي وحدها، وبشكل منطقي مقبول،بمعنى نقل الخبر على لسان المتكلمة نفسها،ليدل على رؤية منسجمة متماسكة،وواعية في الكتابة السردية.
 
(3)
المؤلف بسام سلمان في لعبة الإقناع وتناوب السارد داخل رواية "امراة عادية ". ان اول جملة ابتدات بها الرواية" جمعة مات" ،مرت عابرة، وكان الموضوع يعني مجرد خبر عابر،منه قد يبدو انطلاق السرد،لكن دائما اتعامل مع الشذرات في الابداع انها معطى بنيوي مهم سيكون له وقعه في ما بعد،وفعلا ذالك ما وقع،هنا استحضر توماسوفسكي الروسي،الذي قال "كلما رأيت في العمل الأدبي مسمارا معلقا"، اعلم ان الكاتب سيشنق به احدى شخصياته،كل الاشارات العابرة سيكون له حظور قوي داخل الإنتاج المسمى "امراة عادية "، بلغة سردية غير عادية،،فعلا ذلك ما تحقق في اشارة جمعة مات كأول ملفوظ في الروابة، سيتكلم السارد عن مواضيع كثيرة بدون التركيز على موت جمعة ،سيتكلم عن الأم عن الكلية عن اتهامه بالشيوعية وعن رفضه من طرف الأم سيتكلم عن نعيمة الأستاذة/ الانجليزية والكثير الكثير بدون استحضار جمعة كإشارة بنيوية مهمة في النص.سيتغير السارد مرات متعددة وبدوافع نصية قوية بدون ان يؤثر ذلك على وقائع النص،الا ان الجميل المثير في تناقل المعلومة في الرواية هو الإشارة الي المصدر الذي على اساسه ثم نقل الخبر ،بمعنى الخبر هنا غير مفروض ولا الزامي،الخبر متوصل اليه من فم صاحبه مباشرة،مثلا "اكتب لك من رسالتي هذه "،هنا المعلومة المنقولة مصدرها الخبر المنقول من الرسالة،او"كان في كل رحلة من رحلاته يكتب لي" ،او ما جاءها عن طريق الاخبار"اخبرتني اختي ان جمعة مات "،الخبر ينقل بأمانة الصدق ليقرب ذلك من واقعية الحدث واقناع ان المروي قريب من الواقع، ليجعل من الانتاج الروائي عملا له مصداقيته المستمدة من المرجع الحقيقي الذي هو الواقع،هنا يحضر عنصر التمويه والاقناع بحقيقة المروي ليشكل قصة حقيقية تبعد طابعه الخيالي.اللعبة هنا تستمد قوتها من خلال تحول السارد في كل مقطع الى سارد اخر ،مرة يكون رجلا كما هو الشان في المقطع الأول والثاني وفي المقطع المعنون"نعيمة "،يتحول الى سيدة تتكلم عن موضوع آخر عندما يكون الموضوع هو جمعة،هذا الأخير سيحضر بقوة ويصبح فاعلا في كل مواضيع الساردة، بمعنى سيصبح هو موضوع سردها وليس شخصية عابرة مرور الكرام كما يبدو للبعض في أول اطلالة من الخطاب.هذا التغيير في لعبة السارد منطقي هو ايضا بحكم طبيعة الموضوع المتكلم عنه،عندما يكون الموضوع هو جمعة يكون السارد انثى وعندما يتحول الى(نعيمة )،يصبح السارد رجلا،هنا نجد هذا التناقل موضوعه اضفاء حركية قوية على الفعل في الرواية،من جهة،وفي  الوقت نفسه اضفاء صبغة تمفصل المعنى بالشكل المتكلم عنه في التقديم. النص يتحرك عموديا من خلال بناء الخطاب والتحكم في تحركات السارد بأشكال متنوعة ويتحرك افقيا في اللعب بالمغزى وبصيغ بنائها على طول الرواية. 
بعد الدخول في محور الرواية،الذي فضل ان يجزاه في فصول قصيرة ،كل فصل له قصته التي قد تبدو منعزلة عن غيرها لكنها في العمق متكاملة ،كل فصل يستلزم الآخر بطريقة تخفي المعنى الأم. شذرات المعنى تتوزع لتؤسس مجموعة من الأجزاء ،وضيفتها اضفاء صبغة اللعبة الروائية من خلال خلق بنية متداخلة ومتكاملة.
 
(4)
 ثيمة المراة كموضوع لعنوان الرواية. أول خطاب منطوق في الرواية،هو جمعة مات،استحضرته امرأة لامرأة،في الفصل الأول الذي عنوانه (موت )،موت رجل وظهور امراتين لهما دوران وضيفيان في بنية السرد داخل رواية "امراة عادية "،هذا الظهور للمراة الساردة،الى جانبه انتهاء حياة لرجل مهم في حياة امراة اخرى،نقراه على اساس وظيفته الدلالية داخل النص. ان التقديم لا يعني مروراً عادياً مفاده ان الروائي يريد اخراج رجل من منظومة الحكي واستحضار امرأتين بشكل عادي،هناك منطق نصي ما وراء هذا الاستحضار.ان حضور المرأة بهذه القوة،القوة السردية،والقوة السلطوية من جهة اخرى،من جهة السرد هي هنا حاضرة على طول الاحداث الروائبية وفاعل بنيوي مهم،في الحكاية هي موضوع حبيبة جمعة بل هي حياته ،هي امه وسعادته ومصدر كل ماهو جميل في حياته،هي حاضرة بقوة،الى حد انه لايستطيع العيش بدونها. ثم في فصل(نعيمة )، السارد ،الذي يلعب دور سارد وشخصية في  الوقت نفسه، يرى في نعيمة مصدر سعادته واحبها الى اقصى الحدود في الاخير تزوجت برجل اخر، نفس الشئ بالنسبة للساردة التي تؤدي هي الاخرى ازدواجية الوضيفة.اذن هناك ديموقراطية في توزيع الأدوار الوظيفية داخل العمل السردي،يتقاسمان المهمة والحياة السردية داخل الرواية،بل احيانا هي اكثر منه حضورا ووقعا في مجموعة من المناسبات الحكائية.هي ناقلة الخبر،هي المنقول اليها الحكاية، هي المتوصلة بالرسالة، بمعنى تتحكم في يقين الأحدات ككل.هي الحبببة الأولى في حياة جمعة،الشخصية الغائبة/الموت،والحاضرة،بصفتها موضوعاً رئيسياً في الحكي.اما هو (مات جمعة )،الى جانب ان الرجل دائما في موقع المدافع،في قصة الأم،يدافع عن التهم المنسوبة اليه، والتي مصدرها امراة/الجارة الطالبة،هزيمة السارد /الشخصية ،في فصل نعيمة التي احبها الى الموت. في الأخير تزوجت رجلا اخر، ثم الام القوية والابن الضعيف،هي كلها مؤشرات قوية تحيل على ان المراة هنا قوية مشاركة في كل الأهداف، محركة للفعل السردي ككل. بناء عليه هي ليست عادية بل هي الام القوية ،الساردة الواثقة من نفسها العارفة كل زمام الامور،المتيقنة من تحركاتها وحركتها، هل هذه المراة عادية، هنا يتكلم بمنهج برهان الخلفي يحدد الشيء بضده،اراد ان يقول امراة غير عادية فقال العكس،ربما يريد اخفاء الحقيقة في الكتابة ليجعل القارئ ينفلت في وصوله الى الحقيفة بصيغة مختلفة،بمعنى تمويه الكل بمعلومات خفية ومثيرة،معلومات يميزها الفجائية والمعلومة المختلفة عن الأخرى الحاضرة على مستوى الشكل.
 
(5)
 لعبة الوعي في الكتابة في رواية بسام سلمان (امراة عادية ). (قالوا حياتها سر )، ص24،(قالوا :امرها عحيب )، الصفحة نفسها،اشارة مسبقة يحدد بها الروائي مستوى المعلومات وتناقلها بين الشخصيات في رواية "امرأة عادية"،لا احد يعرف عمق االاخر الا الروائي الذي ابعد نفسه تقنيا واعطى المسؤولية للسارد الذي هو نفسه الشخصية. سر لا يعرف عنه الآخرون شيئا،هو لا يعرف الا ماينقل اليه،(لا أحد يعرف عني شيئا )ص24،في المعرفة المعلوماتية تنقل لها من فم الشخصية( حكى لي جدي عن سفره الى تركيا خمسين سنة قال )ص28،مرة اخرى تقول(حكت لي جدتي )،اوعندما تتكلم عن جمعة،تقول(حكى لي جمعة )،الحكي يكون اما بالكلام المباشر او بالرسائل(اكتب لك رسالاتي هذه )،ص30،او مرة اخرى(كانت تلك الرسالة بداية موت جمعة )،كما ان المعلومة تتوصل اليها عن طريق الاخبار(اخبرتني اختي ان جمعة مات )،والمعلومة قد تصلها بالنظرة،هنا نتكلم عن الجانب النفسي في ايصال المعلومة(نظر الي جدي وقال).خطاب سردي محبك دقيق في اعطاء كل شخصية حقها في ايصال الخبر وتوزيع الأدوار السردية في الرواية،كل ذالك بشكل مقصود وبنيوي،ليس المعطى اعتباطي ،لأن التوزيع تحقق على الرواية ككل وبين جميع الشخصيات ،سواء المحورية او الثانوية. بعد ذالك تبدا بعد الملامح تظهر بتتابع محكم.شخصية جمعة بعدما تم في بداية الرواية الاشارة اليها،ثم تركها والعودة الى مواضيع اخرى،ظهرت من جديد وبشكل مركزي للحديث عنها بشكل مفصل،في كل اشارة تعرف احد جوانب حياته المهمة،كدوره التيماتيكي السوسيوثقافي داخل مجتمع الرواية،كما تقول الساردة(من اجل الخبز يخاطر السائق في نقل الموت بصهاريج شاحناتهم ،كتب لها رسالة،قبل سفره )،اذن جمعة يعمل كسائق في مسار دوره داخل الرواية،جمعة عرّف نفسه بنفسه، والمعلومة نقلتها بأمانة كبيرة الساردة، لتحدد مهمته السوسيوثقافية،في  الوقت نفسه عرفنا لماذا مات، وكيف مات، بعدما ظل موضوع موته في الاول غامضا.كل شيء يعرف عن الشخصيات من الشخصيات ذاتها،بشكل تسلسلي وفي الوقت المناسب،اما بحوار او بإخبار او برسالة. كما تقول(كان في كل رحلة من رحلاته يكتب لي تفاصيل الرحلة )،ص30،ومنها تخبرنا نحن بكل المعلومات. هذه هي رواية بسام سلمان،وهذا هو الخطاب السردي المؤسس عل لعب مثيرة بشكل فني واع، متمكن من لعبه السردية، ينقل الحكاية بدراية متمكنة،يعرف الصغيرة والكبيرة، يصطنع تمويهاته الخاصة، وهي احدى تجليات المكر السردي.رواية،ان شئنا،يتعدد فيها السارد اللغوي، يتوزع حسب المطلوب في النص،مرة يكون ساردا ومرة مسرودا له، ومرة اخرى شخصية، وهي كلية متداخلة دورها المحوري انتاج دينامية في الرواية تخفي المطلوب وتظهر غير المرغوب فيه،كل ذالك اساسه لعبة جميلة من لعب النص المتعددة.
 
* أديب من المغرب.