حُـسين مروّة بعـد ثـلاثـيـن عـامـاً من الرَّحيل

د. عـبـد الـقـادر حـسـين ياسـين*
 
تمر علينا هذه الايام ذكرى مرور 30 عـامـاً ، على رحـيـل المفكر والمناضل اللبناني والعربي والاممي الدكتور حسين مروة. 
فـفي مثل هذه الايام من سنة 1987 سقط حسين مروة من جراء رصاصات غادرة . 
 
لم تشفع له شيخوخته ومرضه ، لا لشيء ، 
فقط لأنه مفكر كان يـغـرد خارج السرب الطائفي والمذهبي . 
كان للراحل الكبير حضور فكري وثقافي طاغ ومتميز ، 
لمَ لا ، وهو المفكر والمثقف الموسوعي المتعدد الاهتمامات . 
ويكفي المرء تدليلا على ذلك ما انجزه من تراث ثقافي متنوع، في مختلف مجالات المعرفة على امتداد اكثر من خمسين عاما، وكان لديه المزيد لولا اغـتياله. 
 
يمثل حسين مروة احد نماذج المفكرين والمثقفين التنويريين والنهضويين العرب ،  الذين امتازوا باستيعاب التراث العربي الاسلامي بمختلف اوجهه من طرف، والثقافة الحديثة من طرف آخر، ليوالفوا ما بين التليد والحديث . 
 
لكن حسين مروة يظل مع ذلك حالة مميزة، من بين المفكرين التنويريين العرب وذلك لسببين : 
الأول انه كان في الاصل رجل دين تتلمذ في حوزات النجف الدينية، متشربا بطبيعة الحال ثقافة عربية ـ إسلامية تقليدية شيعية . 
والثاني انه استطاع في الوقت نفسه ان يتزود من معين الثقافة الحديثة عموما، والعلمانية خصوصا ووجهها اليساري ،وبشكل اخص بوجهها الاشتراكي، يضاف إلى دراسته الدينية ، ليقدم من خلال هذه التوليفة المركبة والمعقدة، شيئا جديدا يتناسب والمنطق الديالكتيكي العلمي ، الذي تبناه مروة منذ تعرفه على الفكر الحديث ،  في مجال القراءة المختلفة للتراث العربي الاسلامي ، وخاصة الفلسفة . 
 
وهذا ما تجلى في منجزه الاهم "النزعات المادية في الفلسفة العربية الاسلامية" ، 
وبذلك يعتبر حسين مروة احد اهم الرواد ، في قراءة التراث العربي الاسلامي قراءة مادية جدلية ....
 
ومن المعروف ان كتابه هذا قد اثار كثيرا من النقاش في الاوساط الثقافية العربية ، وأنجزت كثير من الدراسات والحلقات والكتب حول كتابه . 
أكثر من ذلك انه ربما ليس صدفة ان يتزامن صـدور كتاب ،"النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية" مع كتاب "الاستشراق" ،للـمـفـكـر الـفـلـسطيني الـراحـل إدوارد سعيد . 
فكلاهما كانا مثلا سبقاً وفتحاً فكرياً  ثقافياً في مجاله ، 
فالأول يمثل قراءة جديدة نقدية وبمنهج جديد للتراث العربي الاسلامي ، 
والثاني يمثل قراءة جديدة ، وبمنهج مختلف ، عما هو سائد من قراءات لتراث الاستشراق . 
 
إسـتـغـرق إنجاز "الـنزعات المادية" خمسة عشرا عاما ، من البحث والجهد والتنقيب والدراسة . 
لكن قبل هذا مثل مروة قلعة ثقافية شامخة في المعمار الثقافي العربي الحديث ، 
فهو بالإضافة إلى كونه فيلسوفا كان اديبا وناقدا وسياسيا . 
فعلى امتداد أكثر من خمسين عاما كان له حضوره في الساحة الثقافية العربية ،
وهو الذي بدأ بصفحة الادب متمردا على اجواء النجف المتزمتة ، ليصبح احد أعمدة الثقافة العربية في النصف الثاني من القرن العشرين .
 
بدأ مروة حياته الثقافية بكتابة الادب منذ السنوات الاولى لثلاثينات القرن الماضي ، 
وكانت بدايته في مجال القصة والشعر والنقد والمقالة ، حيث كان ينشر ما يكتبه في الصحف والمجلات الـعـربية. 
كما ساهم أيضا في العديد من الفعاليات والانشطة الثقافية والسياسية ،  عندما كان في العراق خاصة مشاركته في انتفاضة 1948 المناهضة لمعاهدة ' بورتسموث ' ، والتي على أثرها تم إخراجه من العراق ليعود الى لبنان . 
كما كان من بين المساهمين في تأسيس اتحاد الكتاب العرب ، واتحاد الكتاب اللبنانيين ، هذا فضلا عن مشاركاته الدولية من قبيل عضويته في اتحاد كتاب آسيا وافريقيا . 
 
وعلى امتداد أكثر من نصف قرن قدم حسين مروة للثقافة العربية، ذخيرة ثقافية مهمة ويعتد بها في العديد من مجالات الثقافة والفكر ، وتمثل محطات مهمة في مسيرته الفكرية من جهة والثقافة العربية . 
ومن بين الكتب النقدية الموجهة الى قراءة التراث الادبي كتابه  " قراءة جديدة لوجوه قديمة ". ويمثل هذا الكتاب بدايات مروة في تلمسه للمنهج المادي التاريخي ، في قراءة التراث العربي في وجهه الادبي . يضاف الى ذلك كتابه المهم " تراثنا كيف نعرفه " ، وهو مجموعة من الدراسات والابحاث التي سبق له ان نشرها على امتداد عـقود ، ثم وضعها في كتاب صدر في عام 1985 . 
 
في عام 1978 كانت الثقافة العربية على موعد مع كتابه المهم "النزعات المادية في الفلسفة العربية الاسلامية " ، ويتكون من جزئين في طبعته الاولى ، وقد كان مروة يهم بالعمل في الجزء الثالث ، لكن اليد الآثمة حالت دون ذلك . بعد هذا الكتاب أصـدر مـروة كـتـاب "دراسات في الاسلام "مع آخرين ( محمود امين العلم ، محمد دكروب وسمير سعد ) . ويـتـنـاول هذا الكتاب بعض الحركات الاسلامية مع تسليط الضوء عليها من منظور ماركسي . 
 
وفي السياق نفسه صدر له كـتـاب بعنوان "في التراث والشريعة " ، يتناول فيه مروة التراث الاسلامي في الفكر المعاصر، كما يتناول فيه ، من خلال قراءة متأنية ، 
كتاب الشيخ عبد الله العلايلي  "أين الخطأ ؟" . 
 
على الصعيد السياسي 
كأي مفكر كان لحسين مروة رأي في الثورات العربية في خمسينات القرن الماضي ، 
فـقـد صدر له كتاب بعنوان "الثورة العراقية ". 
يحاول مروة في هذا الكتاب البحث في جذور واسباب الانتفاضات والثورات،
في العراق منذ ثورة العشرين مروراً بالانقلابات المتعاقبة حتى الثورة العراقية مع التركيز عليها ، باحثا في ذلك عن الجذور الاجتماعية والسياسية والاقتصادية ،
التي ادت الى تلك الحركات وطبيعة قياداتها . 
 
مروة الصحفي والكاتب
 
كانت حياة حسين مروة حافلة بالإنجازات ، فهو الى جانب كونه مفكرا ومثقا كبيرا فهو كاتب صحفي ومساهم فكريا،في عدد من المجلات الفكرية كمجلة "الطريق" اللبنانية ، ومؤسس في مجلة "الثقافة الوطنية" ، وكاتب في العديد من الصحف مثل صحيفة "الحياة" ، 
كما شارك في تحرير صحيفة "الاخبار" ، ثم صحيفة "النداء"، 
وهو الذي ظل يكتب مقالا يوميا في هذه الصحيفة اثناء الغزو الاسرائيلي للبنان عام 1982،  
تحت عنوان "الوطن المقاتل"، وقد مثل هذا المقال حافزاً قوياً للحركة الوطنية اللبنانية والمقاومة الفلسطينية ، للوقوف أمام همجية الغزو الاسرائيلي للبنان وصولا الى بيروت وحصارها . 
 
وبعـد؛
 
بـعـد 30 عـامـاً على رحيلـه ، ما زال حسين مروة حاضراً في الذاكرة العربية ، كـواحد من أعمدة الفكر العربي التنويري الحديث  ، الذي دشـَّن نوعا جديدا من القراءة للتراث،  
بمنهج مختلف تماما عما هو سائد ،ويكفيه ذلك فخرا .
 
(الصورة المنشورة للمفكر اللبناني الراحل حسين مروة).
 
* كاتب وأكاديمي فلسطيني مقيم في السويد.