حيرة

طلال الحضرمي*

لجة الليل كادت أن تجرني لعالمها الكئيب لولا ذلك الدفتر المنسي على رف الذكريات، رحت أنفض عنه غبار السنين وأسافر في بحر صفحاته، إنه دفتر اللغة العربية للصف الرابع الابتدائي، أضحكتني خطوطه المتعرجة فقهقهت طويلا قبل أن تباغتني عبارات أعادت إلي طفولتي الباسلة: 
"الفدائي الفلسطيني" 
 "جيش صهيون سيقهر " 
" أطفال الحجارة أبطال ".
 هبت عاصفة اقتلعتني ومع موج العبارات ارتطمت بجبال الواقع، استفقت على نشرة أخبار التاسعة. حيث المذيعة تذيع العجائب، إنها تصف الفدائي أحمد بالانتحاري، وأنه فجر نفسه أمام نقطة أمنية للجيش الإسرائيلي. يا للهول إنه جيش صهيون. هكذا هو مدون في دفتري، 
 تخلل النشرة فاصل إعلاني لمصرف مملوك لثري يهودي والغريب أن القناة التي بث فيها الاعلان لشريف عربي. 
هناك معادلة لم أفهمها : 
 من باع القناة ؟ ومن إبتاع المصرف ؟
 استهلت النشرة بأخبار ربيع عربي، يا للعجب ! فقد كان مراسل القناة يرتدي معطفه الثقيل بينما الشتاء قارس. ربما أن المذيعة تهذي.
 لا...لا ربما هو النعاس يغلبني فكابرته منتظرا مشاهد أطفال الحجارة، انتظرت كثيرا فلم يأتي خبر عنهم .
 هل ماتوا جميعهم ؟! 
هل نفذت منهم الحجارة ؟!
 هل كبروا فما عادوا يحسنون رمي حجارتهم صوب جيش تعددت أسماؤه "جيش صهيون''، "جيش الإحتلال"، 
أم كما تتدعي الجميلة الجيش الإسرائيلي ! 
أودعت دفتري برفق لرفه، 
بينما تسللت أنا لمخدعي هربا من تلكم العبارات ومن ليلة كافأتني بالحيرة.

* أديب من سلطنة عُمان.