حول كتاب أزيار: "آليات التفاعل النصي ودورها في التجنيس الأدبي" : التفاعل النصي وإشكاليات القراءة

حسن الطويل*

 

تجيب نظريات التفاعل النصي، مثل نظرية التناص ونظرية الحوارية، عن أسئلة مهمة بخصوص علاقة النص بالعوالم الخارجية. فالنص من منظور التفاعل النصي، يتكون في العالم ويكتسب صفة الوجود بما يقيمه من صلات مع نصوص تتشكل في صور متباينة: نص لغوي مكتوب _ ثقافة شفهية تراثية _ عقائد _ أساطير ... فقدر النص هو التفاعل مع العالم والثقافة والتاريخ تبنيا ورفضا.
  وقد استند الباحث عبد السلام أزيار في كتابه "آليات التفاعل النصي ودورها في التجنيس الأدبي" (دار كنوز المعرفة، ط1، 2015) إلى هذه القاعدة النظرية في مقاربته لرسالة ابن شهيد الأندلسي المسماة "التوابع والزوابع" على مستويات البناء والمقاصد ومنزع الكتابة. وهذا الاختيار المنهجي يبدو معقولا للغاية، لأن رسالة التوابع عُرفت عند دارسي الأدب بما تثيره من أسئلة لها صلة بالتفاعل النصي، وأهم ما يشهد على ذلك الجدلُ الذي قام بين الدارسين حول ممكنات التأثير والتأثر التي وصلت "رسالة الغفران" لأبي العلاء المعري برسالة التوابع. من هنا نقول إن نص التطبيق الذي درسه الباحث يحتاج فعلا إلى من يطرقه من باب طبيعته التفاعلية.

 

1- التفاعل النصي: النظرية والأدوات
عرض الباحث أزيار المدونة النظرية التي استعان بها لإنجاز مهمته بتبصر ودراية؛ فلا "يمكن معالجة مفهوم التفاعل النصي من دون ضبط المفاهيم الموازية له، والتي تشاركه الفعالية النصية من حيث هي تأثير متبادل بين الخطابات". وقد اجتهد الباحث في بيان تصورات كل من الحوارية والتناص ونظرية التلقي، وجميهعا مشارب نقدية تهتم بالتفاعل النصي وتقدم إجابات بخصوص العلاقات التي تقوم بين النصوص. وإلى جانب ذلك خصص الباحث محورا مقتضبا بين فيه حضور التفاعل النصي في النظرية البلاغية. وإذا تتبعنا ما جاء في هذا المحور  سنتبين أن الباحث يُخضع البلاغة _ مفاهيم الإيتوس والباتوس والمخاطَب _ لتصورات نظرية التلقي، وهذه النظرية يبدو تضخمها واضحا في الكتاب قيد المناقشة، فقد خصها الباحث بحديث طويل بين فيه أصولها ومفاهيمها واهتمامها بتفاعل النصوص. يقول عبد السلام أزيار: " وهي تلتقي _ يقصد البلاغة الأرسطية _ مع بلاغة التلقي في اهتمام كل منهما بالقارئ وقدرته، وبالنص وانفتاحه. كما أنهما تلتقيان  مع بلاغة الحجاج  ( !!) في التعامل مع النص قراءة وتأويلا، لأن النص هو نسيج من الفضاءات والفجوات التي يجب ملؤها، أو كان مبدعه يتوقع أن تمتلئ، لأن النص آلية تعيش على فائض قيمة المعنى الذي يدخله فيه المتلقي". ويقول عن مفهوم الإيتوس إنه "يوازي التفاعل النصي في المعرفة من حيث هي دراية عند الكاتب / المؤلف بالنصوص، وتوظيف المقروء النصي أثناء الكتابة بما يؤدي إلى إقناع القارئ بجدارة الكاتب والنص الـــمُنتج معا".
من حق أي باحث أن ينطلق من الجهاز النظري الذي يقتنع بفعاليته في مجال المقاربة التحليلية، والباحث أزيار توفق إلى حد بعيد في استنطاق البعد التفاعلي في رسالة التوابع بتوظيف آليات مستخلصة من نظرية التلقي، مثل آلية القارئ المنتج وآلية المسافة الجمالية. لكن النظرية البلاغية لم تحضر بالصورة المنتظرة في كتاب الباحث. فلا يستقيم  أن نجعل المخاطب في البلاغة يوازي القارئ في نظرية التلقي؛ فالمخاطب مُطالب بالتأثر والاقتناع، أما القارئ فيستهدفه النص بكونه مساهما في بناء الأفكار وملء الفجوات وتحديد الدلالات؛ أي إنه جزء من عملية الصياغة النصية. وبتعبير آخر، تتعذر المساواة بين عمل الإقناع الحجاجي الذي يطلب تعاون المخاطب من أجل تحقيق غرض عملي_ وعمل الصياغة الأدبية الذي يطلب تعاون القارئ من أجل إتمام إنتاج النص. وبسبب إغفال مثل هذه التمييزات، وبسبب صهر البلاغة  في نظرية التلقي، وجدنا البلاغة في كتاب عبد السلام أزيار تحضر لتغيب، وهذا ما حدث في فصل الكتاب النظري على الأقل.
فكيف يمكن استحضار النظرية البلاغية في معرض دراسة  التفاعل النصي في رسالة التوابع والزوابع؟
وبما أن البلاغة نظرية في تحليل الخطاب تتمثل وظيفتها في دراسة وسائل الإقناع فإنها ستهتم بالنصوص التي ينفتح عليها صاحب الخطاب من جانب اندغامها في الطاقة الحجاجية. فالتفاعل النصي في البلاغة استراتيجية حجاجية يحكمها مقصد الإقناع. وقد انفتح ابن شهيد الأندلسي في رسالة التوابع على نصوص عديدة ليعارضها ويتفوق عليها، أو ليبني نصا ساخرا . فالانفتاح  على النصوص بالنسبة إليه وسيلة من وسائل إثبات تفوقه في مجال الأدب. وهذه أمور بيَّنها عبد السلام أزيار بتفصيل... هنا إذن يمكن أن تتدخل البلاغة لتمارس مهمتها في الكشف عن الطاقة الإقناعية التي يختزنها التفاعل النصي.
وبصفة عامة يمكن دراسة رسالة التوابع تفاعليا انطلاقا من مستويات متعددة لها صلة بسؤال الوظيفة: ما وظيفة التفاعل النصي في رسالة التوابع؟ وما جاء في كتاب الباحث أزيار بخصوص هذا السؤال رأيت تقسيمه إلى ثلاثة أقسام تقابلها ثلاث نظريات تهتم بتحليل الخطاب:
 
• وظيفة البناء والصياغة. فقد انفتح ابن شهيد على أنماط سردية تراثية، خاصة ما جاء في قصة حادث الإسراء والمعراج،  وأنشأ بالتفاعل معها حكايته القائمة على توظيف عوالم الدهشة والسفر المتخيل واستدعاء شخصيات مفارقة لعالم الإنسان. يبحث هذا المستوى من التفاعل النصي عن جوانب الإبداعية في استحضار النصوص والتماهي معها، ونظرية التناص قادرة على إضاءة طريق هذا البحث بما تقترحه من إضاءات ترتبط بكيفيات تعالق النصوص.
• وظيفة الحجاج. وقد أشار الباحث أزيار إلى هذه الوظيفة في فصول كتابه التطبيقية. حصل ذلك أثناء تحليله للنصوص التي استدعاها ابن شهيد محاكاة أو معارضة ليثبت لخصومه مقدرته الأدبية المتميزة. وإن التفاعلات النصية من هذا النوع غرضها الإثبات الحجاجي الذي يتلخص في الإقناع بأهمية نصوص ابن شهيد الأدبية، وهنا يمكن أن تحضر النظرية البلاغية لتدرس كيفيات المحاججة بالتفاعل النصي على هذا الغرض الإقناعي.
• وظيفة الكشف عن الصراع الإيديولوجي. ورسالة التوابع تزخر بتقابلات فكرية حول موضوعات كثيرة، منها موضوع أصل الإبداع الشعري، هل يعود إلى النحو والبيان أم إلى الفطرة والإلهام. ولعل نظرية الحوارية تقدر على إعانة هذا المستوى من  البحث دراسة وتحليلا. 
 
2- منزع ابن شهيد في الكتابة:
يقول عبد السلام أزيار: " إن كل كاتب يخضع لنظام الكتابة السائد في عصره، منه يستقي الأسس والمبادئ، ويتماثل معه استجابة لدوافع المتلقي، ويختلف معه في الآن نفسه ضمانا لخاصية التميز". رأيت هنا أن أوظف مصطلح "المنزع" الذي يشير به حازم القرطاجني إلى خصوصية الصياغة الشعرية على مستويات الأسلوب ونظم الكلام وترتيب المعاني والتصرف فيها.  والشاعر الموفق في رأي حازم هو من يتخذ لنفسه منزعا يكون مأخذا في "بنية نظمه وصيغة عباراته وما يتخذه أبدا  كالقانون في ذلك". والباحث أزيار في وضعه لرسالة التوابع ضمن دائرة الإنتاج النصي النثري العربي القديم كان يبحث عن منزع ابن شهيد في الكتابة، فصحيح أن هذا الكاتب الأندلسي خضع لسلطة الكتابة في عصره برافديها المحلي والمشرقي، غير أنه احتفظ لنفسه بمنزع كتابي متفرد كشف جوانبه المهمة عبد السلام أزيار.
   يرتبط البحث في خصوصية الكتابة انطلاقا من المدخل التفاعلي بحركية الأجناس الأدبية وتطورها، فمعنى أن يَخضع الكاتب لنظام الكتابة السائد في عصره ويخرج عنه في الآن نفسه؛ معنى ذلك أنه يساهم في تطوير الجنس الأدبي الذي يكتب فيه؛ يتمثل ثوابته ويعمل على تجاوزها باقتراح بدائل إبداعية جديدة. وحينما نتحدث عن سلطة الجنس الأدبي فإننا لا نقصد سلطة بثوابت مجردة، بل نقصد جملة من النصوص المؤسسة التي رسخت ثوابت جنس أدبي محدد. فعملية مخالفة الجنس الأدبي والثورة عنه تتم تفاعليا بواسطة استدعاء النصوص السابقة بنية المحاكاة أو المخالفة. من هنا نفهم كيف ربط عبد السلام أزيار بين التفاعل النصي والتجنيس الأدبي؛ ففي رأيه يمكن الإمساك بالهوية الأجناسية لرسالة التربيع بتحليل تفاعلها مع مدونة النص النثري العربي القديم.
   بين المؤلف خصائص منزع الكتابة لدى ابن شهيد في رسالة التوابع، ثم بنى على ذلك نتائج لها صله بالهوية الأجناسية للرسالة المدروسة. يذكر الباحث أن ابن شهيد، وهذه خاصية يشترك فيها مع ابن حزم الأندلسي، حكمته نزعة نرجسية في الكتابة؛ إذ نجده في رسالة التوابع " قد حاول أن يضع صناعتيه (الشعر والنثر) في مكانة تفوق ما أبدعه جميع أدباء الشعر والنثر القدامى والمحدثين بالمشرق والمغرب على السواء". وهذه النزعة وجه من وجوه إحساس الكتاب الأندلسيين بشخصيتهم الحضارية واعتدادهم بذواتهم الإبداعية أمام الإبداع المشرقي.
   ويذكر أزيار أيضا أن الكتابة في رسالة التوابع تتميز بتوظيفها لأساليب كتاب العربية كالجاحظ وعبد الحميد وبديع الزمان الهمذاني. وغاية ابن شهيد من هذا المنزع أن يباهي "غيره من الأدباء ويبزهم في مجال أسلوبي أكثر صنعة، وكذا في بناء التعبير على نحو تظهر معه المقدرة على التفنن في الأساليب".
ومن أهم ما ذكره الباحث في باب منزع الكتابة في رسالة التوابع ما يلي: 
- توسل الوصف بالفعل السردي.
-  توظيف الرموز ( الجن _ الحيوانات ...).
- التقريب بين الشعر والنثر .
- تراوح النص بين خطابي الترسل والسرد.

 

 ولأن البحث في التفاعل النصي لا يقتصر على تحليل الموضوعات وصيغ بناء النص، فإن الباحث أزيار حاول أن يبين ما يتميز به بناء العبارة في رسالة التوابع. وهذا المسعى يلزم الباحث بمباشرة تحليل أسلوبي دقيق يظهر ما يتفرد به النص على مستويات تركيب الجملة وتقابل الوحدات اللغوية والتصوير ، غير أن ما وقفنا عليه في هذا الصدد لم يتجاوز الملاحظات العامة. يقول الباحث محللا مشهدا وصفيا في رسالة التوابع: "لقد تفنن أبو عامر في هذا الوصف إلى حد الروعة الفنية، ويظهر ذلك في دقة الملاحظة، وواقعية المشاهد مع خفة الروح وأناقة الأسلوب". 
يكشف هذا النص عن نية الباحث في تقريب الخصوصية الأسلوبية لرسالة التوابع، إلا أن الكفاية التفسيرية التي سخرها لهذا الغرض اقتصرت على تسجيل مواقف ذوقية خالصة، لا يمكن لها إثبات معطيات دقيقة تثبت تميز الأسلوب وخصوصيته.
يضيف  أزيار إلى مظاهر تميز رسالة التوابع المذكورة ملاحظات متعلقة بالصراع البوليفوني؛ إذ يرى أن رسالة التوابع هي أول نص "يقيم البوليفونية  على أرض تفاعل نصي ذي مضمون جمالي غايته إقامة وجهات النظر حول طرائق الكتابة". ونموذج هذا الصراع الجمالي ذلك الحوار الذي دار بين الإوزة وصاحب رسالة التوابع حول الشعر، هل هو عائد إلى النحو والغريب، أم هو عائد إلى الإلهام؟". وتكمن أهمية هذه الملاحظة في كونها تنبه إلى حدوث تحول في النثر العربي القديم على مستوى القضايا التي يتناولها. وبكلمات أخرى تقول هذه الملاحظة إن الأدب النثري القديم، ابتداء من رسالة التوابع، امتدت حدوده إلى مناقشة مشكلاته الخاصة. غير أن سؤال الأصل يصعب الحسم فيه دائما. وإقرار هذه الصعوبة يترسخ أكثر إذا علمنا أن المقامة الجاحظية لبديع الزمان الهمذاني، وهي نص يسبق رسالة التوابع زمنا، انطوت بدورها على بوليفونية جمالية موضوعها أدب الجاحظ.
 
* باحث من المغرب.