حول رواية ناطق خلوصي "البحث عن ملاذ" القاهرة ليست "الفيل الأبيض"

Printer-friendly versionSend to friend
سعدي يوسف*
 
في العام 2014  كتبتُ عن "أبواب الفردوس"، الرواية الثانية لناطق خلوصي، مشيراً إلى أنها "رواية موضوعيّة ، بمعنى أن الشرط الأخلاقيّ الأساس،  وهو النأي بالذات ، في الفن الروائي ، متوافرٌ هنا ،  في الأحداث والأشخاص، وسيرورة المصائر " .
اليوم يصدر ناطق خلوصي روايته الجديدة " البحث عن ملاذ "، في مائتين وستٍّ وثلاثين صفحة ، عن  " دار ميزوبوتاميا " البغدادية .
هذه الرواية ، مثل سابقتها ، موضوعيّة .
لكنها، وهي الصادرة ببغداد، تتّخذ القاهرةَ مسرحاً ، حيث يتكثّف مسارُ الأحداث ، ويتشابكُ  في عمارة سكنيّة لمتوسطي الحال ، وسط القاهرة ، هي عمارة "الفيل الأبيض".
يقول السائقُ الذي جاء بـ " وحيد المرزوق " من مطار القاهرة إلى العمارة السكنيّة ، مفسِّراً الإسمَ الغريبَ للمبنى :
" إنه مزاج صاحبها الأول ، وهو من القطط السمان كما نسمّيهم هنا في مصر . أتدري ؟ انه من أثرياء الحرب . كان عتّالاً في الميناء ، وبقدرة قادر صار يعمل في المقاولات ،وحين جاءت حرب السويس بدأ نجمه ، كما سمعتُ ، بالصعود في دنيا المقاولات حتى صار أكبر أثرياء البلد قبل أن يرحل ، ولم يحظَ سوى بكفَنٍ أبيض وحفنات تراب ربّما لم تشبِعه. أكثر الظنّ أنه اختارَ هذا الإسمَ لأنه تخيّلَ أنه تضخّم حتى صار فيلاً " .
*
 
الشخصيات في هذه الرواية كثيرة ،  تقتضي مهارةً من المؤلف  في السيطرة على جلاء الملامح ، وتعاشُقِ المصائر ، وتشابُكِ الأحداث ، مع الحرص على إدامة هدفٍ من الأهداف الأساسِ في العمل : فضح الفساد في العراق المحتلّ .
قلتُ إن شخصيات الرواية كثيرة :حمادة (بوّاب) الفيل الأبيض ، وزوجته شريفة التي تنام مع الجميع . أمّ هاني ذات المرصد المسمّى باسمها ، المرصد "الذي يرصد الرائح والغادي " ، ابنُها هاني الذي ينام مع أمِّه ، وابنتها شيرين ، فتحي السائق ، الشيخ عبد التوّاب وزوجته الليبيّة الشيخة حميدة ، نجيب البغدادي (الشيوعي العراقيّ المستقلّ) .
ممدوح ونادية . "نادية طرفٌ مهمّ وشريكٌ فاعلٌ في المجموعة التي عُرِفت باسم ( ثلاثيّ البطاقة التموينيّة ) ، وقد لعبتْ دوراً كبيراً وحيويّاً في إتمام الصفقات التي جعلت الدولارات تنهال عليهم مثل ما ينهال المطر " . 
لكن ، قبل هؤلاء جميعاً ، هناك : الفاسد العراقيّ وحيد المرزوق .
وحيد المرزوق ، الخائن العراقيّ ، الذي صار مالكَ العمارة الجديد ، مالكَ " الفيل الأبيض " في القاهرة .
"انتهى الأمر على ما يرام . سيتخلّى عن جنسيّته العراقية التي ورثها عن أبيه وجدِّه وسلسلة أجداده الطويلة ويظل محتفظاً بجنسيّته الأميركية . كيف يتخلّى عن الجنسية الأميركية وهي التي فتحت له باب الرزق الواسع الوفير على مصراعَيه ؟ هل أنت مغفّل يا وحيد المرزوق لتفعل ذلك ؟ سيصبح مواطناً مصريّاً . ستلده أمُّه في مصر هذه المرة ، بعد أن ولدتْه في أميركا ، وكانت قد ولدتْه في العراق في البدء ."
هذا اليوم ، الحادي والثلاثون من آب ، يومٌ لا يتكرّر من أيام العمر ، نجمة مضيئة في سماء حياته ، فها هو قد أصبح ملِكاً غير متوَّجٍ في هذه المملكة البيضاء التي تشمخ أمامه. وقف يتأمّلها فتراءت له مثل واحدة من ناطحات السحاب التي كان يراها في المدن الأميركية التي تنقّلَ بينها  أيّام الجوع والتشرّد والاستجداء والعمل مع المعارَضة حتى قرّر أن يضع نفسه في خدمة الأميركان .
*
 
لكنّ الخائن ، يظلّ الخائن .
مَن فرّطَ بوطنه ، سيظلّ يفرِّطُ بكل شيء .
هو مُفْسِدٌ في مصر ، مثل ما كان مفسِداً في العراق.
في العراق يستبيح كل شيء : الأرزاقَ والنساءَ .
وهو في القاهرة يفعل المنكَرَ ذاتَه :
يستبيح نساء العمارة ، الفيل الأبيض ، واحدةً بعد أخرى ، مبتدئاً بشريفة زوجة البوّاب، ومنتهياً بشيرين المراهقة ، ابنة أمّ هاني ... التي عاشرَها في ما يشبه الاغتصاب .
وهو يخطِّطُ للإيقاع بنجيب بغدادي ، الشيوعيّ العراقيّ المستقلّ ، الهارب من العراق ، تحوُّطاً من احتمال أن البغداديّ قد يفضح أمره هنا .
*
 
لكن للخونة ، دوماً ، المصير المظلم :
لقد بلغَ به الأمرُ حدَّ طرْدِ "شريفة " زوجة البوّاب ، ولم تُجْدِ نفعاً توسُّلاتُ " حَمادة " . أين تمضي بأولادها ؟
مَن خانَ قومه في العراق، لن يكون راحماً بالقوم في مصر .
*
 
يكتب ناطق خلوصي:
لم يعرف أحد ، كيف وأين اختفت زوجة البوّاب وأطفالها . أمّا زوجها فقد ظلّ يواظب على حضوره في العمارة . في ضحى اليوم الثالث للقاء الأخير بينه وبين البوّاب ، فوجئت العمارة بدويّ ثلاث رصاصات ، وكان وحيد المرزوق يتخبّط بدمه بعد أن أصابت إحدى الرصاصات صدرَه، والأخرى رأسَه ، أمّا الثالثة فقد مزّقتْ ما بين فخذيه ، فتفجّرَ من المكان فيضٌ من دمٍ أسود ".
إنه " حمادة " البوّاب ، بوّابُ " الفيل الأبيض " ، بوّابُ الأبديّة :
إنه رضوانُ الجنّة .
إنه مالك النار !   
 
تورنتو 04.04.2017
 
* شاعر من العراق.