حوار مع برنار ستيغلر:جهد خارق

أجرى الحوار : دوريان أستور *

ترجمة : الحسن علاج**
 
في دراسته الأخيرة ، استكشف الفيلسوف الفرنسي  برنار ستيغلر (Bernard Stiegler) للحقبة الراهنة ولاسيما " مجيء العصر الجيولوجي الجديد (anthropocène) ، على ضوء الفكر النيتشوي . 
في عمله الأخير ما هو مفهوم تضميد [الجرح] ؟ ( الروابط التي تحرر ، 2018) ، يدقق الفيلسوف برنار ستيغلر في ما يحدث لنا ، " التراجع الهائل " في المرحلة القصوى للعصر الجيولوجي العظيم ، مع " المجهود الخارق " الذي عبر عنه نيتشه بهدف التفكير وتضميد [جرح] الحضارة ، في حوار مع هايديغر ، دولوز ، غواتاري ، وكذلك لوتكا Lotka) ( ، شرودينغر Schrodinger) ( أو توينبي Toynbee) ( . تأمل يلعب فيه نيتشه دورا كبيرا . 
 
لقد قلتم في [كتاب] ما هو مفهوم تضميد [الجرح] ؟ أن نيتشه كان يعتبر واحدا من أولئك الذين توقعوا تقريبا ، بذعر ، ما يحدث راهنا : قطيعة ، غياب العصر ، تدمير الصحراء . بأي معنى يمكن للمرء أن يجد لدى نيتشه توقعا مشابها ؟ 
برنار ستيغلر : ثمة أولا هذا التصريح في نص يعود إلى فترة الشباب ، حول مستقبل مؤسساتنا للتكوين (1872) : " على فلسفتنا ألا تبتدئ بالذهول ، بل بالذعر . " وهكذا يفهم نيتشه قبل الجميع ما يدور فترتئذ : مجيء المرحلة الصناعية للعدمية  مثل رأسمالية المستهلك ومسخ المعرفة التي هي الشرط والنتيجة لذلك. سنوات في ما بعد ، لفت نيتشه الانتباه في كتاب المسافر وظله (1879) ، إلى الخاصية المضطربة لتركيبة الآلة البخارية ، السكة الحديدية ، التليغراف والصحافة . لقد حلل على الخصوص تدمير القُرب الذي نتج عن ذلك والتحول الجذري للعلاقة بالناكص : وهو بالتحديد ما نحن بصدد عيشه ، متجهة إلى غاياتها الأخيرة . فغالبا ما كان نيتشه يعمل على كشف قدوم هيمنة للحساب ، [هيمنة] للإنسان قابلة للقياس من جهة إلى أخرى، هذا "الإنسان المتوسط " لذي هو " الإنسان الأخير " ـ وهذا هو مصدر ذعره . إن العدمية ، التي تنغرس في الجريمة تقود إلى الراسمالية كجريمة كل شيء وللجميع . إن تلك السيرورة تعتبر ، أساسا ، متمادة مع التوحيد ( بعبارات هايديغرية ، متمادة مع الأنطوثيولوجيا ، التي تعزو الواجب إلى الذنب . نيتشه ، باعتباره ابنا لقس يعرف ما الذي يتحدث عنه ، توقع ما يقوله ماكس ويبر عن الرابطة بين الإصلاح و" روح الراسمالية " : إن البروتستانتية هي التي تنتج الرأسمالية كذنب . فإذا لم يكن بحوزة نيتشه خطابا عاما حول التقنية ، فهي تعتبر على الدوام كقدوم للصناعة في خلفية انتقاده ، من مستقبل مؤسساتنا للتكوين  إلى هكذا تكلم زرادشت  . ففي كتاب ما هو مفهوم تضميد [الجرح] ؟ I . الانحدار الكبير ، أستعيد في وقت واحد نزاع عمل ماذا يعني التفكير ؟ وفيه استعاد هيديغر قراءته لنيتشه ، ملتزمة منذ منتصف الثلاثينات (1930) ، وعدلت ابتداء من زرادشت ضمن عمل 1951 . لكن هيديغر أخفق فيها أو قلل من قيمة الرهان الأساسي : دعوة نيتشه إلى مجهود فائق من أجل تضميد الحضارة التقنوعلمية في صراع مع القصور الحراري . وهكذا فلم يكن هيديغر الوحيد الذي قام بكبت ما هو جوهري : أيضا ستكون حالة القراء الفرنسيين لنيتشه . 
 
لقد أكدتم بأن التحدي الأكبر الذي وجد نيتشه نفسه في مواجهته في بداية الثمانينات (1880) ، هو النقاش العلمي ،كان نقاشا حاد جدا في تلك الحقبة ، حول القصور الحراري وفكرة الموت الحراري للكون . ماذا كان رد فعله ؟
برنار ستيغلر : حينما واجه نيتشه هذا النقاش عمل على قلبه : لم يكن قادرا على إدماجه في فكره . تماثل واقعة مرض ونقاهة زرادشت لحظة أصيب فيها نيتشه بخمود همته أمام هذا المنظور العلمي . لقد كان مذهب العود الأبدي تضميدا له . استشعر نيتشه ما سوف يعمل شرودينغر على توضيحه سنة 1944 ( ضمن لغة مختلفة تماما ، [لغة] الميكانيكا الكمية quantique) ( وبيولوجيا تستبق اكتشاف الADN) ( : إن الحياة أساسا تختلف بشكل أساسي محليا ووقتيا عن القصور الحراري، ما سوف يطلق عليه شرودينغر القصور الحراري السلبي . من خلال تدفق الزمن ، تبذير وأخيرا موت لكل الأشياء ، يشكل الحي استثناء . إن سؤال الاستثناء والحالة هذه ، كسؤال الصيرورة بالنسبة لنيتشه يعتبران أساسيين ـ وهو رهانه في مقاومة كل تصور تطور ما هو حي كتكثيف عبر وسائل إحصائية . وهو ما يترجم أحيانا بواسطة خطاب ديموقراطي مضاد الذي يبدو خطابا مخادعا ، [خطاب] " السياسة الكبرى " ، ولكن حيث نيتشه ، الذي يدافع عن وجهة نظر " الصحة الكبرى " للحي ، استشعر ما سوف يتحدث عنه دولوز : حقيقة الكوني ، إنه السوق كهيمنة للحساب . إن نشاط القصور الحراري السلبي للحي هو قدرته على إحداث الاستثناء ، غير قابل للاختزال إلى الحساب ، المشيدة على أخطاء النسخة ( وهو ما لا يعرفه نيتشه ) ، وعاملة على استخلاص اختلاف في التكرار التي يبين فرويد أنها ذات صلة أيضا ( كإكراه للتكرار ) بغريزة الموت . هكذا يسعى التفكير النيتشوي للعود الأبدي عبر القصور الحراري إلى إثبات أن التكرار يكون على الدوام قادرا على استخلاص اختلاف يتم استثناؤه من المثيل . 
 
يجابه نيتشه ، كونه مفكرا للصيرورة خبر القصور الحراري ، يجد نفسه أمام تلك الحقيقة الهراقليطية حيث " أن كل شيء هو تدفق " ، أن الكل يمر ثم يتلاشى . هناك عملت على الأصح الفلسفة الفرنسية على تمجيد الاندفاقات (دولوز أساسا)، فقد أوضحتم أن نيتشه يسعى إلى إيجاد أشكال جديدة للاستبقاء ، إذا صح التعبير للتأييد . من خلال هذه الزاوية ، سيصبح العود الأبدي ذلك الشكل الأسمى لاستبقاء السيلان والتلاشي الكونيين ؟
برنار ستيغلر : نعم ، إنه استبقاء ، وتنظيم يسمح بتلقي الاندفاقات . إن باربارا ستيغلر Barbara Stiegler) ( هي التي أوضحت كيف أن التدفق يعتبر مسألة رئيسة لدى نيتشه ، ومثل رعب . لا وجود لأي إمكانية الانفلات من التدفقات ؛ سوف لن نتوقف بعد نيتشه من التضخم ، من التكثف ، من الإسراع ، وليس ذلك بالتأكيد مدعاة للابتهاج : إنه شيء مرعب . إن من يصيبه الرعب وحده يكون بمقدوره تجاوز الهلع : هذه هي الشجاعة في عرف نيتشه . فمن أجل التغلب على الرعب ، لا بد من بذل مجهود فائق ، ينبغي إنجاب الإنسان الأعلى الذي سيكون قادرا على تلقي وتنظيم التدفق . لقد أوضحت بربارا ستيغلر جيدا كيف أن نيتشه طرح سؤال بناء أعضاء جديدة . لكن تلكم الأعضاء الجديدة توجد خارج الجسد exosomatique) (: إنتاج تقنيات جديدة . وهو ما يجعل من أن السؤال الحقيقي الذي ينقله لنا نيتشه ، هو التضميد انطلاقا من التقنية ـ وهو ما لم يقم نيتشه نفسه بفعله . سوف لن يجد الوقت لذلك : سوف يستبقه الجنون إلى ذلك . سيعثر  غواتاري ثم دولوز على الرعب ، الأول في [كتاب] علوم البيئة الثلاثة ، والثاني [عثر عليه] في خطاباته حول مجتمعات الرقابة ، وهو ما سوف لم تفهمه القردة والببغاوات " الدولوزية " . 
 
تماما ، لقد استحضرتم الحاجة في الوقت الراهن ، إلى ابتكار جنيالوجيا خارج الأخلاق " . ما الذي كان ينقص جنيالوجيا نيتشه ؟ 
برنار ستيغلر : كان ينقصه ... أعمال عالم الرياضيات والإحصائي النمساوي ألفرد لوتكا (1880 ـ 1949) ، منظر ديناميات السكان . ويعتبر نيتشه قبل كل شيء محاورا لداروين ولقراءات مختلفة ( سيئة غالبا ) للداروينية ، نظرية شكلت ، في ذلك العهد ، صدمة عنيفة ، معاصرة للصدمة التي أحدثتها نظريات القصور الحراري والموت الحراري للكون . نادى نيتشه بالخاصية الإيجابية للحي ، التي اعتقد الكشف عنها لدى داروين ، غير أنه تم سحقها بواسطة نظرية التكيف مع المحيط . لايتأقلم الحي مع المحيط ، إنما يغيره . لسوء الحظ ، فإن خطاب التأقلم يهيمن بصفة دائمة في الوقت الحاضر ( كما أوضحت ذلك باربارا انطلاقا من مدونة أخرى في [كتاب] " لا بد من التأقلم " ، غاليمار ، 2019 ). أكد نيتشه على تفرد الحي في الصيرورة ، مع الإحساس بالرعب الذي أحدثته فيه الرأسمالية الصناعية والمضطربة زيادة ، فقد كانت تعوزه وسائل مفصلة ذلك من خلال خطاب علمي لم يتشكل بعد . لم تتم صياغة نظرية خارج الجسد بواسطة لوتكا إلا في سنة 1945 . وفي الفترة نفسها  صاغ كانغيلم (1904 ـ 1995) نظرية في الصحة والمرض التي هي في الآن نفسه تعتبر نظرية للتقنية : إن ما يميز الحي البشري ، من جهة ، هي الأعضاء الاصطناعية ومن جهة أخرى ، " القدرة والإغراء بالاستسلام للمرض " بواسطة التقنية . إن نيتشه الذي يشير إليه كانغيلم باستمرار ، يوجد ضمنيا في خلفية هذه الفكرة . ففي العصر الجيولوجي الجديد ، يلزمنا إعادة قراءة نيتشه ، مع كانغيلم ، لوتكا وتوينبي (1889 ـ 1975) ، وقد قام هو الآخر بقراءة لوتكا ، وفيرنادسكي Vernadsky) ( (1863 ـ 1945) ، أول منظر للعصر الجيولوجي الجديد ، الذي قرأ هو ذاته وايتهايد ولوتكا . قام فيرنادسكي ابتداء من 1926 بتفسير أن المحيط الحيوي هو البيئة الوحيدة حيث ظهر استثناء القصور الحراري السلبي ، وفي ظل المحيط الحيوي تتوفر الكائنات الحية على أعضاء اصطناعية سوف تقوم بإنجاب محيط حيوي تقني الذي يهدد في الوقت الراهن هذا المحيط الحيوي . ففي كتاب المغامرة البشرية (1971) ، قام توينبي بصياغة نظرية حيث تتحدد وظيفة الأخلاق في مفصلة وتوازن المحيط الحيوي والمحيط الحيوي التقني . إنه ضمن هذا التأويل الوظيفي للخير والشر ، فإن الرهان هو الفارماكون التقني في ما وراء تعارض الخير والشر . إن ذلك يعتبر أكثر قربا من نيتشه في الأطروحة الثانية لجنيالوجيا الأخلاق ، حيث يتم إدراك الأخلاق مثل تدوين للقانون بواسطة وسائل لتقوية الذاكرة في الأرواح والأجساد . 
 
تتحدثون في عملكم عن ضرورة تجسير الصيرورة والمستقبل ( مع التذكير أن الإنسان تم اعتباره من قبل نيتشه جسرا نحو الإنسان الأعلى ) ، بمعنى تشييد تفريع ، يكون في ذاته غير محتمل جدا ( لا يمكن التنبؤ به ) ، في الصيرورة من أجل صياغة مستقبل . وفيه يتم الإصغاء إلى صدى " فلسفة المستقبل " التي يدعو إليها نيتشه . بالنسبة إليه ، فالإرادة ، باعتبارها خلاقة ، هي التي تكون قادرة على تفريع المستقبل . ومع ذلك ، فإنكم كما توحون بأنه ، إذا كان نيتشه أقرب إلى صياغة هذا التجسير ، فإن ذلك لا يشتغل . 
برنار ستيغلر :  بالفعل ، وهذا لأن نيتشه يقود مقاومته أولا ضد التعارض الميتافيزيقي بين الكينونة والصيرورة ؛ إنه ذلك الذي يثبت الصيرورة ضد ركود الكينونة . إن ما اكتشفه والحالة هذه ، في الصيرورة ، هو القصور الحراري . إنه يتعذر اختزاله ، ثم إن ذلك يناوئ كثيرا إثباته للصيرورة ؛ فهو لا يتوصل إلى صياغة مفهوم مضاد إلا تحت شكل عقدي للعود الأبدي ، لأنه ليست لديه وسائل للقيام بذلك بطريقة مغايرة . فعلى سبيل المثال ، فهو لم يدرك ما هو التفريع بالمعنى المقصود في نظرية الأنساق الديناميكية ، مفهوم لم تتم صياغته إلا لاحقا ، خصوصا بواسطة برتلانفوا Bertalanffy) ( (1900 ـ 1972) ؛ إنه تعوزه النظريات الرياضية للكارثة ، الفوضى ، إلخ . كان نيتشه مرغما على الترميق ، على أن ذلك قاده أحيانا إلى توقيفات . وعلى الخصوص ، فهو لم يتوصل إلى تمييز الصيرورة عن المستقبل ، الصيرورة هي القصور الحراري ، والمستقبل هو القصور الحراري السلبي ، بمعنى ما يوفر في القصور الحراري تيارا مضادا يمكنه ، محليا ، أن يشكل فرادة بعيدة الاحتمال تماما ـ شكلا جديدا للحياة ، " طريقة في الإدراك " جديدة ، في التفكير ، في الابتكار ، إلخ . إنه مصدر الجديد . إن من سوف يسعى إلى صياغة نظرية في هذا الاتجاه ، بعد نيتشه بفترة وجيزة ، وجزئيا تحت تأثيره ، هو برغسون . وبالتأكيد ، فإن الإرادة الخلاقة ، لدى نيتشه ، يتوجب عليها القيام بقلب القيم وابتكار قيم جديدة ، غير أن ذلك المطلب يظل غامضا ولن يتحقق أبدا . في هذا الاتجاه ، سأظل على مقربة من دولوز لما ساق الحديث ، في كتاب منطق المعنى ، حب القدر النيتشوي مع السببية التقريبية للرواقيين . إن تفريع ما يتضمن تجاوزا للسببية : لا يتكون القدر سوى من حوادث أو تأثيرات ليس لها علاقة سببية فيما بينها ، غير أنها تشتغل ك" أسباب على وجه التقريب " . وهذا ما يجعلنا هنا في حاجة إلى وايتهايد ، الذي أدمج في الوقت نفسه القصور الحراري والفارماكون ، وأن فرنادسكي يشير إلى هذه الواقعة . لو تم التوصل إلى صياغة جنيالوجيا خارجية للأخلاق ، فإن الرهان العرضي لسبب سطحي يعيد الحادث إلى ضرورة ، إنها التقنية ذاتها ، وهو ما يمنحنا إياه الفن كموجه ( بالمعنى الكانطي لنقد ملكة الحكم ) : إن الخاصية العلية تصبح هناك دليلا لما ينبغي . ذلك هو رهان الخطإ الأصلي الذي هو التقنية والذي يتوجب عليه أن يصبح ما يتطلبه الأمر .
 
* باحث فرنسي ، ومصدر النص : المجلة الفرنسية الجديدة(Le Nouveau Magazine Littéraire ) ، عدد 16 ، أبريل 2019  .
** باحث ومترجم مغربي.