حفيدة آنا كرنينا

محمود الريماوي*

 فيما كان يجول بناظريه في زحام مقهى ركس بحثا عن مقعد، أومأت اليه سيدة بأن ثمة مقعد فارغ  بجوارها. تقدّم بشيء من الارتباك نحو المقعد البلاستيكي الرمادي اللامع، وهو يومىء بتحية مشفوعة بابتسامة مقتضبة للسيدة. جلس ووضع كتابه أمامه على الطاولة. وجال بناظريه قليلا في أنحاء المقهى المقام تحت مظلات خضراء في الهواء الطلق. بدا مشهد الرواد ألطف مما رآه وهو  واقف يبحث عن مقعد، فيما كانت أصواتهم منخفضة.  لم تتأخر النادلة في القدوم  فطلب قهوة مع ماء معدني،  ولاحظ أن السيدة تتناول بيرة في كأس طويلة ممشوقة. 
 إنه يحمل كتابا في العادة، ليس نَهَما بالقراءة بل للتغلب على أي  شعور طارىء بالوحدة. السيدة لم تكن تحمل كتابا بل جهاز موبايل بنفسجي اللون، ولا يبدو عليها الشعور بالوحدة. ربما تنتظر أحداً على وشك الوصول. سرعان ما وصلت القهوة. سوف يتناولها ويدخن. المكان مفتوح، مع ذلك استأذنها. فأجابت على التو:
- ما زلت تدخن؟.
فاجأه الرد الذي ينطوي على استفسار شخصي. وأمام ارتباكه واصلت هي المبادرة بالحديث.
ـ لستَ صغيراً. أنت أكبر سنا مني. أنا تركت التدخين قبل 4 سنوات،  اكتفيت منه.
 تردد في إشعال السيجارة. إنه يكبرها حقاً إذا صدق تخمينه بخمس أو ست سنوات.:
ـ انتظر اللحظة المناسبة للإقلاع عنه.
فتبسمت ابتسامة تشجيع له،  وقالت :
ـ واضح أن اللحظة المناسبة ليست الآن. أشعل سيجارتك. التدخين هنا مسموح.
أشعل سيجارته ولم يزايله الخجل إلا قليلا، اذ  لم يكن مهيئا لتبادل الحديث. كما لم يكن متهيئا لأي شيء آخر. فقد حلّ في بورغاس على ساحل البحر الأسود قبل يومين. وقد راقته هذه المقهى غير البعيدة عن فندقه، والتي يرتادها لليوم الثالث على طريقته الشرقية في المواظبة على ارتياد مكان بعينه.. ووجد نفسه يقول:
- أنا هنا في بورغاس لأول مرة.
- عربي؟
ـ نعم.
- عرفت ذلك من الكتاب الذي معك. هل هو رواية ؟.
- كتاب قصصي لسعيد الكفراوي.
- هل قرأت آنا كارنينا؟.
- منذ زمن بعيد.
- أحببتها؟
- من: الرواية، أم  البطلة آنا كرنينا؟
 ضحكت بجذل قائلة :
- لا فرق.
وأجابها :
- أحببت الرواية وأحببت البطلة. لكني  نسيت أحداث الرواية .
 فأجابت: 
- يمكنك أن تعيد قراءتها.
- أعيد قراءتها .. لماذا ؟ هل في العمر متسع لقراءة  الكتب ذاتها مرتين؟.
- ولكنها آنا كارنينا. لقد قرأتُها ست مرات  وربما أكثر. وشاهدت ثلاثة أفلام عنها مرات عديدة.
  سمع ذلك بانشداه، وقد راقته الملاحظة كلفتة مرحة، مع أن السيدة تحدثت بنبرة جادة،  فأومأ للنادلة ودعاها لشراب منه فاستجابت بايماءة امتنان، من دون أن تبدو عليها المفاجأة.
..........
كان الوقت عصراً. وقد بدأت تهف نسمات باردة في ذلك اليوم أواخر سبتمبر. فيما هو يرتدي  محتاطاً جاكيتاً زيتياً غامقا، بينما أغلبية الزبائن من حوله، بمن في ذلك جليسته يرتدون ملابس صيفية، قمصاناً بنصف كُم. لقد أمطرت بالأمس مرتين وهبّت رياح باردة. قال في نفسه : هذا هو الفرق  بين بلادنا وبلاد الأوروبيين.
 تهيأ له ان السيدة لم تقرأ في حياتها سوى تلك الرواية، وهذا سر إلحاحها عليها. وسرعان ما كبح سوء الظن في نفسه، سوء الظن والتسرع في الحكم على الآخرين. لقد أتى زائرا ( لا تروقه كلمة سائح، كما لو أن الكلمة تثير الريبة!) كي يبتعد عن روتينه وبالذات تصفح الإنترنت، ولمكافحة ضجر العمر: التقدم في السن. ولم يكن ليرغب بحديث ثقافي أو جاد أو ما شابه. الأفضل بالنسبة له الحديث في أمور الحياة  البسيطة ، وحتى الصغيرة منها.
انها  تشرب بقدرٍ من السرعة. لقد صمَتَ هذه المرة كي يختبر كلامها عن تلك الرواية إن كانت جادّة، أم أنها قالت ما قالته من قبيل المبالغة المرحة. وبادر هو بالحديث  هذه المرة  قائلا:
- للقراءة الثانية متعتها الخاصة. وقد قرأتُ بعض الكتب مرتين. كتب قليلة. "صورة الفنان في شبابه" مثلا.
 ووجد نفسه يقول مدفوعاً بداعي المجاملة: 
- قد أقرأ آنا كارنينا مرة أخرى.. سأجدها على النت.
- بالتأكيد ستجدها.  لكنها طويلة في  ثلاثة أجزاء. هل ستقرأها قريبا؟
- لا أعدكِ.
هبط فجأة  كوبان طويلان من البيرة.  يبدو أنها طلبتهما من دون أن يلحظ ذلك.
 ليست جلسة سيئة.  حدّث نفسه. وهي لا تنتظر أحداً.
(كان قد مضى أكثر من ساعة على إيما وهذا هو اسمها وهي تجلس  منفردة في المقهى، قبل ان تدعوه لمشاطرتها الطاولة، وقد تناولت  ثلاثة أكواب من عصير الشعير الكحولي، وردّت تحيات العابرين وتبادلت مع بعضهم مجاملات طفيفة.  
إنها تغشى  هذا المقهى منذ  أزيد من عشر سنين. وتستمع بالجلوس سواء كانت وحيدة  أو بصحبة أحد. وقد استمتعت بجلسة اليوم، رغم فترات الصمت الطويلة التي تخللتها. فهي تأنس للغرباء. تطمئن لهم، ولكم يبدو ذلك غريباً. فقد أمضت أكثر من عشر سنوات من شبابها في الحزب، حيث كان الاحتكاك بالأجانب حسب تعليمات الحزب شبه محظور. وظلت تلتزم بالتعليمات  طواعية وعن رضى. لقد تعرفت على أعضاء بعض الوفود التي كانت تزور البلاد ونسجت معهم علاقات  تفاهم وحتى تضامن سياسي. أما  بعد التغيير  قبل أكثر من عشرين عاما،  فقد أخذت تندفع شيئا فشيئا للتعرف على أجانب كلما تيّسر لها ذلك، وقد اقترن  التحول السياسي بتغيير في حياتها، اذ انفصلت عن زوجها المتزمت والمحب لها غير آسفة، لكنها لم تجد بعدئذ زوجاً بديلاً. أن تتعرف على  أحد من الأجانب  كما لو أنها تسافر الى بلده. لكن التعارف لم يعد مُتيسرا ، فقد تقدّم بها العمر ولم تعد شابة، حتى وإن كانت ترتاد مقهى عصرية وترتدي ملابس زاهية بما في ذلك الجينز الباهت الزرقة المشلع عند الركبة وما فوقها) ..
ـ أرجو أن تتذكرني وأنت منهمك بقراءة الرواية.
- إذا أعدتُ قراءتها.
- سوف تعرفني أكثر حين تقرأ الرواية مجدداً.
ـ ..  عفواً ، هذه لم أفهمها.
وهنا حدجته بنظرة مركزّة الى عينيه. وقالت وقد أخفضت صوتها :
ـ   آنا كارنينا جدّتي. إنها جدتي الخامسة لأمي. لم تكن منقطعة النسل. كان لها ابن رائع، هو أيضا جدي الرابع لأمي. ألا تجد وجه شبه بيننا؟.
كان يتملى شفتيها فيما هي تتحدث، شفتيها وأسنانها وتمنى أن لا تكون قد لاحظت ما انشغل به. لكنه سمع ما قالت وكأن المتحدثة هي شخص آخر غير صاحبة الشفتين الممتلئتين، ومغالباً استغرابه الشديد مما سمع  قال:
 ــ  آنا كارنينا شخصية روائية.
ــ نعم . لكنها ليست مجرد شخصية روائية.
ــ تقصدين أنه كانت هناك  شخصية حقيقية بهذا الاسم ؟
ــ   نعم  وإلا كنت أنا التي أتحدث اليك مجرد  شخصية روائية، وليست شخصاً حقيقياً.
 رنّ هاتفها، أجابت بلهفة على المتحدث، واستأذنت بالمغادرة،  وصافحته على عجل لكن بمودّة ، واتجهت نحو النادلة وسدّدت حسابها.
......
استبقى نفسه في المقهى لبعض الوقت بعد مغادرتها. أثارت الجلسة مع إيما فضوله، وهذا جُل ما يرغب به لدى الحديث مع أشخاص جدد. ظل مستأنسا بما تبقى من عبقٍ لها. عبق إنساني لشخص عادي. وسرعان ما بدت له المرأة شخصية روائية، أو شخصية في رواية غير مكتوبة. مع أن الأمر قد يكون أكثر بساطة، ويتعلق بسيدة تشكو من اضطرابات ذهنية ونفسية. تلفت حواليه الى حشد الزبائن، فانتابه شعور بوحدة طارئة، لو جلس وحيداً منذ البداية، لما شعر بالوحدة الآن..هي السبب!. وأخذت تتراءى له بملابسها البسيطة التي لا تخلو من أناقة. قميصها الفيروزي وشعرها الأشقر المقصوص وبنطلون الجينز الأزرق الباهت. ميلها الى البدانة. وبُحّة صوتها، وعينيها الصريحتين الواسعتين. إنها امرأة عادية.. لكن ما شأنه بها؟. لا رغبة لديه للارتباط حتى لو كان مؤقتاً بشحص جديد. لقد جاء الى هنا كي يتمتع بانفراده وحريته لا التقيد بأحد..
نهض ومشى بخطى غير متئدة،  وأخذ يستقبل الظلال الأولى للمساء مستشعراً الشبه الكبير بين أول  الليل ومطلع النهار. رغب في المشي الحر لبعض الوقت قبل أن يتناول ما تيسر من طعام العشاء. الشوارع نظيفة والسياح أكثر عدداً هنا مما هم في العاصمة صوفيا. خطر له أن السياح رغم اختلاف السحنات واللغات فهم متشابهون في سلوكهم، وقد يراقبون خلسة بعضهم بعضا. كيف يتحفظون أو ينفلتون. وكيف يسع أحدهم التغلغل في أحشاء المدينة قبل غيره. وهو لا يروقه أن يُنعت بسائح.. هو محض عابر. وقد عبر في الأثناء مقهى يقدّم  بيتزا. حين يعجز عن اختيار طعام يتناوله، فإن البيتزا تتقدم كي تضع حلاً. وابتعد عنه مستشعراً الحاجة الى مزيد من المشي قبل العشاء. صادفته سيدة أربعينية تتهادى في مشيها الواثق، وترتدي قبعة حمراء عريضة. أوروبية، سلافية السحنة. مع اقترابها قبالته اختلس نظرة الى محيّاها النضر الصبوح، فلم تبخل عليه بطيف ابتسامة. كم تشبه آنا كارنينا وهي في طور العشق الأخير! قال لنفسه، ومتسائلاً إن كان سيقصد في الغد مقهى ركس، وإن كان مهيئاً للقاء محتمل هناك مع "حفيدة" آنا كارنينا، وواصل المشي مستشعراً فقدانه لكثافة جسده، كأنه يمخر عُباب كتاب.. 

* أديب وإعلامي من الأردن.