حرارة مرتفعة وضوء شحيح

ماشادو دو أسيس*

ترجمة: صالح الرزوق**
في ذلك الحين كان لويس تينوكو يبلغ واحدا وعشرين عاما، بطول متوسط وعينين براقتين وشعر مرتب،  ورشيق، سريع الحركة وعاطفي. وكان يشغل موقعا متواضعا في المحاكم، حيث كان يكسب القليل، ولذلك عاش مع عرابه أناستاسيو، والذي كان دخله الأساسي هو راتب التقاعد. وقد كان تينوكو يرعاه ليكون في حالة طيبة وممتازة، وهو بالمثل أولع بابنه بالعماد. واقتنع لويس تينوكو أن قدره الأشياء العظيمة والمهمة، ولفترة طويلة ثبت له أن هذه الحالة أكبر عائق يعاني منه. وحينما قابل  الدكتور ليموس لويس لأول مرة كانت شعلة الشعر قد بدأت بالالتهاب في داخل الثاني، مع أن أحدا لا يعلم بالضبط كيف بدأت بالاشتعال في داخله. ومن الطبيعي أن فكرة اشتهار غيره من البشر قد بدأت تقض مضجعه في الليل. ثم في أحد الأيام صباحا، استيقظ لويس تينوكو ليجد نفسه كاتبا وشاعرا كاملا، والإلهام الذي كان بالأمس مجرد برعم صغير، تفتح وأزهر فيه، وتحول لزهرة متألقة.
انكب لويس على الورقة الفارغة بحماسة وعزم، وبين الساعة السادسة والتاسعة وقبل أن يدعى للإفطار، انتهى من تأليف سونيتة، وكان عيبها الأساسي أنها من خمسة سطور فقط وغير عميقة. حمل تينوكو كتابته إلى مجلة "كوريو ميركانتيل"، فنشرتها في زاوية الإعلانات.
و في الليلة السابقة على النشر، نام لفترة بسيطة تخللتها أحلام وأيقظته مرعوبا. ثم أشرق الفجر، ومع أن لويس تينوكو ليس من الصنف الذي يبكر في النهوض من النوم،  فقد غادر فراشه منذ بزوغ الشمس، وذهب لقراءة السونيت بعد الطباعة. ليس هناك أم تتأمل وليدها المولود حديثا بمحبة مثل ذلك الشاب، فقد أعاد قراءة قصيدته عدة مرات، مع أنه يعرفها عن ظهر قلب. وتخيل أن كل قراء "كوريو ميركانتيل" سيحذون حذوه، وكل واحد منهم سيمتدح هذا النجم الأدبي الجديد، وسيسأل ما هي خلفيات هذا الاسم غير المعروف.
ولم يتوقف عن تلك الأفكار الخيالية. وبعد يومين، كتب قصيدة أخرى، وفي هذه المرة كانت ترنيمة عاطفية وفيها اشتكى للقمر من خليلته المزعجة، وصور نفسه ميتا بلغة كئيبة تشبه لغة الشاعر نيكولا جيلبيرت. ولم يجد نقودا تخوله دفع تكاليف طباعة القصيدة الجديدة، لكن أحد أصدقائه نشرها في الصحيفة بالمجان، وهذا تطلب تأخير نشرها لعدة أيام. وشعر لويس تينوكو بوطأة الانتظار، واشتبه أن بعض المحررين الحسودين في "كوريو ميركانتيل" تدخلوا وعرقلوا الموضوع. ولكن القصيدة  نشرت أخيرا، وغمر الشاعر الحبور وأسرع فورا لعرابه ليخبره بكل شيء.
سأله:"هل قرأت عدد اليوم من كوريو ميركانتيل؟".
"أنت تعلم جيدا أنني كنت أقرأ الصحف أثناء العمل، ولكن الآن توقفت عن ذلك بعد التقاعد".
قال لويس بهدوء:"آه هذا من سوء الحظ، كنت آمل أن تخبرني عن رأيك بالقصيدة التي نشروها لي".
"قصيدة!. وهل فرغت الصحف من الكتابة عن السياسة؟. في أيامي، كانت الشوون غير السياسية تأخذ القليل من الاهتمام فقط".
"بل يكتبون عن السياسة وينشرون القصائد، وهناك متسع يكفي لكليهما. هل ترغب بالاطلاع عليها الآن؟".
"حسنا، إلي بها".
وببلادة أخرج لويس من جيبه نسخة من "كوريو ميركانتيل"، وبدأ العجوز أنستاسيو بقراءة عمل ابنه بالعماد. وركز لويس عينيه على عرابه، وكان يبدو أنه يحاول أن يخمن الانطباعات التي رسمتها الأفكار المألوفة، ونتيجة التعبير عنها بالشعر مستعملا كل الاحتمالات الممكنة وغير الممكنة لتحويلها إلى كلام مقفى. وانتهى أناستاسيو من القراءة ورفع وجهه. ثم قال لابنه المصدوم:"شيء فظيع. أي شيطان دفع القمر للتدخل في شأن المرأة، ولماذا موت هذا الأجنبي الغريب البائس؟".
شعر لويس تينوكو بالغضب والإهانة، وأوشك أن يرد عليه، لكنه رتب شعره وقال بيأس مطبق:"لا يفهم الشعر الجميع، وطبعا هذا الشيء الفظيع ثمرة من كتابتي".
سأل أناستاسيو مذعورا:"هل هذه كتابتك؟".
"نعم".
"تقصد أنك تكتب الشعر؟".
"يقولون ذلك".
"ولكن من علمك كتابة الشعر؟".
"القدرة على كتابة الشعر لا تأتي بالتعليم، إنه شيء يولد معك".
أعاد أنا ستاسيو قراءة القصيدة، وهكذا لاحظ اسم ابنه بالعماد. لا شك في ذلك: الشاب أصبح شاعرا. وبالنسبة لهذا المتقاعد العجوز كانت هذه كارثة، فكلمة "شاعر" بالتأكيد مرتبطة في ذهنه بـ "الجوع".
وتخيل كامي وبوكاج، الاسمين الأدبيين الوحيدين اللذين سمع بهما، وتصور أنهما من ممثلي الشوارع، ويؤديان سونيتة مقابل تسول بعض النقود، وينامان في الكنائس، ويتناولان الطعام في حوانيت متنقلة أمام فنادق كبيرة. وحينما تأكد أن العزيز لويس مصاب بعدوى هذا الوباء المخيف، شعر بالحزن، وكلف نفسه عناء زيارة الدكتور ليموس ليخبره عن الكارثة المخيفة التي حلت بابنه بالعماد.
"علي أن أخبرك أن لويس شاعر".
سأله الدكتور ليموس:"حقا؟. وهل هو شاعر جيد؟".
"لا أهتم إذا كان جيدا أو سيئا. وكل ما أعلم أن هذا أسوأ احتمال يمكن أن يحل به، فالشعر ليس له مستقبل مضمون. وأخشى أن يهجر عمله وينتهي به الحال إلى زاوية في الشارع وهناك يثرثر حول القمر وحوله العامة".
ولكن الدكتور ليموس أكد له أن الشعراء ليسوا متشردين كما يعتقد، والشعر ليس حاجزا أمام حياة طبيعية، ويمكن للشاعر أن يكون نائبا أو وزيرا أو دبلوماسيا".
قال الدكتور ليموس:"مع ذلك سأكلم لويس وأقرأ ماذا كتب. كنت شاعرا في الماضي وسيكون بمقدوري أن أحكم على موهبته، هل هي جيدة أم ضعيفة".
وذهب لويس تينوكو ليقابل الدكتور ومعه السونيت والترنيمة ومقطوعات أخرى لم يجد الفرصة لنشرها. وهي إما سونيتات أو ترنيمات. وفيها تصورات وأخيلة وتعابير مركبة- بإيجاز، القليل من الإلهام والكثير من الجهد. ورغم ذلك، هناك القليل من التوهج الذي يدل أن هذه البدايات لا تخلو من موهبة دفينة، ويمكنها، مع الوقت أن تجد شاعرا جوالا لغرف الرسم الشهيرة. 
وأخبره الدكتور ليموس بصراحة إن الشعر فن صعب جدا ويحتاج لدراسة معمقة، ومع ذلك لا بد من  المتابعة، على أن يأخذ بعين الاعتبار بعض النصائح الضرورية.
قال لويس:"طبعا. تفضل. وقدم لي النصيحة. لقد كتبت هذه القصائد بسرعة ولم أجد الوقت اللازم لتصويبها".
قال دكتور ليموس:"لا أعتقد أنها نماذج ناجحة. من الأفضل أن تمزقها وتنفق بعض الوقت في القراءة".
من المستحيل أن نصف طريقة لويس تينوكو  باستعادة قصائده من يد الدكتور. كيف فعلها بكبرياء ولامبالاة ثم قال: "نصيحتك هامة مثل نصيحة عرّابي. ولكن كما أخبرته، القدرة على كتابة الشعر لا تأتي بالتعلم، ولكن مع الولادة. ولا أهتم للحساد. لو أن  هذه القصائد تافهة، ما كان نشرتها كوريو ميركانتيل".
وغادر فورا. ومنذئذ اتخذ القرار بالمواصلة الدؤوبة. و دخل تينوكو في فورة من الكتابة كما لو أنه إنسان يعلم أن الأيام المتبقية له في الحياة معدودة. وامتلأت الصحف بكتاباته، بعضها حزين وبعضها مزدهر، ولكن الحزن والبهجة، لم يتدفقا من القلب. فالحزن كان يدعو للضحك والبهجة كانت مضجرة وتدعو للتثاؤب.
وذكر ذلك حرفيا مع أنه لم يقرأ في حياته دانتي. ودعم أفكاره المستعارة بمختارات من أوهام وأسماء أدبية، وكان ذلك تعبيرا عن ادعاءاته، لكنه لم يشعر، على سبيل المثال، أنه يجب عليه قراءة شكسبير، ليقتبس منه "أن تكون أو لا تكون"، أو ليشير لشرفة جوليت، أو لقلق عطيل. وكذلك كانت له أفكار غريبة عن السير الخاصة بالمشاهير.
و في إحدى المرات وهو يفكر بمحبوبته - التي ليس وجود- تبادر له أن يقول إن المناخ في ريو هو المسؤول عن خلق هذا الوحش، مثلما الشمس الإيطالية بدلت من شعر إسباسيا الشابة. وحينما اطلع على إصحاحات الأب كالداس رأى أنها مملة، لكنه أشار بمودة لـ "موت لينوديا". وهو العنوان الذي وضعه خطأ للملحمة الشعرية "يا أوراغواي" لفاسيليو دو غاما، وكان قد قرأ عنها أربعة سطور فقط.
بعد خمسة شهور كتب لويس تينوكو عددا مهما من القصائد، وتكفي لمجلد حجمه مائة وثمانون صفحة، إذا تركنا مساحات كبيرة فارغة. وأعجبته فكرة نشر كتاب، وسريعا أصبح من النادر أن تدخل إلى مكتبة ولا ترى عند منافذ الدفع منشورات تعلن عن :
المنثور والكاميليا
تأليف لويس تينوكو
كتاب من 200 صفحة
السعر 2.000 $
وكان الدكتور ليموس يقابله أحيانا في الشارع. وكان لويس تينوكو بهيئة ألهمت كل شعراء الحداثة لا سيما من يعتقد أنه قديس أو شهيد. كان مرفوع الرأس بعينين حالمتين وشعر طويل وغزير، وأحيانا بمعطف مزرر وإحدى يديه في جيبه، كأنه نابليون: وفي بعض الأوقات، يتقدم في طريقه ويداه معقودتان وراء ظهره.
وقد بادره الدكتور ليموس بالتحية في ثالث لقاء ، لأن الشاب تحاشاه في أول مرتين، وحينما امتدح الدكتور بعض أعماله أشرق وجه لويس تينوكو وقال:"شكرا، مثل هذا الثناء أفضل مكافأة على جهدي. الناس العاديون لا يفهمون الشعر، فقط الأشخاص اللامعون على شاكلتك. أنت يا دكتور تحدد أين يستحق الانسان المديح. هل قرأت قصيدتي 'الزهرة الذابلة'؟".
"المنشورة يوم الأحد؟".
"نعم".
"قرأتها. أسرتني".
"وحافلة بالمشاعر أيضا. كتبتها في نصف ساعة، ولم أبدل كلمة منها. وهذا يحصل معي غالبا. وما رأيك بالتعابير الغريبة نوعا ما؟".
"غريبة حقا".
"نعم هذا رأيي أيضا. وأنا في طريقي إلى الصحيفة لتقديم قصيدة انتهيت منها أمس. وعنوانها ’بجوار الضريح’".
"حقا".
"وهل طلبت نسخة من كتابي؟".
"كلا، ليس حتى الآن".
"حسنا، لا تفعل. أود أن أهديك نسخة. سيصدر قريبا، وما زلت أتلقى الطلبات. هل أعجبك العنوان؟".
"آه، نعم. ممتاز".
"خطر لي فجأة، فكرت بغيره، ولكنه كان عاديا. المنثور والكاميليا أكثر تميزا وأصالة. كما لو أنك تقول: حزن ومرح".
"تماما".
وهما يتبادلان الكلام، تابع الشاعر التنقيب في جيبه وسحب شريطا طويلا لا نهاية له من الأوراق. وكان يبحث على ما يبدو عن القصيدة التي ذكرها. ورغب الدكتور ليموس بالانصراف، لكن تينوكو استوقفه، وقبض على ذراعه كي لا يبتعد. وحينما أعلن عن عزمه على قراءة القصيدة بصوت مرتفع في الشارع، دعاه الدكتور لمرافقته وتناول الغداء معه.  وذهبا إلى فندق بالجوار. وقال لويس تينوكو في الطريق:"آه يا صديقي. لا يمكن أن تتخيل عدد الحساد الذين حاولوا الإساءة لاسمي. كانت موهبتي هدفا لكل أنواع التبخيس، لكنني كنت مستعدا لهم. لم يرهبني شيء. وموت كامي على سرير بائس وتافه مثال وعزاء أيضا. وتقييد بروميثيوس في القوقاز رمز على العبقرية. الاستمرار هو إنتقام أولئك المعذبين في حياتهم".
في الفندق، بحث الدكتور ليموس عن طاولة بعيدة عن الحاضرين، كي لا يلفت الكثير من الانتباه.
بعد أن نجح  لويس تينوكو في استخلاص القصيدة من رزمة الأوراق قال:"ها هي".
قال الدكتور:"أليس الأفضل أن تقرأها بعد الانتهاء من الطعام؟".
رد لويس تينوكو:"كما تشاء. نعم أنت على حق. أنا في الواقع أتضور من الجوع".
وكان لويس تينوكو فظا تماما أثناء الطعام، والتهم طعامه مثل إنسان هائج.
وكان يقول:"لا تستغرب. هذا هو الجانب الوحشي مني الذي يأكل. ولا تقع ملامة على الروح".
في أثناء تناول الحلوى تبقى خمسة زبائن في الغرفة تقريبا، ففتح لويس تينوكو الورقة الفظيعة وقرأ قصيدته الموعودة بصوت عاطفي ورقيق لكنه يدعو للسخرية. وتناولت القصيدة كل شيء، الحياة والموت، الزهور والديدان، الحب والكراهية. ووورد فيها  اسم الصنوبريات ثماني مرات، والدموع عشرين مرة، وكان عدد الأضرحة يزيد على ما تستوعبه مقبرة واحدة.
وانتبه الموجودون الخمس ، والتفتوا لينظروا إليه حينما بدأ بالإلقاء، ثم ابتسموا وهمهموا بكلمات صامتة. وبعد أن انتهى الشاعر أطلق أحد المجاورين له- وهو شخص خشن جدا- ضحكة عالية. واستدار لويس تينوكو إليه، بحنق، لكن الدكتور ليموس كبحه قائلا: "إنه لم يسخر منا".
قال لويس باستسلام:"بل كان يسخر منا يا صديقي. إنما ماذا باليد أن تفعل؟ لا يفهم الشعر كل إنسان ولا يحترمه الجميع كما يجب".
قال الدكتور ليموس:"هيا بنا ننصرف. من الواضح أنهم لا يفهمون ماذا يعني أنك شاعر".
"نعم، هيا بنا".
دفع الدكتور ليموس الفاتورة، وتبعه لويس تينوكو أثناء الخروج، وهو يرمي الشخص الضاحك بنظرة نارية.
ورافقه لويس في الطريق إلى بيته. وفي الطريق ألقى بعض الأشعار التي يحفظها عن ظهر قلب. وحينما انهمك بإلقاء شعره الخاص- ليس شعر غيره، والذي لا يهتم به إلا قليلا- كان كل شيء آخر قد تلاشى من ذاكرته؛ واكتفى بالانهمام بالذات. أصغى الدكتور ليموس للصمت المهيب الذي يأتي مع هطول المطر، ويكون الإنسان حياله عاجزا عن أي شيء.
بعد ذلك بقليل، صدر كتاب "المنثور والكاميليا"، ووعدت كل الصحف بدراسته وبالتفصيل.
وفي مقدمته، أقر الشاعر أنه تحلى بالشجاعة "ليأتي ويجلس على منصة الشعر، ولكن كل من شعر بأنه (لدي شيء ما) من أندريه شينير يتمخض بي، عليه أن يقدم لبلاده ما وفرته له الطبيعة".
ثم أشار لأيام شبابه القاسية، وأكد للقراء أنه لم يولد وملعقة فضية في فمه. وأنهى كلامه بالثقة في كتابه ودعا للانتباه إلى قائمة المشترين المثبتة على الغلاف الأخير.
ولكن هذا العمل المهام حصل على لامبالاة واضحة. وخصص ناقد مغمور واحد بضعة سطور له، سطور أثارت الضحك عند الجميع، الجميع الذين انهالوا عليه بالتحايا والشكر.
بعد ذلك، انقطع الدكتور ليموس عن التواصل مع شاعره لبعض الوقت، أو بالأحرى، افتقد الرجل لا شعره، لأن قصائد لويس تينوكو كانت تطفو في بعض المجلات الأدبية أو غيرها، وكان دكتور ليموس يطلع حتما على شعر لويس تينوكو العقيم والشديد الإصرار.
ولم تهرب من ذلك الشاعر المخلص أية مناسبة أو جنازة أو فرصة. فأفكاره كانت محدودة ، ويمكن أن تقول إنه كتب مرثية أو مديحا أو ترنيمة أو ثناء. والنماذج المختلفة كررت نفسها بطرق متباينة. وعموما بأسلوبه تجد شخصيته، ولكنه لم يكن يمتلك شخصية واضحة، غير أنه طور نفسه مع مرور الوقت.
ولسوء الحظ، إن الانغماس في ذلك الدأب الأدبي الشاق، أنساه كل شيء عن أعماله الطبيعية، التي كانت مصدر كسب قوته اليومي. وفي أحد الأيام، أشار أناستاسيو لهذه الغلطة في رسالة إلى الدكتور ليموس، ختمها بقوله:"صديقي، لا أعلم أين سيكون مصير هذا الشاب. ولكن أرى احتمالين: مشفى المجانين أو السجن".
و فورا استدعى الدكتور ليموس الشاعر. وليهيئه لما سيقول، بدأ بمديح كتاباته. ففتح الشاب له قلبه. وقال:"قليلا ما أستمع لهذا التشجيع. أنت لا تعلم مقدار الحسد الذي يحيط بي. ولكن ما أهميته؟. أنا أثق بالمستقبل، والأجيال القادمة ستنتقم لي".
"أنت محق، المستقبل ينتقم للمظلوم دائما من الحاضر الشرير".
"قبل أيام وصفني بائس لا أعرفه في أحد الأماكن بأنني أكرر الحركات نفسها، ولكنني أرى ماذا يقصد. إنهم يدينونني بعدم العمل على قصيدة طويلة وطموحة. وسأثبت لهم أن ذلك البائس مخطئ، وحاليا أكتب قصيدة ملحمية".
"آه كلا". هكذا فكر الدكتور ليموس وهو يشعر أن قصيدة ستهبط على رأسه وسيضطر لقراءتها. 
و لكن أردف لويس تينوكو:"يمكنني أن أعرض عليك مقتطفات. ولكن أفضل أن تقرأ القصيدة بعد أن تتضح معالمه".
"فكرة عظيمة".
"لدي عشر مقاطع وفيها عشرات ألوف السطور، ولكن عندي مشكلة".
"ما هي؟".
"أنا عاشق".
"حسنا، هذا من سوء حظك بسبب أوضاعك".
 وما علاقة وضعي بالحب؟".
"علمت أن وضعك في الوظيفة ليس حسنا. ويقال إنك تهمل واجباتك نوعا ما والمحكمة على وشك تسريحك".
 ولكنهم طردوني أمس".
"حصل ذلك إذا".
"نعم، هذا صحيح. وكان يجب أن تسمع كيف علقت على البلاغ، أمام كل القسم أيضا. آه، نعم، لقد انتقمت منهم، تماما".
"وكيف ستعيش الآن؟. وأشك أن عرّابك يستطيع مد يد العون لك".
"سيعينني الله. وفي النهاية، في يدي قلم للكتابة. ألم تولد بي موهبة تستحق المكافأة؟. وحتى الآن، لم أكسب النقود إلا من عملي، ولكنني كنت هاويا. ومن الآن فصاعدا، ستتبدل الحال، وإذا أردت أن أكسب مصدر قوتي، سيحصل ذلك".
أحزنت الطريقة التي تكلم بها لويس تينوكو الدكتور لويس. وللحظة قصيرة- وربما بلمسة من الحسد- فكر بهذا الحالم الذي لا يلين، والمعزول عن الحقيقة ، والذي يؤمن أن مستقبلا عظيما بانتظاره، وأنه يمكن استعمال قلمه كمذراة في الحقول.
قال لويس تينوكو:"لا تقلق. سأثبت لك ولعرابي أنني لست عديم النفع كما يبدو. أنا لا تنقصي الشجاعة يا دكتور، وإذا حصل ذلك، فأنا عندي نجمة الحظ ".
وسكت لويس تينوكو، ولعب بشاربه، ونظر إلى السماء بطريقة حنونة. ومعه نظر الدكتور ليموس، ولكن دون مشاعر مأساوية، وضحك وسأله:"نجم في منتصف النهار؟ هذا شيء غريب".
قاطعه لويس تينوكو بقوله:"أنا لا أقصد هذه النجوم، ولكن النجوم الحقيقية، المدفونة في الفضاء الأزرق بين شقيقاتها الأكبر والأقل جمالا"..
"آه، تعني امرأة جميلة".
"قل أجمل مخلوق سطعت عليها الشمس، حورية. بياتريس، جولييت، إنها لورا...".
"لا بد أنها جميلة جدا لتشغل قلب شاعر".
"يا صديقي أنت إنسان طيب، لورا ملاك وأنا مغرم بها..".
"ومن تكون؟".
"ربما هي لا تعلم أنني متعلق بحبها".
"هذا شيء لا يبشر بالخير".
قال لويس تينوكو وهو يمسح  بالمنديل دمعة لم تقطر من عينه:"وماذا تعتقد؟. إنه قدر كل الشعراء أن يحترقوا ويحزنوا بسبب أشياء لا تأتي بسهولة. وهذا هو محتوى القصيدة التي كتبتها من حوالي أسبوع. وقد نشرتها في ليتيراري آربور".
"وما هذه بحق الشيطان؟".
"مجلتي الخاصة. وأطبعها كل أسبوعين. كنت أعتقد أنك تقرأ أعمالي".
"أفعل، ولكن لا أتذكر العناوين دائما. ودعنا الآن مع المشكلة. لا أحد ينكر أنك موهوب وخيالك خصب، وأنت تغش نفسك إذا فكرت أنك ستحيا دون الشعر والكتابة الأأدبية. وذكرت بلسانك أنك اكتشفت أن كتاباتك فوق المستوى العادي ولذلك لا تجد إلا النذر اليسير من القراء..".
هذه الكلمات المثبطة جاءت مع باقة زهور كبيرة كان لها تأثير إجمالي على لويس تينوكو، والذي لم يتمكن من كبت ابتسامة رضا يشبه الاعتزاز.
وأنهى الدكتور ليموس كلمته باقتراح: أن يبحث له عن عمل في مكتب للمحاماة. ونظر إليه لويس تينوكو قليلا دون كلمة واحدة. ثم بنغمة كئيبة واستسلام غير متوقعين قال:"تقصد العودة إلى المحاكم والمخاطرة بموهبتي بالتعليمات والمحامين المنحرفين الذين يلعبون بالشرائع والقوانين!. ومقابل ماذا؟. بضعة قروش لا أمتلكها وأحتاجها لأعيش. هل هذا هو المجتمع العادل يا دكتور؟".
قال الدكتور ليموس بلطف:"نعم، ولكن مع أن مجتمعنا ليس مثاليا، ليس لدينا بديل عنه، وإن لم تكن مستعدا لتبديله، ليس لديك اختيار آخر، باستثناء التأقلم معه والاندماج به".
ذرع الشاعر الغرفة بخطواته لدقيقتين، ثم مد يده لصديقه، وقال:"شكرا، أنا موافق. ألاحظ أنك تحفظ مصالحي قلبيا،  ولكنك تعلم أن عرضك يشبه الحياة في المنفى".
رد الدكتور ليموس:"منفى ونقود".
 بعد عدة أيام بدأ الشاعر بنسخ بيانات حجز واستئناف، وهو يشكو ويشتم حظه، دون أن يعلم أنه من هذا العمل سينشأ تبدل راديكالي يصيب طموحاته. ولم يكلمه الدكتور ليموس لخمسة شهور. وفي أحد الأيام، قابله في الشارع وسأله عن قصيدته الملحمية.
رد لويس تونيكو:"لقد جمدت".
"هل ستلغي الفكرة؟".
"كلا سأنتهي منها حالما يتوفر لي الوقت".
"وماذا عن مجلتك؟".
"آه توقفت عن طباعتها من عصور طويلة. وأستغرب أنك لم تلاحظ أنني لا أرسل إليك نسخة من عهد بعيد".
"هذا صحيح، ولكن تخيلت أنك نسيتني. وتبين لي أن لديك خطة أخرى!. لقد أوقفت ليتراري آربور".
"أوقفتها وهي في ذروتها. وكان لدي ثمانون مشتركا".
"إذا لقد هجرت الأدب..".
"كلا ولكن... اسمح لي أن أنصرف الآن. وداعا".
"وداعا".
وكل هذا يبدو طبيعيا، ولكن بعد أن فاز دكتور ليموس بتلك الجولة ووجد له عملا، ترك ما تبقى له ليفهم أسباب خمود أدبه. هل هو بسبب حبه لورا؟.
ويجب الإشارة أن لورا ليست لورا، ولكن أنوسينسيا، والشاعر هو من سماها لورا في شعره لأن الاسم يجب أن يكون أكثر رشاقة، وهذا هو الواقع. والسؤال إلى أي مدى كان الحب حقيقيا، وكيف تلقت حبه؟. لا معلومات لدينا. وما نعلمه، أنه في أحد الايام، ظهر في الأفق منافس، وكان شاعرا بمقدار ما لدى عراب لويس تينوكو من شعرية. ولذلك، كان جاهزا للزواج أكثر من محرر ليتيراري آربور, وبضربة واحدة وضع حدا لكل آمال الشاعر.
وهذه ليست مشكلة. فهذه حادثة أغنت الأدب بمرثية طويلة ودامعة، وفيها عبر لويس تينوكو عن كل الشكايات الممكنة التي يحملها أي عاشق مرفوض. ويمكن أن تقول عن هذا العمل كما ورد في مطلع دانتي: ليس هناك ألم أكبر من معاناتي. وبعد أن انتهى من الكتابة ومن التصحيح، قرأها لنفسه بصوت مرتفع، وهو يتجول في غرفة نومه، مضيفا لمسة أخيرة لبيت أو اثنين، مبديا إعجابه بانسجام بقية السطور، ومعترفا لنفسه من أعماق قلبه أن هذا أفضل عمل له. وعادت ليتراري آربور للظهور، وحمل لويس تينوكو قصيدته إلى المطبعة، ولكنه عرضها على بعض الزملاء، وكلهم كان لهم رأيه نفسه. وبغض النظر عن حزنه، أعاد الشاعر قراءة الطبعة التجريبية وبسرعة، وكان مهموما جدا عند نشر النسخ الأولى، وبعد ذلك بعدة أيام أعاد قراءة هذه السطور مرارا وتكرارا، دون أن  يهتم بالغدر والخيانة اللذين كانا مصدرا لإلهامه.
وعموما، لم يكن هذا هو السبب وراء تقاعس لويس تينوكو أدبيا.
كان ذلك بسبب السياسة بكل معنى الكلمة. فالمحامي الذي عمل لديه كان نائبا ويكتب في صحيفة سياسية. وكان مكتبه مقرا لاجتماعات أشخاص من عامة المجتمع، ويلتئم شملهم في حوارات طويلة عن الأحزاب السياسية والحكومة. وفي البداية كان لويس تينوكو يصغي بلا مبالاة لهم. وبالتدريج جذب كلامهم انتباهه. وبدأ بقراءة الخطابات البرلمانية وصفحة الرأي.
وتحول الاهتمام الطفيف إلى تحمس، فقد كان كل شيء في حياة لويس تينوكو مبالغا به- إما الحماسة أو اللامبالاة.  وفي أحد الأيام استيقظ ولديه فكرة: أن قدره أن يكون سياسيا.
وأخبر الدكتور ليموس حينما تبادلا الكلام:"سيرتي الأدبية انتهت. والآن ها هو عالم آخر يناديني".
"السياسة؟. إذا تعتقد أن مكانك فيها؟".
"نعم، وأعتقد أنه بمقدوري أن أشارك".
"أرى أنك متواضع جدا. وأنا متأكد أن صوتا داخليا يلح عليك لتحرق أجنحتك الشعرية. احذر، ولا أشك أنك قرأت ماكبث. حسنا، احذر من العرافات، يا صديقي. فأنت إنسان حساس ولديك مشاعر جياشة. ولا أعتقد أن..".
قال الدكتور تينوكو مقاطعا بشكل مباشر:"لكنني جاهز للرد على نداء القدر. السياسة تناديني وأنا لا يمكنني ولا يجب أن أغلق أذني أمام هذا النداء. هذا آخر شيء أرغب به، كلا، العوائق وحرب الفساد والحكومات المتعاقبة قصيرة الأجل لا يمكنها أن تحرف مؤمنا عن طريق الحقيقة. ومن بمقدوره إنكار هذا الصوت؟. فقط الجبناء والضعفاء، وأنا لست منهم".
كان هذا هو حواره الأول مع دكتور ليموس ولحسن الحظ كان في زاوية شارع مقفر.
قال الشاعر السابق:"لدي سؤال واحد".
"ما هو؟".
"كلم المحامي عني. وأخبره أنني أرغب بالعمل معه، وسأكون تابعه. وهذه رغبتي".
ووافق الدكتور ليموس على رغبة لويس تينوكو. وذهب لمقابلة المحامي وزكّى الموظف، صحيح بقليل من الاندفاع، ولكن ليس ببرود، أيضا. وكان محظوظا، فالمحامي كان مثل القديس فرانسيس كزافييه في الحزب، ولديه رغبة في توسيع جيشه: وقبل التوصية بحبور. وفي اليوم التالي تكلم مع موظفه كلمات قليلة لطيفة، وهو بدوره أعطاه أذنا صاغية، وهو يرتعش من البهجة.
قال المحامي:"اكتب شيئا، واعرضه علي، وسنرى إن كانت لديك موهبة مناسبة".
لم يكن لويس تينوكو بحاجة لأن يُسأل أكثر من مرتين. بعد يومين، أحضر لمعلمه مقالة هادرة وطويلة، حافلة بالمعاني والآلام. ولاحظ المحامي عيوبها، وأشار لبعض الهفوات والأخطاء، وضعف بعض البراهين، والزخارف التي غلبت على الجوهر. لكنه وعد بنشرها. وأصغى لويس تينوكو لكلمات معلمه بتواضع شديد وبهجة. دون أن تعرف السبب. سواء لأن تلك الملاحظات كانت لطيفة ودبلوماسية، أو لأن لويس تينوكو فقد بعض تصلبه القديم، أو لأن الوعد بنشر المقالة جعلت مرارة النقد حلوة المذاق. أو لكل تلك الأسباب مجتمعة.
وعرض المحامي المقال على أصدقائه وقال:"سيتحسن مع الوقت". ونشر المقال، وتلقى لويس تينوكو عدة مصافحات تشجيعية. ومجددا شعر بالبهجة العذبة العميقة التي انتابته عندما نشرت قصائده المبكرة في كوريو ميركانتيل، ولكنها كانت بهجة أكثر تعقيدا، تحكم بها قرار ذاتي: ابتداء من ذلك اليوم، سيكون لدى لويس تينوكو من كل قلبه هدف، و شعور أن الطبيعة والقدر أرسلاه للعالم ليصوب الأخطاء السياسية.
والقليل من الأشخاص نسوا الفقرة الأخيرة من الافتتاحية السياسية للمحرر السابق في ليتيراري آربور. وقد قال فيها: السلطة المنافقة والحقودة لا تستمر، وأعلن بتواضع أنني لا أخشى التصلب ولا الشهادة. فموسى قاد العبرانيين إلى أرض الميعاد، ولكنه لم يكن محظوظا تماما ليدخلها بنفسه: فهو رمز  للكاتب الذي يقود شعبه إلى التنمية السياسية والأخلاقية دون المرور شخصيا من البوابات الذهبية.
ماذا هناك لتخاف منه؟. أحكم وثاق بروميثيوس في القوقاز، وسقراط شرب الشوكران السام، ومات المسيح على الصليب، وتم تمزيق أوصال سافونارولا، وشنق جون براون، وكلهم من أنصار التنوير، ومثال وعبرة لمن أحب الحقيقة وعمل جهده للتأثير على الطغاة والتخلص من الاستبداد.
ولم يتوقف لويس تينوكو بعد أول نجاح له. وتكرر النجاح الذي تميز به طوره الأدبي في طوره السياسي. وفي هذا الوقت أخبره معلمه أن يختصر من نشاطه وأن تكون لهجته أقل حماسة. وتقبل الشاعر السابق هذا النقد وتعلم منه، وكتب مقالات قليلة متحفظة بالأسلوب والمضمون. وبما أن لويس تينوكو لا يعلم شيئا عن السياسة، أعاره معلمه بعض الكتب وتقبلها بامتنان.
ولا بد أن قراء هذه القصة حزروا الآن أن مؤلف "المنثور والكاميليا" ليس إنسانا يتكهن ويفكر كثيرا أثناء الانكباب على صفحة الكتابة، بل هو ينجذب لعبارات تطير بسهولة وتحلق عاليا، ولا سيما العبارات الرنانة، ويتمهل عندها، ويكررها وينظر لها ببهجة حقيقية. وقد وجد أن التخيل والملاحظة والتحليل أشياء جافة، وغالبا ما يتحاشاها.
بعد قليل من الوقت تم الإعلان عن انتخابات رئيسية. وشعر لويس تينوكو أنه جاهز ليخوض الحملة. وأخبر المحامي عن ذلك بلهجة جازمة. فتلقى رغبته بإيجابية.  ورتب الأمور وأسعده رؤية اسمه على لائحة الانتخابات ثم فاجأته الخسارة. لربما الحكومة تآمرت عليه، ولكنها لم تهزمه. وكان الشاعر السابق يغلي بعد المعركة، وترجم ذلك في جمل براقة وطويلة عبرت عن حزنه من ربح أعدائه.
ورد أصدقاء الحكومة بمقال آخر، وانتهى كما يلي:"ماذا دفع النانب السابق ليتوقع شيئا من مساعد يأمل بحصاد بعض الثمار ولكن بواسطة لغة ضعيفة وركيكة من هذا النوع؟".
وتقريبا مات لويس تينوكو من البهجة لأنه كان هدفا لذلك الهجوم الحكومي. ولم يستقبله إعلام المعارضة كما يرغب. 
لكنهم مرة أو اثنتين ناقشوا كتاباته وما كان يثنيهم الهجوم الشخصي. وكان يبدو له تعميدا ضروريا يلهب نار هذا النوع من الحملات. وعندما قرأ المحامي هذا الهجوم، أخبر الشاعر السابق أن وضعه يشبه وليام بت الأب، حينما سماه في مجلس العموم الوزير روبيرت والبول بلقب مجرد ولد، وقد ألح عليه ليرد الإهانة الحكومية بالنبرة نفسها.
في ذلك الوقت لم تكن لدى لويس تينوكو  أية فكرة عن بت أو والبول، وفي الوقت نفسه حرضته المقارنة، وسأل المحامي بذكاء إذا بمقدوره أن يعيره سجل خطابات المجلس البريطاني من أجل أن "ينعش ذاكرته". 
ولكن لم يكن لديه نسخة تحت اليد، وإنما لخصها ليستفيد منها لويس تينوكو في كتابة مقالة طويلة يصف بها وبدقة ماذا يعني التابع الصغير وماذا لا يعني.
في هذا الوقت كشفت له المعركة الانتخابية موهبة جديدة. بما أنه أحيانا عليه إلقاء خطابات، لبى ذلك بمتعة فائقة وحصل على استقبال جماهيري لافت. واقتنع لويس تينوكو أنه يمكنه أن يكون ممثلا. وكان هذا الطموح الجديد صعبا. وكما لاحظ الشاعر المعتزل عليه أن يسلح نفسه بالصبر ولذلك عزم على الانتظار.
هنا يوجد فراغ في حياة لويس تينوكو. ولكن لا تجد إشارة له في سيرته، فبعد سنتين بعد الانتخابات هذه تم إرسال الشاب إلى مسقط رأس صديقه وحاميه. و دعنا لا نضيع وقتا بالتكهن بأسباب هذه الرحلة. ولا أسباب مكوثه هناك لفترة أطول مما أراد. ودعونا نذهب إليه ونتابعه بعد عدة شهور، وهو يشارك في إصدار صحيفة بحماس الشباب الذي ميزه حين كان في ريو. فقد كان معه رسائل توصية من المحامي موجهة إلى أصدقاء وأقارب من جو السياسة. وسرعان ما شكل دائرة اجتماعية، واستقر على فكرة أن ينتظر هناك لبعض الوقت. وخلالها مات عرابه، وأصبح لويس تينوكو دون عائلة.
ولم تقلل طموحاته في الخطابات من متعة الكتابة، بالعكس، أحدهما ساند الآخر. وفكرة أنه يمتلك سلاحين ويستعملهما في وقت واحد، ويوظفهما في تهديد وهزيمة أعدائه، أصبحت فكرة ملحة وقائمة ولا يمكن التغلب عليها. وهذا ليس كبرياء ولا شيطنة. وآمن لويس تينوكو من أعماقه أنه جزء من خطة عامة، وقد راق له ذلك وضاعف من عزمه. وكان ينقصه الإخلاص حينما عبر عن سوء حظه بالشعر، ليقرأه على أصدقائه، ولكن كان مخلصا جدا كلما انحدر نحو السياسة. وإذا شك أحدهم بمؤهلاته السياسية، فهذا كان يجرحه كما حصل عندما شكك القراء بمؤهلاته الأدبية، ولكن لم ينل من كبريائه فقط، والأهم من ذلك، من إيمانه العميق الذي لا يلين أنه ضروري لتحقيق الانسجام الكوني.
كان دكتور ليموس ما زال في ريو. وأرسل له لويس تينوكو كل كتاباته في منفاه، وأخبره بسذاجة عن أمله الجديد. وفي أحد الأيام، أخبره أن انتخابه لمجلس المنطقة قيد النقاش، وأن النقاش مشجع. وفي الرسالة التالية أبلغه أن مشاركته تحولت إلى واقع حقيقي.
وجرت الانتخابات، وبعد جهود شاقة وعمل دؤوب، حصل المرشح على شرف الانضمام لقائمة الناجحين.
و عندما نما لعلمه خبر فوزه، غنت روحه ترنيمة قلبية في مديح المسيح Te Deum Laudamos. وأطلق تنهيدة من ثناياه نادرا ما تخرج من إنسان. وقد عزت قلبه عن كل الشكوك والشبهات التي انتابته لفترة طويلة، ولأسابيع عديدة. لقد فاز أخيرا!. وها هو على وشك أن يتخذ أول خطوة له نحو المجد.
نام نوما متقطعا في تلك الليلة، كما حصل ليلة نشر أول سونيت له، ومجددا قاطع نومه أحلام من وحي الوضع الأخير.
وكان بوسعه أن يتخيل وهو يرعد بخطاب في المجلس المحلي وسط تصفيق من بعضهم ولعنات من آخرين وحسد الجميع، وبعدها مديح في الصحافة المحلية انصب على بلاغته الأصيلة والمتجددة.
وكتب حوالي عشرين مقدمة مختلفة لخطابه المنتظر وكان موضوعه طبعا يستحق فقرات ملونة وحصيفة. وبدأ بالفعل  يستذكر بذهنه الإشارات والوقفات ويفكر بشكل عام بالوضعية التي سيتخذها في مجلس نواب المقاطعة. فقد انطلق العديد من الشخصيات المهمة من برلمان المنطقة. وإذا أراد أن يكون بالمستوى اللائق لقرار القدر والمصير، فمن المحتمل إذا، بل من الضروري، أن يتوجب عليه الإسراع بالانفصال عن هذه المهمة بأسرع ما يمكن ليمر من الباب الأوسع للسياسة الوطنية. وفي ذهنه، كان يتصور نفسه على واحد من الكراسي في بناية الكونغرس، وسرعان ما أغرق نفسه بأفكاره الشخصية، وبالدور الهام الذي سيلعبه. وكان بمقدوره أن يشاهد أمامه المعارضة أو الوزير وهم وقوف بانتظار خمس أو ست خطابات بوسع لويس تينوكو أن يلقيها أفضل من أي شخص آخر. وبوسعه أن يسمع الصحف تتكلم والناس يسألون عمن يكون، واسمه يتردد في أرجاء الإمبراطورية.  ويمكنه أيضا أن يرى ملفات الوزارة وهي في حضنه، مع كلمة للوزير نفسه.
وتخيل النائب الجديد كل ذلك، أضف لها أشياء أخرى، وهو يستلقي في سريره، رأسه على الوسادة وذهنه يفكر بالعالم، وهذا أسوأ ما يمكن أن يجري لإنسان ممزق ومضعضع الحواس كما كان في تلك الساعة.
كتب لويس تينوكو مباشرة للدكتور ليموس ليخبره عن آماله وخططه، وأن الكنز يفتح أمامه الممر الواسع لحياة الشهرة. وتمهلت الرسالة عند الأثر المتوقع لخطابه الأول، وكانت نهايتها كما يلي:
أي مكانة أرتقي إليها، حتى لو أنها أعلى مكانة في الأرض، ولا يوجد أعلى منها غير الإمبراطور (وأنا أعتقد فعلا أنني أهل لها)، لكن لن أنسى الدين الذي أدين به لكم، يا سيدي، بسبب تشجيعك ودعمك. وأعتقد، حتى الآن، أنني لم أخن ثقة أصدقائي بي. وآمل أن أتابع لهذا الطريق لأحظى بها.
إلى العمل مجددا.
كان لويس تينوكو شديد الاندفاع ليتكلم في أول جلسة وألقى فيها خطابا مدته ساعتان عن خطة لإنشاء بركة، فقد تأكد له أن الماء ضرورة جوهرية للكائن الحي.
وأول معركة أساسية نشبت كانت خلال مناقشة ميزانية المقاطعة. وفيها ألقى لويس تينوكو خطابا مطولا هاجم به الحاكم العام، والرئيس، ومعارضيه، والشرطة، والطغيان. ولم يشاهد أحد تلميحات من هذا النوع طوال تاريخ الحوارات البرلمانية. وما من أحد، لا أحد على الإطلاق، في المقاطعة، انتابته البهجة وهو يراه كيف كان يهز رأسه ويثني ذراعه، ويشير ويرفع ويخفض يمناه. وكان أسلوبه غريبا. إذا أن أحدا لم يتناول الترميم والإنفاق بمثل هذه الصور وهذه الارقام. وقارن الترميمات بقطر الندى الذي تراه على الزهور في الليل، والإنفاق بنسمات الصباح التي تهز الزهور وتجفف قليلا تلك الرطوبة المتجمعة. وقال إن حكومة جيدة، هي النسمات اللطيفة، ولكن رئيس الوزارة الجديد لا شيء سوى هواء حار لاهب.
واعترض الأغلبية علنا على هذا الوصف المهين، مع أنه شاعري. واعترف أحد الوزراء أنه لم يشاهد في حياته ريحا باردة مثل هذه تهب من ريو دي جانيرو.
ولسوء الحظ، لم يستسلم معارضوه. ما أن انتهى لويس تينوكو من خطابه وسط تصفيق متفرق من أصدقائه،  حتى نهض أحد معارضيه ووقف لفترة ملحوظة بعينين نفاذتين تنظران للمتكلم الجديد. ثم أخرج من جيبه رزمة من الصحف والمجلات، ونظف حنجرته وقال: "أرسلت لنا ريو دي جانيرو النائب المحترم الذي تكلم للتو. وكنا نعتقد أنه نجم لامع مقدر له أن يؤثر ويتجاوز مواهبنا المحلية. وفورا تدبرت الحصول على بعض كتابات النائب المحترم التي سبق نشرها. وها هي مجلة ليتيراري آربور، وكان يحررها صديقنا المحترم، ومعها كتاب المنثور والكاميليا. ولدي المزيد من هذه الأعمال في المنزل. اسمحوا لي التقليب في المنثور والكاميليا.
السيد لويس تينوكو: صديقي المحترم لا يفهم الأصول.
(صيحات تأييد).
معارضه: سأتابع، سيدي رئيس المجلس. لدينا المنثور والكاميليا. لننظر في واحدة من صفحات المنثور. يقول:
لها
من أنت يامعذبتي،
هل تعذبينني بأجمل
الابتسامات؟.
من أنت، يا من تقودينني
إلى أبواب الجنة؟.
هل أنت صورة للسماء نفسها؟ أم 
ابنة الآلهة؟.
أم أنت التي تقيدين حريتي
بخصلات شعرك الذهبية؟.
" كما ترى سيدي رئيس المجلس، إن صديقنا الموقر، في ذلك الوقت، كان عدوا لكل القوانين. وأنت لاحظت كيف تعامل مع القوانين المعيارية".
وهكذا وهكذا. اعترض القليل من النواب، وتحول لون لويس تينوكو إلى الأبيض، ثم الأحمر، ثم الأبيض مجددا، وانتهت الجلسة بضحكة صاخبة. وفي اليوم التالي، تقدمت الصحيفة التي أيدت لويس تينوكو بالشكر لعدوه بسبب النصر الذي أهداه له مبينا للمقاطعة" جانبا مشرقا قديما من مواهب النائب الدفينة". وأولئلك من سخروا بلا تهذيب من القصيدة تعرضوا للتوبيخ كما يلي:"من أيام مضت، وصف أحد نواب الحكومة حزبه أنه قافلة من الرجال الطيبين والشرفاء. وكان مصيبا بالكلام عن القافلة، والبارحة، رأينا البعير".
ولم يجد لويس تينوكو التعزية بذلك. واختصر من عدد رسائله إلى الدكتور ليموس. ثم توقف نهائيا. ومرت ثلاث سنوات بصمت، وفي نهايتها حصل الدكتور ليموس على ترشيح لمنصب في تلك المقاطعة. وما أن استقر فيه، بدأ البحث عن شاعره القديم، ولم يستغرق وقتا طويلا، فقد تلقى فورا دعوة من لويس تينوكو ليزوره في بيت ريفي اعتزل به ويعيش حاليا بين جنباته.
قال لويس تينوكو للدكتور ليموس حال وصوله:"سميتني البائس الناكر للجميل، أنا متأكد من ذلك. ولكن هذا غير صحيح، كنت آمل أن ألقاك العام الماضي وهذا سبب أنني لم أكتب لك.. لكن يا دكتور ما هو الخطأ؟. أنت تبدو مصدوما".
والحقيقة أن الدكتور ليموس فاجأه لويس تينوكو الجديد. هل هذا هو مؤلف المنثور والكاميليا، النائب الفصيح، والمتكلم الثائر؟. ما شاهده أمامه عامل عادي وشريف، بسلوك قديم وبسيط، ودون أي أثر لحالة السوداوية أو الإشارات الدرامية والخطابية- لقد تبدل تماما وأصبح مخلوقا أفضل بكثير وبحالة مختلفة على نحو جذري.
ضحك كلاهما. الدكتور على التغير الملحوظ الذي حصل. والشاعر السابق على استغراب ودهشة الدكتور. وسأل الدكتور ليموس لويس تينوكو هل ترك فعلا السياسة أم أنه يأخذ استراحة للاستجمام من ذلك العالم.. 
"سأشرح كل شيء، يا دكتور، ولكن بعد أن تشاهد بيتي وأرضي. وتقابل زوجتي وأولادي-".
"هل تزوجت؟".
"نعم، لما يزيد على عام ونصف العام".
"ولم تخبرني".
"كنت أخطط لزيارة ريو هذا العام وكنت آمل أن أفاجئك. وأطفالي يسرون الإنسان، لدي إثنان كالملائكة. فهما مثل أمهما. وهي وردة المقاطعة. وأرجو أن تعتاد على وضعها كربة منزل أيضا؛ وكانت دائما مهتمة وحريصة على النقود".
وما أن انتهت التقديمات، وبعد طبع قبلات سريعة على وجهي الولدين، والتعرف على المنزل والأرض، أخبر لويس تينوكو الدكتور أنه فعلا ونهائيا ابتعد عن السياسة.
"إلى الأبد؟".
"إلى الأبد".
"ولكن لماذا؟. لسبب الانزعاج على ما أفترض".
"كلا، أفهم ببساطدة الآن أن قدري لا يتقبل أشياء هامة من هذا النوع. وفي أحد الأيام قرأ شخص ما قصيدة لي بصوت مرتفع في المجلس. ولاحظت كيف أنها سخيفة ،وفيما بعد  انتبهت لعملي في السياسة بمزيد من الخجل والندم، وهكذا تخليت عن مهنتي وهجرت الحياة العامة. وكان قرارا سهلا اتخذته، وخلال ليلة واحدة من التفكير".
"ورغبت بشيء آخر؟".
"لقد عزمت أمري يا صديقي. رغبت أن أمشي على أرض صلبة ولا أتزلج على السطح مثل أولئك الشباب الموهومين.  وكنت شاعرا سخيفا وخطيبا أشد سخافة. وهذه هي حالتي. وخلال عدة سنوات، سأكون غنيا. والآن اسمح لي أن أدعوك لشرب القهوة ولنغلق أفواهنا بإحكام. كما نعلم الفم المغلق لا تدخل فيه ذبابة".

الترجمة من الإسبانية الى الانجليزية: مارغريت جول كوستا وروبين باتيرسون.

چواكيم ماريا ماشادو ده أسيس، روائي وقاص برازيلي ولد في 21 يناير، 1839 في ريو دى جانيرو وبها عاش وتوفي؛ ويعد الأب الحقيقى للأدب البرازيلى الحديث، ومؤسس الأكاديمية البرازيلية للآداب ورئيسها حتى وفاته في 29 سبتمبر، 1908 عن 69 عاماً، تاركا وراءه إرثاً غنياً وبصمة مضيئة على فن الرواية الغرائبية نشأ عليه أكثر من جيل في البرازيل.

وهو على الرغم من شهرته في بلده الأصلي؛ إلا أن أعين المترجمين لم تتنبه لإبداعاته إلا من فترة قريبة؛ ناقلة بذلك نتاجه الفريد إلى أغلب لغات الأرض كواحد من الكتاب العظام الذين لايستغنى عن الأطلاع على ماتركوه من أرث قصصي وروائي لتفتح الباب على مصراعيه للولوج إلى تيارات الرواية الحديثة، بفضل القدرة الفائقة لماشادو ده أسيس على مزج الواقعية بالخيال المحض، وانتباهه إلى سحر العمق النفسي في الشخصية الإنسانية وتنوع مشاعرها وتناقضاتها.
يعتبر كثير من النقاد أن ماشادو ده أسيس أهم كاتب واقعي في أدب أميركا اللاتينية. وتجلت براعته بشكل واضح في روايتيه الشهيرتين "في ذكرى رابح صغير" التي كتبها عام 1881 و "دوم كاسمورو" التي فرغ منها في عام 1900 وبههما تجلت براعة فائقة في التشخيص والتقنية القصصية استحق لأجلها أن يكون من قادة الحركة الواقعية في أدب أميركا اللاتينية جنباً إلى جنب مع "ألبرتو بلَسْت غانا" و "بَلْدوميرو ليلو" وكلاهما من تشيلي، و "كلورندا ماتّو دو تيرنر" من بيرو، و "يوجنيو كامباسيريس" من الأرجنتين، و "فدريكو غامبوا" من المكسيك. يعد ماشادو ده أسيس أحد رواد المدرسة "البارناسية Parnassianismo" والمذهب البرناسي والواقعية والطبيعية في الأدب البرازيلي. وتربو مجلدات أعماله الكاملة على واحد وثلاثين مجلدا .. ( ويكيبيدبا).

** أديب ومترجم من سورية/ حلب.