جورج صاند... تسعون كتاباً وما تيسّر من عشّاق وزيجات!

 

سلمى بوصوف*

 

أورور دوبان هو الاسم الحقيقي للأديبة الفرنسية "جورج صاند" التي عاشت في القرن التاسع عشر. كانت حياة صاند حافلة بالعطاء الفكري والمعنوي وغنية بحكايات العشق والنزق والتمرد على مجتمعها، الذي أزاحت عنه حجبه من خلال كتبها ومقالاتها وسيرة حياتها، وتحدّته بوجه مكشوف وعينين مفتوحتين على اتساعهما... إنها المرأة الجريئة، الشغوفة بالعشق والكتابة والتحدي، هي التي ارتدت ملابس الرجال ودخنت السيجار وثارت على طبقتها البرجوازية أولا، وعلى القوانين والعادات التي تحد من حرية النساء ثانيا. فقال عنها أندري موروا: إنها كانت الصوت النسوي الوحيد الذي دوى في القرن الماضي. 
تزوجت مرة واحدة في حياتها من شاب يدعى كازيمير دودوفان، وأمضت معه سنوات تحت نير علاقة زوجية مضطربة، بائسة تخلو من دفء الحب وتناغم الاهتمامات والأفكار؛ فكلما حاولت أن تحثه على القراءة أو أن تتناقش معه حول قراءاتها كان هو يتثاءب ويدير وجهه مُعرضا عنها . تأكدت صاند أن بينهما فجوة عميقة يستحيل ردمها فلم تجد بدا من أن تثور عليه، ليس فقط لاختلاف اهتماماتهما وطبائعهما بل أيضا لتذمرها من قوانين المجتمع الفرنسي التي كانت تبيح للزوج التحكم في ممتلكات زوجته. فعند زواجه منها أعطى كازيمير لنفسه الحق في التحكم في كل صغيرة وكبيرة في قصرها الذي ورثته عن جدتها، فلم يكن من الغريب أن تمقته وتقرر الانفصال عنه  .وبهذا الخصوص نعثر على رأيها الصريح في الزواج الذي استخلصته -على الأرجح- من تجربتها  في كتابها "قصة حياتي" إذ كتبت "الزواج شيء جميل في عيون العشاق، وضروري في رأي القديسين، إنه الهدف الأسمى للحب، وعندما يزول الحب أو لا يكون أصلا، يتحول رباط الزوجية إلى تضحية أو إلى يأس..." .
وقعت  أورور أكثر من مرة، وفي كل مرة كانت تفشل في الحفاظ بعلاقاتها العاطفية. فهل يرجع السبب إلى شخصيتها القوية والفذة التي حملتها على عدم الرضوخ حتى للحب، أم لأنها كانت تبحث عن العشق الكامل والمثالي الذي لم تلمح آثار خطواته؟ 
رغم أن كل من عرف جورج صاند كان يقع أسير شخصيتها الصلبة، وعينيها البراقتين والمشعتين بالذكاء، إلا أن أحدا من عشاقها لم يقدر على مجاراة توقها للحرية، وميلها للاختلاء بنفسها والانغماس لساعات متواصلة في الكتابة. لم تكن تسمح لأي كان ولأي شيء أن يشغلها عن ملاذها الروحي وشغفها بعالم الكلمات. وهذا ما حدا بها إلى قطع صلتها نهائيا بحبيبها جول صاندو الذي استعارت من اسمه كنيتها صاند، عندما أحست أنه أصبح عالة عليها بخموله وكسله وأنه يعطلها عن تشذيب مواهبها. 
بعد إخفاقها في الزواج وإخفاقها في الحب مرتين، وقعت جورج صاند أسيرة حب جديد.. فمشاعر الشاعر الفريد دي موسيه الجياشة تجاهها وكلماته التي تفيض رقة وعذوبة من خلال رسائله التي  يبعث بها إليها، جعلتها ترضخ له بعد أن تحاشته وهربت منه وصدته عنها مدة طويلة. سافرت صاند مع موسيه في رحلة إلى البندقية، وقد كانت تلك الرحلة منبعا أثرى مواهبهما التي ظهرت بعد ذلك في كتاب موسيه "اعترافات فتى العصر" وفي كتاب صاند "رسائل مسافر". لكنها كانت أيضا جحيما للعاشقين بسبب تنافر الطبعين ، مما جعل صاند تعتزم  قطع علاقتهما العاطفية وليس الأدبية، لأنهما ظلا يتراسلان بعد ذلك لمدة طويلة. 
عاشت جورج صاند أشهر قصة حب مع الموسيقار العظيم "فريديريك شوبان" الذي كان يصغرها بست سنوات. فاهتمت إبان عيشهما المشترك في قصرها في نوهان بصحته المعلولة، وأحاطته بالعناية والحب والاهتمام. وقد دونت في كتابها "شتاء في مايورقه" قصتها معه التي استمرت ثمانية أعوام ونيف. لكنها ستنتهي هي كذلك نهاية مؤسفة بسبب الخلافات التي نشبت في بيت صاند  بين أفراد العائلة، و بسبب غيرته من ابنها وأصدقائها الذين كانوا يتوافدون على المنزل، وتدخله في تربيتها لابنيها.
لا يمكن  الفصل في حياة الأديبة جورج صاند بين حياتها العاطفية ومسارها الأدبي الحافل بالكتابات التي تجاوزت التسعين كتابا والتي من أهمها رواياتها " كونسويللو" و"أنديانا" و"مستنقع الشيطان" و " ليليا" و"فاديت الصغيرة". كانت صاند أيقونة، وجوهرة ثرية بحكاياتها ومشاعرها ونضالها الذي اتخذت له شعارا واحدا هو "الحرية صنعتي".
 
* أديبة من المغرب.