"جوار الماء" لأماني سليمان: قصص تحتفي بالطفولة وتضيف جديدا للفن

د.ابراهيم خليل*ما من مرَّة أقرأ فيها مجموعة من القصص إلا ويتبادر إلى ذهني سؤال هو: ما الجديد في هذه القصص، أهي تراكم كمي يضاف إلى ما يُنشر ويُتداولُ، من حينٍ لآخر؟ أم هي شيء مُختلف؟ وهذا السؤال لم يلح عليّ إلحاحا كثيرا وأنا أقرأ المجموعة الأخيرة لأماني سليمان، الموسومة بالعنوان «جوار الماء» (ضفاف 2018) فقد لاحظتُ ـ وربما لاحظ آخرون- أن في هذه القصص لونا جديدا من النَسْج، وضربا فريدا من السَرْد، الذي عِمادُهُ الإيماءاتُ، بلغة مشحونة تارة بالظلال، وطورا بالغُموض والإيحاءات.

ففي قصة «سلَّة» تتناول الكاتبة ما يمر به طفلٌ يشفقُ على العصافير التي تصرعها العاصفة الهوجاء، فيقوم بجمع ما يموتُ منها في سلَّة، ويحاول إحضارها للمنزل، ظنّا منه أنه بهذا يحميها من القطط الجائعة، التي تبحث عن فرائس في هاتيك الأجواء، لكنَّ الطفل يُصاب بالإحباط؛ لأن أباه يمنعه من أن يشعر بالإشفاق تجاه العصافير، فلا يفتأ ـ بُعيْد ذلك- يحْذُر أباه، الذي يبدو له في تلك اللحظة غريبا وقاسيا. أما هو، فيشعر بأنه عصفور ميِّتٌ لا يجد سلة تحتويه. وهذا ـ بلا ريب- تعبيرٌ رمزيٌ غير مباشرٍ عن معاناةِ منْ لا يقدرُ على حماية الضحيّة، فيشعر، هو، أيضا، بشعور الضَحيّة.
واللافتُ أنَّ أماني سليمان تكثر في القصص من استعادة أجواء الطفولة العابرة، ففي «جُحْر» تروي لنا شيئا عمّا يشعر به الطفل من إحساس بلذَّة الكشف، عندما يشاهد لأول مرة هنديا يُرقِّصُ الأفعى على نَغَمات الناي. مع أنه، في ما سَبَق، حاول القبض على أفعى، فاختفتْ في جُحر، وارتطم بالحائط حين تبعَها، واكتشف ألا جُحر فيه. وهذه هي طبيعة الأشياء. ففي الوقت الذي نخشى فيها خطورة بعضها نكتشف أنها لدى الآخرين لا خطورة فيها، بل هي التسليةُ، واللهوُ، بمعنى من المعاني. وفي قصة «سرير» يستمتع الطفل بلذة الاكتشاف حين يحاول الاختباءَ تحت السرير، ليجد الكثير من الألعاب، والدُمى، التي تخفيها أمُّه عنه. يحتضن دبَّه المفضل، ويربت على كتفيه بحنان، ولكن هذا الطفل، كغيره من أطفال «جوار الماء»، لا يقتنع بهذا الاكتشاف، وحْدَه، إذ يغدو أسيرا لدى رؤاهُ المناميَّة التي تراوح بين عذوبة مشاكسة، وقسوةٍ، تفتح عيْنيه على عالم غريبٍ، وعجيب، قبل أنْ ينتبه ليد أبيه تجذبُهُ بقوة من تحت السرير.
على أن القاصَّة، وهي لا تفتأ تستدعي أجواء الطفولة، تفاجئنا في قصَّة «حافَّة» بنموذج طريفٍ يذكرنا بمحكيات الأدب السيريالي، وأدب اللامعقول، فالساردُ يخبرنا، من العبارةِ الأولى، أنه خلع رأسه، ووضعه بهدوء على المنضدة أمامه، ثم توجه إلى المخزن لإحضار أدوات لفكفكة الرأس بالطريقة المناسبة. ولا بد أن يتساءل القارئ، تحت تأثير الصدمة، تُرى أي الطرق هي المناسبة لتفكيك الرأس؟ لا سيما أنّ الشخص، صاحبَ الرأس، هو الذي سيقوم بالتفكيك المناسب. وقد تكون صدمة القارئ أكثر قوة عندما يخبره سارد القصة باختفاء الرأس من مكانه. وبعد البحث عنه يجده على حافة النافذة، يوشك أن يلقي بنفسه من الطابق الستين. ولا يتوقع القارئُ، بالطبع، ما الذي سيُقْدم عليه السارد، لذا تأتي المفاجأة، إذ يحاول اللّحاق بالرأس، فيقذف بنفسه من النافذة وراءَ تلك الجمْجُمَة الهاربَة.

أكثر قصَص هذه المجموعة قوة قِصَّة «روح» التي قد لا يتلاءَم عنوانُها مع بناء القصّة، ونسيجها السرديِّ. فهو عنوانٌ يوحي بظلالٍ، وإيماءاتٍ، غير تلك التي يقفُ إزاءَها، وينتهي إليها، القارئ.

والنهاياتُ الحادّة، المفارقة لتوقعاتِ القارئ، كثيرا ما تلحُّ عليها الكاتبة أماني. ففي «دَوَران» تخشى الزوجة الوفيَّة غضب زوجها عند عودته. وهو غضبٌ يتَّخذهُ ذريعة كي يغادر البيتَ ليعودَ ـ كعادته- متأخرا. وحرصُ المرأة في هذه القصة على رضا الزوج أكبر من أنْ يخفى. وفي اللحظة التي تشعُر فيها بالرضا عن هذا، تتلقّى مكالمة مفجعة، إذ يبلغُها المتصلون بوجود زوجها في المشفى على إثر حادثِ سَيْر مروّع. تتَضاربُ إذن النهاية مع توقُّعات القارئ، لكنها قطعا لا تتضارب مع توقعات المؤلفة التي تريد أن تضخِّم الإحساس بالفجيعة لدى هذه الزوجة. فنحن كثيرا ما نواجهُ في حياتنا اليومية موقفا كهذا. ففي الوقت الذي نحرصُ فيه على رضا الآخرين طمعا في شعور مُفْعَمٍ بالوئام، تفاجئُنا الوقائعُ بما يسْتَبْدل هذا الشعور بآخرَ كارثي.
ولعلَّ من أكثر قصَص هذه المجموعة قوة قِصَّة «روح» التي قد لا يتلاءَم عنوانُها مع بناء القصّة، ونسيجها السرديِّ. فهو عنوانٌ يوحي بظلالٍ، وإيماءاتٍ، غير تلك التي يقفُ إزاءَها، وينتهي إليها، القارئ. فقد اعتاد بعض الناس على تسمية المولود الجديد باسم أخيه الذي فقدوه. وقد يمنحون هذا المولود شهادة ميلاد الطفل الفقيد، علاوة على اسمه، وتكتشِفُ الطفلةُ، التي كُتبَ عليها أن تُعرف باسم شقيقتها الراحلة، أنها ـ وهي تعيش حياتها الخاصَّة- مجبرةٌ على الشعور بثنائيَّة الأنا. فهيَ هيَ، وليستْ هيَ. تقول «صرتُ أظنُّ أنني لستُ أنا. وأنَّ بنتا أخرى تسكُنُني». وهذا الاكتشاف يعقبه اكتشافٌ آخر، فالأمُّ فوجئتْ ذاتَ يوم بالطفلة تضحكُ، وهي تحاكي أحدا. وعندما تسألها عمن تكلِّمُه تجيب بأنها تستحضر روح شقيقتها الميتة عن طريق الدمية، فتدرك الأم أخيرا ما يحيط بالطفلة من عَناءٍ نتيجة هذه الازدواجية في شخصيتها، فتقول للأب: ظلمْنا ابنَتَنا بمنْحها مُتعلِّقاتِ غيرها.
لم يعلقْ الأبُ، لكنَّ الطفلة التي كانت تُنْصِتُ لذلك الحوار، تتأكد من أنهم ليسوا ثلاثة، بل أربعة، فالأخت الراحلة تنامُ معهُم أيضا. وهذه النهاية تُلقي الضوء على سبب اختيار الكاتبة لهذا العنوان «روح» غير الملائم بادئ الأمر. فالطفلة، في الخاتمة، تؤكد لنا أنَّ الأبوين لا يستطيعان نسيان الطفلة التي ماتتْ، فهما يحتفظانِ بها من خلالها هي، فهي، في نظرهما، طفلتان في واحدة، أي: روحانِ في بدَن.
وتتكرَّر مثلُ هذه المواقف (اللّحظية) في قصص «جوار الماء»، من ذلك مثلا قصّة «إطار» التي تسلط الضوء على مشاعر طفل يُديم التحْديقَ في صورة جدِّهِ الذي رحَلَ منْذ زمن، ويُفرطُ في ذلك حدَّ الإحساس بأنَّ جدَّه يخرج من إطار الصُورة، ويتحدَّثُ إليه حديثَ منْ غادر قبره، وعاد إلى الحياة مجدَّدا، ما يَسْتدعي- بعد أن عُرف ذلك عن الطفل- عرضَهُ على الطبيب النفسي.
ومثلُ هذه الهموم، التي تعبّر عنها قصص أماني سليمان، تفتح أمام كتّاب القصة القصيرة أفقا جَديدا، لاسيما وقد أغنى هذه القصص النسيجُ اللغوي المليءُ بلَمَساتٍ فنية تتجلّى أحيانا في وفرة التعبيرات المجازية، وأحيانا في عبارات قصيرة، مجزأة، تتلاحقُ باطِّراد، وقد ألقت عنها أدوات العطف، والربط، مما يشحن السردَ بالتوتُّر، مثلما نلاحظ في هذا الاقتباس: «فتحتُ عينيَّ. لم ألمح سوى ظل يمضي بعيدا بيده دلوٌ فارغ. كان المساء قد أسْدل قليلا من عتمَتِه. ريح خفيفة تعوي في المكان عويلا لم أحدِّدْ له مصدرا. في جسدي برودةٌ وسُخونة. ضدّان يجتمعان في هذا القفْر. حدَّقتُ في ما حوْلي. لم أدر كم ساعة مرتْ.. وأنا على هذه الحال». في مثل هذه العبارات يتجلَّى التوتُّر، ويتسم الإيقاع السردي بالسرعة التي تسْتَثيرُ المتلقي. وتكاد هذه السمة تلازم مُعظم القصص، القصيرة منها جدا، وغير القصيرة جِدا. لهذا كلّه نظنُّ أنَّ في المجموعة «جوار الماء» إضافة نوعيَّة جديدة لفنِّ القصَّة القَصيرة.

٭ ناقد وأكاديمي من الأردن.