جمال أبو حمدان؛ 3 سنوات على الغياب (شهادة)

د. إبراهيم خليل*

 

ليس الهدف من هذه الشهادة التي نتناول فيها جهود الأديب الراحل جمال أبو حمدان روائيا وقاصا وكاتبا مسرحيا تسليط الأضواء على المتحدث، أو على الكتاب الذي صدر عن بعض أعمال الراحل في العام المنصرم 2017، وإنما هي شهادة تعبر تعبيراً  مبسطًا- في ما نظن- عن الوفاء العميق لقامة أدبية سامقة قدمت للمكتبة العربية وللأدب العربي بفنونه المتعددة أعمالا ليست كغيرها مما يتكدس في المكتبات، وإنما هي أعمال تنماز على سواها بالكثير من  المزايا التي تضعها على قدم المساواة مع الأعمال الإبداعية الخالدة.
فالراحل لم يكن صديقا مقربا، وحميمًا، لنا، وكل ما كان بيننا من علاقات لا تختلف عن العلاقة الأدبية بين كاتب وقارئ يُعنى بما يقرأ، وبمن يقرأ له ويتابعه من حين لآخر. في العام 1973 التقيت جمال أبو حمدان على نحو غير متوقع في إحدى المقاهي بعمان (السنترال) رفقة عدد من الكتاب. وفي حينه كان محررًا ثقافيًا في صحيفة "الرأي" وكنت قد نشرت فيها مقالا عن مجموعة قصصية صدرت عن دائرة الثقافة والفنون بعنوان " ألوان من القصة الأردنية " فأخبرني أن المرحوم حسني فريز رد على مقالتي القصيرة بمقال طويل يحتاج نشره لصفحة كاملة من صفحات "الرأي". 
وقال لي إنه سينشر رد المرحوم فريز، ولكنه سيرد عليه بنفسه لأن مقالة فريز تعج بالكثير من الإهانات العشوائية لجيل من كتاب القصة القصيرة ينعتهم بالجهل، وبالافتقار للمواهب. منذ ذلك الحين نشأت بيننا علاقة لا يمكن أن نعدها صداقة بالمعنى الدقيق للكلمة، ولكنه، مع ذلك ،كان دائم العناية بما أكتبه من مقالات وينشرها فورا بلا تأخير إلا في الحالات التي يتعذر عليه العثور على صورة مناسبة، أو غلافا لكتاب، أو صورا للوحات إذا كان المقال عن أحد المعارض، أو صورا لمشاهد مسرحية إذا كان عن إحدى المسرحيات التي تعرض في حينه في أحد المسارح. وتجددت علاقتنا بعد أن أصبح عضوا في الهيئة التأسيسية لرابطة الكتاب الأردنيين(1974) وقد زرته مع المرحوم خليل السواحري في مكتب الخطوط الجوية الملكية عالية في الدوار الثالث ليوقع على طلب التأسيس، بيد أنه ظل على الدوام بعيدا، أو شبه بعيد عن الرابطة، إلا أن ذلك لم يمنعه في العام 75/1976 من الانضمام لتكتل انتخابي يسعى للترشح والفوز بمقاعد الهيئة الإدارية مقابل تكتل آخر يريد التجديد للمرحوم الشاعر عبد الرحيم عمر وفريقه. وظلت اللقاءات التي تجمعنا إما أن تتم على غير توقع، أو في مكان عام نحضر ندوة فيه فنلتقي، وقد نغتنم الفرصة لبضع دقائق فنتحدث. في سنة 1975 نشرت مقالة عن القصة القصيرة في مجلة "الموقف الأدبي" بناء على طلب من القاص زكريا تامر، والمقالة التي نشرت بعنوان "القصة القصيرة في الأردن" بين جيلين، تطرقت فيها لمجموعته "أحزان كثيرة وثلاثة غزلان". وقد ساءه الربط بين هذه المجموعة ومجموعة أخرى للكاتب السوري المذكور عنوانها "ربيع في الرماد ". فقد كنت قد أشرت إلى تجانس المنهجين في المجموعتين، فقال لي يومئذ حرفيًا: إن زكريا تامر لا يشغله في قصصه شيء عدا الجنس، والجوع، وأما أنا فيشغلني في ما أكتبه من قصص شيء آخر، إنه إعادة النظر في التاريخ العربي، ففي ضوء رؤيتي الخاصة أجده تاريخا مليئا بالأكاذيب، والخزعبلات، التي يجب أن يسلط عليها الضوء. 
فيما بعد كتبت الكثير عن مسرحيات جمال، وأقاصيصه، وعن جهوده الأخرى في المجلات وفي الصحف. وفي العام 1997 كلفتُ وجمال أبو حمدان وفخري قعوار في اختيار الفائز أو الفائزين بجائزة الدولة التشجيعية في القصة القصيرة، وانضم إلينا الكاتب الناقد المرحوم عبد الله أبو هيف من سورية، واضطررنا للاجتماع في مكتب الأمين العام لاتحاد الأدباء والكتاب العرب، القاص فخري قعوار. وآخر لقاء جمع بيننا على غير موعد تمّ في مكتب صديقه القاص الروائي الياس فركوح، وكان قد حضر لمتابعة التجارب المطبعية لأحد كتبه، وينسحب على لقائنا هذا قول المتنبي الشاعر :
فافترقنا حَوْلا، ولما التقينا         كانَ تسليمُه عليَّ وداعا.
وذلك أنني لم أره بعد ذلك. 
وتنامى إليَّ أنه غادر البلاد إلى أميركا حيث يقيم بعض أبنائه، وسمعت أيضا أنه بعد مغادرته بوقت غير طويل أصيب بالسرطان الذي لم يمهله طويلا، وفارق الحياة وهو في أوج عطائه. 
مرَّ خبر وفاته في وسائل الإعلام مرورا عابرا. فلو أنه كان ينتمي لقبيلة من القبائل، أو عشيرة كبيرة، أو حزب من الأحزاب، لما قوبل رحيله بما قوبل به من صمتٍ، ولامباة، إذ لم ينظم للتعريف به أو تأبينه سوى ندوة خجولة في منتدى كبار الرواد، ثم ران الصمت الثقيل على رحيله مرة أخرى، إلا ما كان من دار فضاءات التي اختارت أن يكون موسمها الثقافي للعام الماضي 2017 باسم دورة جمال أبو حمدان، وهي لذلك تستحق جزيل الشكر على هذه المبادرة. مع ذلك يعرف الكثيرون، من القراء المتابعين، ما له من إرث عظيم في القصة، وفي المسرح، وفي الدراما المتلفزة، وفي الرواية، وقصص الأطفال، وما سوى ذلك من الفنون الإبداعية، وهو في ذلك كله لم يستند لوسيط، لا من وسيلة إعلامية مقروءة، أو منظورة، ولا من مركز في وظيفة رسمية تجعله قريبًا من السلطة المتصلة بالشأن الثقافي، ويصدُق عليه التعبير العربي القديم، فقد كانوا يقولون عن الرجل الذي يصنع مجده بنفسه من غير وسيط، ولا مساندة، عصامي، وهو عصاميٌ بهذا المعنى، وبغيره من معانٍ. ففي العام 1970 نشر أولى مجموعاته القصصية " أحزان كثيرة وثلاثة غزلان ". وفي تلك المجموعة شق طريقه نحو استخدام مرجعيات ثقافية دينية، وأسطورية، في نسيج القصة القصيرة، ومما يؤسف له أن يكتب أحد الأكاديميين بحثًا للنشر في مجلة علمية محكمة – فيما يزعمون- يدعي فيه أن  القاص مفلح العدوان هو أول من استخدم المرجعيات الأسطورية في القصة القصيرة، مع العلم أن ثمة عشرين عامًا ونيفًا سبق بها أبوحمدان بمجموعته تلك ما كتبه عدوان في مجموعته " الرحى "1994. 
على أن لجمال مذهبًا في كتابة القصة القصيرة سرعان ما قلده فيه كثيرونَ، وحاكوه. وليس هذا بالمجال الذي يسمح بتعداد أسمائهم، وذكر عناوين قصصهم، التي يتجلى فيها ذلك التقليد، وتلك المحاكاة. إنما الذي ينبغي التنويه إليه، والتنبيه عليه، أن الراحل واصل هذا العطاء دون كلل، أو ملل، حتى وفاته. ولم تكن القصة القصيرة مجاله الإبداعي الوحيد، على الرغم من أنه الفنّ الذي برز فيه، ومنه تحول لفنون أخرى، وإنما القصة أحدُ مجالاته المتعددة. وربَّ سائل يسأل: ألم يكن من الأولى به أن يتخير نوعا أدبيا واحدًا يتفرغ له، ويتخذه، تخصصًا دقيقا، بدلا من أن يشتت جهوده بين القصة، والرواية، والمسرحية، وقصص الأطفال، والدراما المتلفزة؟ جوابا عن هذا لا بد من التذكير بأن الراحل كان لديه مشروع إبداعي، ثقافي، فكري، ولم يكن يتسلى بالكتابة تسلية كغيره، أو يزاولها بغية الشهرة، أو التكسُّب، أو التقرب من ذوي القرار من وزراء وسلاطين، ولهذا فهو  في سعيه الموصول لغربلة التاريخ، وتسليط الضوء على وعينا الزائف بماضينا الداثر الذي كثيرا ما نتبجَّح به، ونتشدَّق، يبذل جهدهُ، وقصارى ما يستطيع، لاستخدام الأدوات الجديرة بتحقيق هذه الرؤية، القمينة بالتعبير عن هذا بصرف النظر عما تقوله نظرية التجنيس، وذلك يذكرنا بأسماء كبيرة تنحو هذا المنحى كجبرا إبراهيم جبرا، وأدونيس، ويوسف الخال، ولويس عوض، ممن لم تكن الكتابة عندهم سُلَّما للتسلق. ومشروع كهذا يتطلب استخدام الأشكال الأدبية المتاحة لتبليغ الرسائل الفكرية المنشودة، فاليوم تعد القصة أفضل هذه الأشكال، وغدًا قد تكون المسرحية أولى من القصة، ثم الرواية، وهكذا... بشرط أن يتقن الكاتب آليات النسق الإبداعي، لا أن يتقحَّم الفن من غير درايةٍ به، ولا إتقان، فتعَدُّدُ الأشكال الأدبية لدى جمال أبو حمدان لا يعدو أن يكون تنوُّعًا في الظاهر، وتعددا من حيث الأدوات والوسائط، في حين أن جوهره واحد.  
وهذا واضح في روايته "الموت الجميل"، أو "قطف الزهرة البرية"، اللتين تكشفان عما لدى هذا الكاتب من رؤية خاصة ومفهوم لما تنبغي أن تكون عليه الرواية، متجاوزا بذلك المفاهيم التقليدية الجامدة. فهو لا يكتبها شعرا كغيره ممن افسدوا الرواية، ولا مثلما تكتب القصة القصيرة، ولا مثلما تكتب السيرة الذاتية، أو تراجم الأشخاص، فقد دلف إلى عالم الرواية برؤية مركبة تضفي على الحكاية وعلى الزمن فيها قالبا شكليا جديدا، سمته تداخل الزمان بالمكان والسرد بالوصف والراوي بالشخوص. فالراوي متعدد الوجوه يمثل في روايته تقنية جديدة فهو الشاهد وهو الراوي الممسرح وهو المفسر والراوي العجائبي الذي ينبعث من قبره ليواصل رواية ما بقي من الحكاية. وهو لا يكتب الرواية بلغة متأنقة كتلك التي تعاني من التعسف المجازي، والترف الأسلوبي، الذي يصل إلى حد البذخ، على الرغم من تأنقه اللافت في القصص القصيرة، وفي مقدماته الشعرية لبعض القصص، فنحن نقرأ روايتيه لنجدهما تجمعان بين لغة الراوي المتأنق المتألق، والراوي السليط، والراوي العامي، الذي يخاطب الآخر بالدارجة في أداء يغلب عليه الوصف الشائع في نقد الرواية وهو الخطاب السردي المتعدد الأصوات (البليفوني). والمسرح عند جمال ابو حمدان كالقصة، والرواية، في أنه يتسق مع مشروعه الفكري الإبداعي، فمن يقرأ نصوصه إذا تخطته المشاهدة (الفرجة) يعثر فيها على ما هو منسجم تماما مع خطابه الأقصوصي، والروائي. 
فإذا عدنا لروايتيه، وجدنا في " الموتُ الجميلُ " عملا استثنائيًا، جمع فيه بين العجائبيّ، والواقعيّ، جمْعًا تهيمنُ عليه فكرةُ العلاقةِ غير الطبيعيَّة بين المدينة والقرية، والعلاقة غير الطبيعيَّة بين المرأة الطارئةِ على القرية، والقرويين، ونظرتهم الخاصَّة لمن يفِدُ إليهم من المدينة القريبة. وهو عمَلٌ- بلا رَيْب- تتداخلُ فيهِ الشُخوصُ، وطرائقُ السرْد، فيجمعُ فيه بين الراوي المشارك، والراوي العَليم، بين الراوي الحفيدِ والراوي الجدِّ، بين الراوي الميْت والرواي الذي ينبعثُ منْ قبرْهِ، في إشارةٍ لاسْتمراريَّةِ الوقائع.. ويخلطُ أيضًا بين الأمْكنَةِ المهْجورَة، والأمكنة العامِرَة بالصَخَبِ، والضَجيج. يخلط أيضًا بيْن حياة تؤذنُ بالأفول، وموْتٍ آجلٍ، لا يأتي في الوقتِ المناسِبِ، في نسيجٍ لُغَويٍّ سرْديّ لا تخطئُ العين ما فيهِ من روْنقِ الشِعر، وما فيه، أيضًا، من مُقاربة تداوليَّة للساردِ، والمسْرود، وقد غلبت هذه الأجواء على روايته الثانية " قطف الزهرة البرية ".
وفي القصة القصيرة مؤشِّرٌ آخرُ، على وحدة ذلك التوَجُّه، فهو إلى جانبِ القوَّة الشعريّة في سرْدهِ الأقْصوصيِّ، يعتمدُ على مرْجعيّاتٍ ثقافيَّة، منها: الأسْطورة، ومنها اسْتدعاءُ النَموذج التاريخيّ شِبْه الأسْطوريّ، مثل: سبارتاكوس، وأبي ذر الغَفاريّ، وقيس بن الملوح، وسندباد، والملك المنذر بن ماءِ السَماء، وغيره. وهو في ذلكَ رائدٌ تأثرَ به كثيرون مثلما قيل، لما تتمتَّعُ به قِصَصُه القصيرةُ في " أحزان كثيرة وثلاثة غزلان "، و "مكانٌ أمامَ البَحْر "، و "أمْس الغد "، وغيرها.. منْ مذاقٍ قصصيٍّ مُخْتلف يلفت النظر لما يتمتع به الكاتب الراحل من خيال رمزي يسعفه كثيرا على بناء القصة بناءً لا تعوزه الدهشة.
وفي المسْرح مؤشرٌ آخر لهذا التوجه، إذ تستأثرُ باهْتمامِهِ فكرةٌ متكرِّرةٌ في مُعْظم مسْرحيَّاته، ولا سيَّما " حكاية شهرزاد الأخيرة في الليلة الثانية بعد الألف "، و " ليلة دفن الممثلة جيم "، و مسرحية " رؤيةٌ أخيرةٌ "، و "زمَنُ سنْدريلا "، و" علْبَةُ بسكويت من أجل ماري أنطوانيت " و" صندوق الدنيا "، وغيرها.. أعْني إعادة النَظَر في التراث، والتاريخ، عربيًا كانَ، أمْ غيرَ عربيّ، فهْوَ لا يكتفي بمحاكاةِ الأسْطورة، أو اسْتدعاء النَموذَج، وإظهاره على خشبةِ المسْرحِ بالصورةِ المعروفة، المتداوَلة عنْه، وإنما يُشوّهُ هذا النَموذج في الغالب، ويُدخلُ على تلك الصُورَةِ تعديلاتٍ لا تُبقي من صورةِ النموذج الأصيل إلا القليلَ. فسَنْدريلا تظْهَرُ في مسرحيتهِ عجوزًا شمْطاءَ، عرْجاءَ، لا تستطيعُ أنْ تخلّصِ قدمَها من فردة  الحذاء، وكذا الأميرُ، وماري أنطوانيتْ تظهرُ في مسرحيته في مظْهَر الشحَّاذ الذي يتشهَّى الحصولَ على علْبة بَسْكويتْ صَغيَرة. وزرقاءُ اليمامة، تظهرُ في " رؤية أخيرة " بمظهر المعْشوقةِ التي تخْتلي بعاشِقٍ هو التبَّع اليمانيُّ، فتلاقي الموْتَ خنْقاً على أيدي اثنينِ منْ طَسَمٍ وجَديس، بسَبِبِ شبْهةٍ، لا أكثَرَ. وسِندبادُ، الذي نعْرفُهُ في ألف ليلة وليلة، بصورة الرحَّالة المغامِر، الوديع، الرقيق، يتجلَّى في مظْهرِ السُلْطان المتجبّر، المتَغَطْرس، الذي يجرِّدُ سيْفَهُ على أوِّل منْ بايعوه. وفي كلِّ هذهِ المسْرحيَّات يُحاولُ أبو حمدان أنْ يُسْقطَ التاريخَ القديمَ على الحاضِر المأزوم، والمتأزّم، وقد نجحَ في هذا نجاحًا دفَعَ بالرقابَةِ- في بعض الأحْيان- لمنْع عروضِ مسْرحيَّاته لأسْبابٍ سياسيَّة. 
 
*  ناقد وأكاديمي من الأردن.. ألقيت هذه الشهادة في الندوة التذكارية التي عقدت في مقر رابطة الكتاب الأردنيين في عمّان إحياء لذكراه الثالثة في 3/4 وكان جمال ابو حمدان توفي رحمه الله في 4/4/2015 .