جمالية التشييد الروائي في  رواية حسن بوفوس"الرقص على حبال المكر"

حميد ركاطة*

تميزت رواية " الرقص على حبال المكر"  للروائي المغربي حسن بوفوس باشتغالها على حبكة روائية متينة، اعتمد من خلالها على توظيف المونولوغ، والفلاش باك، والميتاسرد. كما أقام مجموعة من المقارنات وصرف العديد من المواقف الخاصة على لسان راوي الرواية، ناهيك عن تضمين تداعيات حرة، وفضاء الحلم كخلفية أحيانا لمنح مواقف شخوص عمله  دلالة رمزية. وقدم الراوي نتفا عن بعض الامكنة التي تم توظيفها في تشييد عالمه الروائي، كمقهى الحافة، ومدينة طنجة، وسوق الداخل، وميناء طنجة.. فإلى أي حد توفق الروائي حسن بوفوس في تشييد عوالمه الروائية ، وبأية خلفية إبداعية وفنية كتبت؟

 
I. العتبات النصية للرواية
" يعتبر جيرار جينيت " عتبات " النص محطة رئيسية لكل عمل يسعى إلى فك شفرات خطاب عتبات النص. فقد ضم الكتاب بين دفتيه بحث كثير من اشكال هذه النصوص/ العتبات: بيانات النشر، العناوين، الاهداءات، التوقيعات، المقدمات، الملاحظات.. وغيرها. وتكمن أهميتها في كون قراءة المتن تصير مشروطة بقراءة هذه النصوص، فكما أننا لا نلج فناء الدار قبل المرور بعتباتها فكذلك لا يمكننا الدخول في عالم المتن قبل المرور بعتباته، لأنها تقوم بين ما تقوم به، بدور الوشاية والبوح. 
•    العتبات الداخلية
 •    الاهداء
على غرار كتاب رواية مغاربة وعرب , قدم الروائي حين بوفوس رواية باهداء عبارة عن قصيدة شعرية بدون عنوان مذيلة بزمن ومكان محددين" طنجة12/12/2017   
•    تقديم الرواية
تحتوي الرواية على تقديم كتبه الاديب محمد البغوري ، 
     وأكد فيه على الميثاق التعاقدي للرواية، كما أثنى على حبكتها الفنية والجمالية. " 
     رواية لا تخلو من قيمة أدبية وفنية وتاريخية، تنضاف لكورال الرواية المغربية" مؤرخ بتاريخ مساء الاثنين 19 فبراير 2018 برياض السلام.  و" تتمتع بأهمية قصوى ضمن خطاب العتبات لاعتبارات شتى منها ما يرتبط بشكلها، ومنها ما يرتبط ببنائها ومنها ما يرتبط بوظيفتها...فالمقدمة عبارة عن تعاقد ضمني أو صريح بين المؤلف وقارئه"  
•    العتبات الخاصة بكل فصل
     تحتوي الرواية على 152 صفحة موزعة على أربعة عشر فصلا يحتوي كل منها على عنوان خاص.:
     رحلة العودة إلى طنجة/ أحلام اليقظة/ مصاحبة الأشرار/ الورطة/ بين العشاق/ البحث عن الهوية/ مشهد شاعري/ حفل زفاف/ لحظة شرود/ ابتلاء/ دفئ المنزل/ تخيلات/ نوايا اجرامية/ نهاية مأساوية.
      انتهت الرواية بقصيدة شعرية موقعه هذه المرة باسم أحد شخوص الرواية" عبد الله" ذيلت بتاريخ كتابتها صيف 1983، كما تمت الاشارة إلى تاريخ مراجعتها بتاريخ شتاء 2018 وهو ما يكشف عن المدة الزمنية الطويلة 35 سنة.
•    المصاحبات النصية
     تضمنت الرواية مجموعة من المصاحبات النصية قبل بداية كل فصل، وعددها أربعة عشر نصا قصيرا تميزت بطابعها التأملي، ومؤشرة على وقائع قادمة من أحداث الرواية، وكلها من إبداع الكاتب. وقد دفعنا هذا الأمر إلى طرح مجموعة من الاسئلة من قبيل: 
      ما الفائدة من هذه المصاحبات النصية التي تلعب دور الموجه؟ ألا يمكن أن تتسبب في قتل لذة التلقي؟  وبالتالي ما الجدوى من اعتماد أربعة عشرة في عمل روائي لا يتعدى عدد صفحاته 152 صفحة؟
     يشير د. حميد لحمداني أن" الهدف من الواقع الذي يعاد انتاجه هو الاشارة إلى " واقع " يتجاوز ذاته، بينما يحفر الخيالي لاتخاذ شكل من الأشكال وفي كلتا الحالتين يكون هناك تجاوز للحدود، أي أن تحديد الواقع يتم تجاوزه، وفي نفس الوقت ينظم شتات الخيالي فتصاغ في شكل ما أحداث الرواية"  وتدور أحداث هذا العمل الروائي داخل مدينة طنجة، وبمحيطها الجغرافي. وتكشف تفاصيله عن حياة رجل تعليم يدعى عبد الله تعلق قلبه ببائعة هوى تسمى عائشة كانت تعمل ساقية بإحدى حانات مدينة فاس. وهي المدينة التي كان يعمل فيها. فقرر ذات عطلة الذهاب لزيارة والديه بمدينة طنجة. غير أنه بعد وصوله بأيام قليلة سيتوصل برسالة من صديقته عائشة، تخبره فيها بمقدمها إلى طنجة. في وقت بدأ فيه البطل عبد الله برسم معالم حياة جديدة بعد تعرفه على فتاة تدعى" نادية" وقرر الزواج بها.
      وصول عائشة كان مصحوبا بمفاجأة أخرى، وهي إخباره من طرف صديقته بمقدم شخص عبد المالك، الذي كان يتكفل بالحماية الشخصية لعائشة في بداية مشوارها الاحترافي غير أنها كانت تعاني من ابتزازه المالي والجنسي.
     بعد مساعدة عبد الله لعائشة على الاستقرار المؤقت بأحد فنادق طنجة، بدأت تبرزتفاصيل حياة جديدة توزعت خلالها مشاعره بين التفكير في الابتعادعن عائشة، وتكريس حياته الخاصة لنادية كزوجة مستقبلية. وستضطر  الظروف  المالية البطل عبد الله إلى قبول  عرض عبد المالك الذي جاء خصيصا إلى طنجة للقيام بعملية تهريب للمخذرات بمساعدة صديقيه عبد االجليل، وخوسيه، وبتدبير من مالك مقهى. وهي العملية التي سيتورط فيها عبداليتبع. . وهي العملية التي سيتورط فيها عبدالله بإيعاز من عائشة. وبنجاح العملية تمكن عبد الله من توفير مبلغ مالي لإقامة عرسه مع نادية. عرس لم يمر دون ابتزاز من صديقته عائشة خلف بينهما صراعا انتهى بإذعانه لشروطها القاسية والمثمثلة في أن يخصص لها مبلغا ماليا من راتبه الشهري، مقابل أن تتركه يحيا حياة طبيعية مع زوجته، واسرته. فكر عبد الله للتخطيط لقتل عائشة، وتراجع في النهاية مقررا الاستسلام. في الوقت الذي كان عبد المالك يفكر هو الاخر  في التخلص من عائشة. فذهب إلى بيتها ذات ليلة. وبوصول عبد الله إلى الحي الذي تسكن فيه عائشة وجده محاصرا برجال الشرطة، فبرزت له عائشة مقيدة بالأصفاد وهي مقادة من طرف رجال البوليس نحو العربة وهي في حالة مزرية. لحظات بعد هذا المشهد برز رجال المطافئ يحملون جثة رجل لم يكن سوى صديقها عبد المالك، لتنتهي الرواية على أيقاع رقص دامي، خلص البطل من كل المضايقات والشرور. يشير لحمداني الى :" إن الواقعية المطلوبة في الفن الروائي ، ليست تلك التي تشعرنا بالأمان، فعندما تطل علينا اللحظة السعيدة من خلال عدد من الروايات المغربية ( ..) نشعر بان الزمن قد تحجر في نقطة مطلقة ، عندئد ينتفي الاحساس بالواقع لأن خصائص الواقع الانساني أنه دائم التغيير " .

II. صورة المكان

باستثناء الأحداث التي تم بناؤها داخل عربة القطار القادم من فاس نحو طنجة، شيد الروائي حسن بوفوس عوالمه التخييلية داخل مدينة طنجة ومحيطها. لعل الأهمية القصوى للفضاء تكمن في كونه يشكل إطارا لحركات وأفعال الشخصيات ومن ثم يحقق للنص ظلاله الواقعية والرمزية ، وحين يتشكل النص في بعض جوانبه من أمكنة واقعية، تملك وجودها المادي والتاريخي والاجتماعي خارج النص، يصبح معبرا عن ايديولوجات الطبقات الاجتماعية وصراعها ومدى اختلافاها التي تتمظهر بدءا من الفضاء المكاني وأشيائه ".  وأول إشارة نعثر عليها كانت بمحطة القطار، ثم بفضاء أحد المقاهي التي جلس فيها منتظرا وصول صديقته عائشة. يقول الراوي:" أربدت "القهوة" بالأدخنة المتباينة الروائح، وحين رأى في ركن من الأركان أطفالا لم تتجاوز أعمارهم العاشرة يتلمسون بين المقاعد وتحتها الأعقاب المرمية، أنحبست مشاعره الطليقة، فأضحى يحس بداخله فراغا شاسعا" . كما تمت الاشار ة إلى غرفة الفندق:" الغرفة رخيصة الثمن لساكن يمكث بها شهرا كاملا.. أعجب عبد الله بموقع الغرفة، إذ أنها تشرف على روضة مبتهجة كثيرة الورود والزهور" . كما ثم وصف مقهى الحافة ورواده، يقول الراوي:" كانت "القهوة" ملأى بالادخنة إلى حد أنها تضببت، فأصبح من الصعب التمييز بين الوجوه القابعة في أركانها، وجوه مخيفة تطفح بالمكر والخداع". في حين تمت الاشارة إلى طنجة عندما قدم الراوي مقتطفا من تاريخها جاء في سياق مقارنة بين زمنين:" كانت طنجة آنذاك دولية ينعكس عليها ما وصلت إليه قيم الحضارة الأوروبية من تقدم علمي. الآن خطا العالم خطوات وئيدة وقفز قفزات مدهشة، ولم تخط " قهوة" الحافة إلى الامام قيد أنملة" . كما تمت الاشارة إلى سوق الداخل يقول الراوي:" كان يتردد على الساحة المربعة بسوق الداخل حيث يطمئن في أزقته إلى عالم الصناع التقليدين وهم يلعبون النرد، أو يتحلقون حول شيخ هرم وينصتون". كما تم تقديم وصف بانورامي لساحل المدينة ليلا" انتشر الظلام الدامس، فامتزج سواده بسواد البحر...منظر جميل لا تراه العين المجردة، إلا إذا استضاء في احدى الجهات. في حين ينكشف منظر الساحل نهارا. ما أحلى زرقة البحر بعد الظهيرة.. أمواج البحر تركن إلى نوم خفيف.. زرقة السماء لا يشوبها بياض السحب. ميناء المدينة كلت حركته... أخير ابيض الكون بالحياة".

   كما حظيت أزقة المدينة القديمة بإشارة داخل المتن الروائي:" راق عبد الله مشهد الأنوار المختلفة التي تضيء الأحياء القديمة. الآن لا تفصله عن المسكن إلا بضع منعطفات وبعض الأزقة الضيقة بدار البارود". كما تم وصف الحي الذي تقطن به عائشة:" ثم أطلق لخطاه زمامها، تقتحم الطرقات أو تنعطف مع المنعرجات. لما وصل الحي الذي تقطن به عائشة بهر، إذ رأى حشدا من الناس يحيط بسيارة الأمن"." اتساع الفضاء بالأمكنة يشبه اتساع النص فيها، ومن هنا تنشأ الصلة بين الفضاء المكاني والنص الحكائي، ذلك أن " كل نص فضاء " وبهذا المعنى فإننا حينما نبحث عن تجليات الفضاء في النصوص الأدبية نعثر عليها حاضرة بشكل من الأشكال، إما مضمنة أو موصوفة أو معروضة كما لو كانت مولدا للكتابة ذاتها " 

III. التداعيات الحرة 

1. المقارنات داخل المتن الروائي
    كشفت الرواية عن مجموعة من التداعيات الحرة التي منها ما جاء ضمن سياق معين، ومنها ما تم اعتماده لتبرير بعض المواقف أو لتعضيد أخرى. حول المال مثلا:" من أجل المال تباع وتشترى الأحاسيس، انتحار مقصود أم غير مقصود؟ أطفال ورجال ونساء يقتادون كالنعام العجماء طوعا وببرودة إلى قبورهم". كما يقارن بين جوهر الانسان ومظهره" أن باطن الإنسان شيء وظاهره شيء آخر.. إنه كائن يفرض وجوده على الواقع، ومن حيث أنه ملك له وللآخرين". 
   انها تداعيات امتازت بقوتها وصدقها العميق وهي تنحاز إلى الانتصار لإنسانية الإنسان وللجانب الخير من شخصيته:" إن الامواج الخافتة المتلاطمة، ليست إلا صدى لعويل النادبات.. لا يبكي المذنبون جراء لما اقترفوه من آثام. الدموع ليست إلا أمطار الرحمة لخريف الحياة". وكذلك مناقشة مفارقات الحياة والموت، والعدم:" أما الانسان فبإرادته يضع حدا لحياته. وماذا بعد الموت؟ أتستسلم لنداءات العدم ومغرياته؟ وما هو العدم؟ أهو وجود من نوع مختلف للوجود المتعارف عليه؟".كما يكشف الراوي عن سحر الحب وخوارقه." الحب يصنع الخوارق والمعجزات". ثم بعد ذلك يقيم مجموعة من المقارنات بين الحب والمعجزة:" فإذا كانت المعجزة تتجسد في الأحداث التي تعدل عن المعروف والمألوف، فكذلك الحب... وحرية الانسان رهينة بمقدار".
الميتاسرد
     تقول جاكلين ريسي: " لا توجد (الكتابة) إلا حيثما يصبح مجموع " الانا " لعبة " وبالتالي، فإن فعل الكتابة لا يتم إلا بواسطة الاستيهامات والايديولوجيا في كل مكان." 
    لقد نوع الكاتب حسن بوفوس من أدوات اشتغاله داخل المتن الروائي، باعتماد تقنيات عديدة كالميتاسرد، باعتماد حكي داخل الحكي، أثناء سرد والد البطل الحاج عبد الجليل لابنه عبد الله قصة عن الصدق والوفاء:" وفي صدد حديثهم عن موضوع الصداقة والوفاء، إنزوى إلى ناحية ليروي له قصة". و" حين اجتمعوا حوله وأثناء ممازحتهم أسر لهم فجأة: " لقد جمعتكم هذه الليلة، لاسترشد كم في مشكلة لم أجد منها مخرجا، فلابد من أن تملوا علي حلا: لقد قتلت إنسانا حاول السطو علي ليلا".

· توظيف المونولوغ

وقد برز من خلال ثلاثة مواقف، من خلال نظرة البطل عبد الله لأم الفتاة الصغيرة داخل عربة القطار:" لولا أنفها المعقوف.. شعرها الآشقر المغلف بمنديل جذاب، لكن جمالها لا يروقني.. إنها مثل أمة من الاماء.. مرة.. احترم الآخرين يا حمار.. ياحيوان.. وتصلي". وكذلك عندما كان يتحاور مع والده، فكان يغوص في صمت وسهو عميقين يقول الراوي:" لكن أوديب قتل أباه ونكح أمه.. اسطورة.. نعم.. أسطورة حقيقية، أم خيالية؟ نسبية أم مطلقة". وكذلك أثناء صراعه الداخلي لما قرر المشاركة في عملية تهريب المخدرات:" إني سأنتقم من مكر وتقلب المجتمع.. سأقبل. لي مصالح ملحة وظروف معقدة. سأقبل.. سأقبل".

تدخلات الراوي
    لمسنا كذلك أن تدخل الراوي كان يتم أحيانا بشكل مكشوف ليعمل على توجيه السرد، والتحكم في مسار الأحداث من الخلف في العديد من المقاطع وجاءت على شكل مبررات لانتقاد، أو تعليق على سلوك البطل عبد الله:" السرقة فضيلة بين اللصوص، والتمنع عنها شذوذ. يجب أن أقبل . إنها مسألة مبادئ". " لقد سلم حيا لأنياب ومخالب الشكوك والظنون". " كان عليه أن يرفض أو على الأقل يقبل متظاهرا بالرفض".

· توظيف الفلاش باك

وقد برزت هذه التقنية في الفصل الخامس من الرواية، حيث كشف الراوي عن طبيعة أسرة البطل عبد الله المحافظة:" كم يمنعه نشوؤه في البيئة المحافظة من أن يجتاز الأسوار العالية التي تفصل الحرام عن الحلال؟ ... مارس التسكع في أوقات مبكرة أدى إلى تقهقره في الدراسة.. غير أنه مع الكبر اتضح له وبوحي من نصائح متناثرة هنا وهناك، من أن استعمال المخدرات تفاهة وسفالة" و" كانت لبيئته المحافظة اليد الطولى في تقويم اعوجاجه. فهو يبجلها أكبر تبجيل."

على سرير التشريح النفسي

تقدم الشخصية من خلال ومضة أو جملة أو زاوية توحي بالخوف والعجز والانكسار.. ينطوي هذا التشخيص الفني الجديد المتمثل في عدم وضوح الشخصيات وعدم الاهتمام برسم أبعادها وعدم خضوعها لمبدأ أو لحكمة في سلوكها على رؤية جديدة للفعل البشري. فالسلوك الانساني موقف اجتماعي قابل للتعديل، والتغيير والهدف من هذا عدم الاهتمام بالأفراد، بل بالعلاقات بين الأفراد عكس الرواية الحديثة التي تأتي بالأحداث وتقيمها لتوضيح الشخصيات ورسم أبعادها." 

1) عبد الله:

بطل الرواية. يبرز كشخصية مغلوبة على أمرها ويعاني من مشاكل عديدة، اشتغل بالتعليم لمدة خمس سنوات وفكر في مغادرته، لأن راتبه لم يعد يكفيه أمام متطلباته الكثيرة، وبسبب المضايقات التي كان يتعرض لها:" الفشل.. المضايقات تتوالى عليه من الإدارة. من المكري، من المفتش، من العائلة المقيمة في الشمال."  ونظرا لضعف شخصيته فقد كان يتعرض للابتزازمن طرف صديقته عائشة باستمرار:" وجدت في عبد الله أمنيتها وبات بالنسبة لها بقرة تحلبها متى تشاء". كما برز رضوخه لأوامرها عندما بدأت فعلا في عملية ابتزازه بعدما أرسلت له رسائل تهديد، مقابل أن تتركه يعيش حياة هنيئة: «سأدفع لك مالا كما من قبل شرط أن تبتعدي عني (وافقت على مقترحه واشترطت عليه).. وايضا تخصص لي مبلغا شهريا ضئيلا بطبيعة الحال من راتبك". كما تمارس عليه تأثيرا بالغا." بين يديها.. يتحول إلى قط أليف  يهاب.. إذ ذاك تستفزه بسهولة الماء الذي يذيب الأرض الصلدة". تم استعمال عبد الله من طرف عبد المالك أثناء عملية التهريب، واعتبره:" الوقاء الحديدي، إذ لا يخفى أنهم (خوسي وجليل)، يدبرون خططا مضادة. إذن ، فلن يبقى لهم المجال لأي تآمر"

2) عائشة

تعمل عائشة ساقية في حانة، وتمارس البغاء:" امرأة في الخامسة والثلاثين من عمرها لها ماض مجهول". تبرز كامرأة تعيش تحت رحمة شخص عبد المالك الذي:" كان يضربها ويجامعها بعد أن يشبعها لطما وشتما وسبا وضربا بالحزام". وتبدو هذه الشخصية التي تربط علاقات جنسية عديدة أنها ألفت حياتها واقتنعت بدورها في الحياة:" مع الايام ألفت حياة الاستعباد كما استأنست بالذل والهوان".تبرز هذه المرأة بقبحها من خلال الصورة التي يقدمها بطل الرواية عنها:" وهي فاغرة فمها، لتفصح عن كلمة ما، فتبين أن بعض أسنانها سوداء متورمة، وأنه كان ينخدع ببياضها الظاهري". كما برزمكرها من خلال رسائل التهديد التي كانت تبعث بها لشخص عبد الله:" حقيقة أن تهديداتها أمست تنغص عليه حياته الرتيبة".إلى جانب هذا الوجه القوي تبرز عائشة كشخص مغلوب على أمره إلى درجة الهشاشة، والسارد يتحدث عن ابتزازها من طرف عبد المالك يقول:" قساوة عبد المالك دفعت بعائشة إلى التفكير في الانتحار"." كادت يوما أن ترتمي من الطابق الثاني للعمارة التي تسكنها".وستفكر في قتل عبد المالك:" مرارا طرحت على نفسها سؤالا.. لم لا تتخلص من عبد المالك عن طريق القتل؟" وفي الاخير تمكنت من القضاء عليه:" تبعها رجال الاسعاف حاملين شخصا غريبا ملطخا بالدماء.. لا يهم أن يثبت التحقيق براءة عائشة أو صحة تعمدها قتل عبد المالك"

3) عبد المالك

برز شخص عبد المالك كرجل قوي وجبار. انخرط في حماية شخص عائشة وهي التي اختارته:" من احتكاكها السابق بالحرفة.. فالزبناء الذين يرفضون أداء الثمن كثيرون، والذين يعتدون عليها لا عد لهم ولا حصر" .وفي المقابل كان يبتزها ويسلبها أموالها بالقوة:" إلا أن عبد المالك اغتصب منها نفس المبلغ ليرمي به في القمار وبين أرجل في القمار وبين أرجل العاهرات، كان يضربها، ويجامعها". إلا أن عبد المالك يبقى مالكها وبحضوره ينتفي وجود الأخرين. وسيبرز كيف أن عائشة ضاقت بسلوكة العنيف والمرضي:" لقد ضاقت ذرعا بسلوكه نحوها بل والابتزارز الذي ينهجه معها يخيرها بين الضرب أو إحضار النقود."

عبد المالك شخص: «ذائع الصيت. مرتزق من الدرجة الأولى، نصاب، سارق، عربيد، قمار.. إنسان مجبول على الشر".برز كرئيس لعصابة إجرامية قدم إلى مدينة طنجة من أجل القيام بعملية تهريب للمخدرات رفقة أفراد عصابته" خوسي وجليل، وحمو". وهو العقل المدبر بلا منازع،:"إذ مكنته مواهبه من أن يرتقي إلى منزلة التسيير والتدبير". في الاخير قرر عبد المالك التخلص من عائشة بقتلها غير أنها قتلته:" تبعها رجال الاسعاف حاملين شخصا غريبا ملطخا بالدماء. ميتا أو ربما مغمى عليه: إنه عبد المالك !"
4) نادية

برزت كشخص مسالم داخل الرواية تتمتع بجاذبية وبصفاء السريرة. تعلق بها عبد الله:" ينفلت قلبه وعقله أمام أنوثتها المفرطة، ودقات قلبه تشتد كلما انثالت عليه افكاره، وأحاسيسه المتأججة نحوها.. كلمها كلمته، همس لها، همست له، أحبها، أحبته، أسبوعا كاملا مر على تعارفهما." 

وتبرز نادية في عيني عبد الله كإنسانة:" عظيمة، قوية، ضعيفة، رائعة جدا، نار محرقة وماء   كالثلج."

5) حمو صاحب مقهى الحافة

برز حمو صاحب المقهى كشخص فظ وقاس جدا من خلال مواجهته للرجل الغريب" الاحمق:" اخرج وإلا قطعت لسانك." كما يبرز الراوي علاقته بعبد المالك باعتبارها علاقة:" متينة، إذ يعتبر عضوا في العصابة، يؤدي نفقاتها، كأن يأخذ أحيانا نصف القسمة، أو الثلث على حساب ما تمليه المهمة التي أداها". فحمو رجل له خبرة، محنك وعلى دراية بواقع رواده:" لا يقتصر علمه بالزبناء حين ترددهم على القهوة أياما تباعا. بل أيضا على الاحداث التي تقع لهم."

6) رواد مقهى 

تبرز من خلال الرواية الخلفية الإجرامية لرواد المقهى . وقد تمكن الراوي من تقديمهم بعجالة في مقطع تميز بالدقة والعمق" بعضهم بدد ثروثه في شرب الخمر، ومرافقة العاهرات، وآخر شنق زوجته بسبب تمردها. وثالث خطف مجربا من يد سائحة". " وجوه قابعة في أركانها. وجوه مخيفة تطفح بالمكر والخداع."

في حين برزت أدوار بقية الشخوص ثانوية (الحاج عبد الجليل، الحاج الروداني، جليل، خوسي، نادل المقهى، فاطمة أم البطل عبد الله)، وساهمت بقسط معين في بناء أحداث الرواية وتحولاتها العديدة.
على سبيل الختم

لقد تمكن الروائي المغربي حسن بوفوس من تشييد عمل روائي متقن الحبكة بتوظيف شخوص مألوفة داخل محيط مدينة طنجة. وكشف عن حيوات العديد من الأفراد ومعاناتهم من أجل الحصول على حياة سعيدة. رواية كشفت عن الانتصار للخير على الشر في النهاية ومن تحقيق نهاية سعيدة، لكنها في المقابل ظلت مفتوحة على تداعيات أخرى قد يكشف عنها التحقيق حول جريمة القتل في النهاية. هل فعلا انتصر الخير على الشر؟ أم أن حباله لا تزال تلف أعناق بقية الشخوص وتخالج نواياهم. هل انتهت اللعبة بموت عبد المالك، وسجن عائشة؟

حبال المكر لا تنتهي بكارتها ما دامت خيوطها تنسج في الخفاء كل وقت وحين.
(حسن بوفوس الرقص على حبال المكر رواية سليكي أخوين طنجة ط/1، 2018 ).
 
* ناقد من المغرب.