جدلية الترجمة والحِجاج الثقافي: علي الوردي وإشكالية سوسيولوجيا المعرفة

حيدر علي سلامة*

يعد مشروع عالم الاجتماع العراقي الراحل علي الوردي 1913-1995 واحداً من المشاريع السوسيولوجية المهمة والضرورية، سواءً في فهم وتحليل بنية الخطاب الاكاديمي العراقي؛ او الخطاب الثقافي عامة. وقد مثلت اطروحته لنيل درجة الدكتوراه من جامعة تكساس في عام 1954 قاعدة لهذا المشروع الطموح والرائد، حيث وضع فيها أهم أسسه وركائزه النظرية والمعرفية والمفاهيمية، التي جسدها البطل الاشكالي في بنية العلوم الاجتماعية والانسانية مؤسس علم العمران " ابن خلدون". وكادت أطروحة الوردي ان تبقى غير معروفة وغير متاحة للباحثين والمختصين والمهتمين بفكره، لولا صدور ترجمة استاذة العلوم الاجتماعية في جامعة بغداد د.ة لاهاي عبد الحسين لهذا السِفر المعرفي القيّم عن دار المدى لهذا العام 2018. 

والحديث عن اهمية ترجمة اطروحة الوردي الى لغة الضاد، ذو ابعاد عدة. فهو من جانب، سوف يوفر للباحث الاكاديمي، فرصة جديدة لمعاينة نظريات الوردي الاجتماعية في متنها الاصلي، وهذا بطبيعة الحال سوف يوفر امكانية  تاريخية جديدة للاطلاع على اهم اسس وركائر مفاهيم الوردي الاجتماعية من جهة؛ ونظرياته ومقارباته السوسيو- تاريخية والثقافية من جهة أخرى. وبطبيعة الحال، ان ترجمة مثل هذا العمل سوف تساهم في توفير طرق تفكير جديدة تساعد في اعادة نقد وتفكيك المتخيّل الاكاديمي/ والثقافي الراسخ في ذاكرتنا ومناهجنا ومؤلفاتنا، والذي عمل على مأسسة الكثير من مفاهيم ومقاربات وتصورات فكر العلّامة الوردي، مما انعكس سلبا على طرق كتابة الدراسات والبحوث التي جعلت من الوردي موضوعا للبحث والتنقيب الاجتماعي والسوسيو- سياسي. فقد غلب على معظم هذه الكتابات والبحوث الاكاديمية سيطرة النزعة الأحادية/والتبسيطية للغاية في تقديم وعرض مفاهيم وفكر الوردي. وبالطبع ، فإن هذه النزعة لا تنحصر في مرحلة محددة من تاريخ العلّامة الوردي، وانما هي مستمرة منذ المرحلة المبكرة المتمثلة بجيل الرواد الاوائل لعلم الاجتماع في العراق وحتى يومنا هذا.
والسؤال الذي ينبغي طرحه في هذا السياق: هل استطاعت د.ة لاهاي – وهي ممن تتلمذ على يد الوردي نفسه- ان تعيد اكتشاف فكر ه ومفاهيمه؟ هل نجحت في ان تحقق قطيعة اكاديمية مع متخيل العلوم الاجتماعية والانسانية التقليدية، من اجل تقديم ترجمة / وتأويلات جديدة لمجمل مفاهيم ومططلحات العلّامة الوردي؟ وما الجديد الذي جاءت به  في ترجمتها لاطروحة متفردة في تاريخ الاكاديمية العراقية خاصة والثقافة العراقية عامة؟
مفهوم التصرف: ضرورة ايديولوجية ام اكاديمية ؟
اهم ما يلفت النظر عند الاطلاع على ترجمة د.ة لاهاي، ورود هذه العبارة " ترجمة بتصرف". في الواقع، ان مفهوم "بتصرف" هو قبل كل شيء مفهوم اشكالي. وعليه، يجب على المترجمة ان توضح اولا ما هي الدواعي التي افضت بها الى اللجوء الى "التصرف بترجمة اطروحة بأكملها" ؟ وما هي المواضع المحددة التي تم التصرف فيها؟ وهذا ينطبق ايضا على بيان المفاهيم /المصطلحات / النظريات ...الخ. زد على ذلك، من المفترض ان المترجمة لا سيما وهي من المختصين في العلوم الاجتماعية، ان تعرض في المقدمة تحليل طبيعة ومعنى ووظيفة "التصرف بالترجمة" وآثارها المنعكسة على خطاب العلوم الانسانية عامة والاجتماعية خاصة؟ فمن المعروف انه من النادر جدا ان يلجأ المترجم الى التصرف في ترجمة النصوص الفكرية والاجتماعية والفلسفية، فما بالك بأطروحة دكتوراه ضخمة بحجم اطروحة علي الوردي التي تزيد عن خمسمائة صفحة من القطع الكبير باللغة الانجليزية!
وما يدعو للاستغراب، ان المترجمة لم تضع مقدمة تفصيلية/ وتحليلية /وتاريخية لهذا العمل المترجم للمرة الاولى الى اللغة العربية، لتشرح فيها وتوضح ملابسات الترجمة والاشكالات التي واجهتها، ومن ثمة، بيان الاسباب التي دعتها الى اللجوء الى التصرف بالترجمة. ولان هذا العمل، يُنقل الى اللغة العربية للمرة الاولى، فكان من باب اولى اذن ان يتم الحديث عن ظاهرة تأخر علماء الاجتماع في العراق عن ترجمة هذا العمل، وما هي الاسباب التي ادت الى ذلك؟ وحسب وصف المترجمة، أن هذا الاطروحة: "التي لم يخض الوردي فيها كثيرا وتركها مكتوبة بلغتها الاصلية - اللغة الانجليزية – ما انزل ستارا عليها. رأينا ان ننزله من خلال ترجمة موجزة ومركزة لما جاء فيها".علي الوردي، في علم اجتماع المعرفة، ترجمة، د. لاهاي عبد الحسين،ص،6 
لكن، إذا كان الهدف هو تقديم ترجمة "موجزة ومركزة"، فما المانع من ان تقدم المترجمة شرحاً تفصيلياً لطبيعة الايجاز وضرورات اللجوء اليه؟ وما هو المراد المقصود عند المترجمة من تعبيرات "الايجاز والتركيز" ليتم اختزال  اطروحة تتألف مما يزيد عن  500 صفحة في لغتها الاصلية، لتصبح اقلّ من 300 صفحة؟ وكيف يمكن للقارىء ان يفهم معنى الايجاز والتركيز هنا؟ وفي اي المواضع حصل التصرف تحديداً؟ وهل يُعقل ان يتم الايجاز في اكثر من 200 صفحة؟؟ ثم ألا تستحق اطروحة الوردي العلمية ان تُترجم بشكل كامل "احياء للارث العلمي للوردي" حسب تعبير المترجمة ؟..
والمدهش في الامر، ان المترجمة لم تستعمل اي مقابل لاتيني لأهم المصطلحات المترجمة في الاطروحة، وعند مطالعة الترجمة العربية من الغلاف الى الغلاف، لايمكن ان يصادفك اي مصطلح انجليزي/ اصلي للمصطلحات او النظريات او المدارس والمناهج الاجتماعية. اضف الى ذلك، ان الترجمة خلت تماماً من اي مسرد لاهم المصطلحات الاساسية، حتى يتمكن المتلقي من الوقوف على اصل المصطلح وخلفياته الفلسفية والفكرية! اعتقد ان هذه الملاحظات تمثل الف باء الترجمة والعمل الاكاديمي الذي يخضع للمعايير العلمية السليمة.
وبغياب حضور هذه الملاحظات، لم يتأسس مفهوم "التصرف في الترجمة" على الضرورة العلمية والاكاديمية، وانما تأسس على  بواعث ايديولوجية غير واضحة وغير مبررة تماماً.

 

 

في اسلوبيات الحِجاج السوسيو-ثقافي الاجتماعي 
يُعد مفهوم اسلوبيات الحجاج السوسيو – ثقافي واحدا من المفاهيم الاساسية الذي دشنه الوردي في اطروحته هذه. حيث يعتبر هذا المفهوم المدخل الابستمولوجي لمفاهيم " سوسيولوجيا المعرفة"؛ والمثالي/ والواقعي؛ وتاريخية المعرفة السوسيولوجية. وقد بحث الوردي في هذه القضايا على طوال صفحات الاطروحة متناً وهامشاً، سعيا منه لاعادة اختبار مفهوم "صلاحية المعرفة الثقافية" المتجسدة في مؤسسات الحقوق والعدالة الاجتماعية والدينية والفلسفية وماشابه. واذا ما توقفنا عند مفهوم "النموذج المثالي"- مفهوم يعود لعالم الاجتماع ماكس فيبر- يتبادر الى اذهاننا هذا السؤال، هل نجحت الترجمة العربية مع غلبة طابع "التصرف؛ والايجاز والتركيز" في ابراز المعنى المنهجي والتداولي لاستعمال هذا المفهوم في سياق اطروحة الوردي الاصلية؟ وهل استطاعت الترجمة العربية ايضا ان تبرز لنا الاستعمال الاشكالي- المنهجي لهذا المفهوم ليس فقط من حيث تطبيقه على الحياة الواقعية فحسب، بل على مفهوم علم الاجتماع بذاته كما اراد له الوردي؟..
عرضت المترجمة لهذا المفهوم بالقول: "بما ان العمل الحالي يتعامل بصورة رئيسه مع الفكر في ضوء المسلمات النظرية لعلم اجتماع المعرفة، فأن مفهوم ( النموذج المثالي)، او ما يسميه بيكر(النمطية المثالية) يبدو اداة ضرورية للدراسة. العقل الانساني على وجه العموم، ميال الى التفكر في سياق ثنائيات مثالية.". المصدر نفسه،ص، 30 وبالعودة الى نص الاطروحة الاصلي، سنجد ان الوردي لم يستعمل اصلاً باللغة الانجليزية ما يقابل تعبير المترجمة "المسلمات النظرية"، لان الوردي استخدم مفهوم سوسيولوجيا المعرفة بهدف نقد مفهوم "الصلاحية النهائية    ultimate validity" في التفكير الانساني، سواء كانت بشكل مبادئ او معايير او قواعد مطلقة مجسدة في المثل والممارسة. وبالطبع هذا كان احد اهم انشغالات سوسيولوجيا المعرفة، الذي جعلها تقف بالضد مما يدعى بـ"المسلمات النظرية"، ناهيك عن انها تقف كذلك على طرفي نقيض من الفكر المثالي /المتعالي. لهذا فإن الوردي لم يتعامل مع مفهوم سوسيولوجيا المعرفة بشكل حرفي او تقليدي، بل نجده ينتقل بهذا المفهوم الى : سوسيولوجيا المعرفة الحِجاجية التي تفكك صلاحية المعرفة الاجتماعية من خلال مواضعها المختلفة في بنية الثقافة التقليدية.
ومن جانب آخر، عندما انتقلت المترجمة الى المصطلح الآخر وهو مفهوم "النمطية البناءة"، نجد ان اطروحة الوردي بلغتها الاصلية ورد فيها هذا المصطلح على هذا الشكل  constructive typology. بالطبع ان موقع المصطلح في نص الوردي هو اشكالي في المقام الاول، وبالتالي، كان ينبغي ان لا يُترجم بطريقة حرفية بل هناك ضرورة تأويلية، وليس ضرورة طبيعية او وضعية او تجريبية. لا سيما وانه مصطلح يمثل مدخلا هاما لسوسيولوجيا المعرفة الاجتماعية والتاريخية، لهذا فإن معنى الطوبولوجيا هو: ((نظام يستعمل لوضع الاشياء في مجاميع بحسب مدى تشابهها: او دراسة كيف يمكن للأشياء ان يتم تقسيمها الى فئات مختلفة.)). https://www.merriam-webster.com/dictionary/typology
اما مصطلح constructive هنا، فأنه يشير الى ماهو نقدي؛ او يساعد على اختبار شيء ما. والسؤال هنا، بماذا يمكن ان يساعدنا هذا المدخل النقدي للاصطلاحات/والمفاهيم؟ انها وبكل اختصار تزودنا بالإرهاصات التأويلية النقدية الاولى في مشروع السوسيولوجيا التي سعى اليها الوردي، تلك السوسيولوجيا التي لم تقف عند حدود المعاني الحرفية للمصطلحات السوسيولوجية والفلسفية. بل على العكس من ذلك تماما، فمثلا ان تعامل الوردي مع مفهوم "النموذج المثالي" لم يتوقف عند الوصف التجريبي /الوضعي – كما هو سائد في تاريخ علم الاجتماع- بل انه تعامل مع هذا المفهوم باعتباره يمثل اداة منهجية لفهم وتحليل وتأويل الواقع الاجتماعي- ذلك لان مفهوم السوسيولوجيا عند الوردي هو تأويلي، وليس طبيعيا او وظيفيا او تجريبيا. وبالتالي، فأن سوسيولوجيا الوردي لايمكن ان تفهم فقط بوصفها ضد المثالية anti-idealism او ما بعدها، بل انها تمثل البدايات الاولى لاسلوبيات الحِجاج السوسيو- ثقافي، اي ما بعد التاريخانية الوضعية للعلوم الانسانية. 
هنا يمكن ان نلمح اشكالية طبعت معظم الكتابات /والترجمات التي تناولت سوسيولوجيا الوردي، في انها لم تميز جميعا المنهج النوعي الذي يعد مقدمة طبيعية لتشكيل الخطاب الحِجاجي/ السوسيولوجي لدى الوردي، وبين المنهج الكمي الذي يعتمد معايير تجريبية /وضعية /منطقية، تم اعتمادها في العلوم الاجتماعية خاصة والانسانية والثقافية عامة. لهذا، فإن كتابات الوردي تتجاوز النزعة الثقافوية/النخبوية  الضيقة؛ لتتحول الى تفكيك ونقد بنية التاريخ الثقافي بوصفه المنهج الجديد للفكر السوسيولوجي / وسوسيولوجيا المعرفة. وتجدر الاشارة هنا، ان مجمل هذه التحولات كان قد شهدها الوردي آنذاك، خاصة في السوسيولوجيا الأمريكية التي كانت تشهد مرحلة مخاض ابستمولوجي للتحول من سيطرة المناهج الامبريقية والمنطقية الاستاتيكية، الى مناهج التحليل الثقافي والحجاجي للظاهرة الاجتماعية، إذ إن مجمل هذه التحولات رافقت كتابة اطروحة الوردي لنيل درجة الدكتوراه من جامعة تكساس الاميركية في الخمسينيات من القرن الماضي، للمزيد يُنظر:Seymour martin lipset, Sociology, the progress of a decade, a collection of articles,1961.

 

 

جدلية الاسلوب وايديولوجيا التمثل والادراك
قد لانكون مبالغين اذا قلنا، ان القسم الثاني من اطروحة العلّامة علي الوردي بالنص الاصلي، يمثل الحجر الاساس لمعظم مقاربات وفرضيات ونظريات الوردي في سوسيولوجيا المعرفة؛ وفلسفة الادراك؛ وجينالوجيا تشكيل الفهم الانساني المحدد ضمن فضاءات وحتميات السلطة الاجتماعية والايديولوجية.
من هنا، فأن عملية فهم وتأويل وتحليل المفاهيم في اعلاه، ينبغي ان لا تنفصل ابدا عن عملية ترجمة مصنف الوردي الى العربية. والسؤال هنا، الى اي  مدى نجحت الترجمة العربية بعد صدورها، في اعادة اكتشاف هذه المفاهيم المعبرة عن تاريخ ازمة الكتابة والبحث والتحري في ادبيات وفكر العلامة الوردي؟
بطبيعة الحال، فإن ازمة الكتابة عن العلّامة علي الوردي، يمكن تقسيمها الى : ازمة في المنهج السوسيولوجي نفسه؛ وازمة في بنية العلوم الانسانية. والمتتبع بدقة عالية في مفاهيم الوردي في رسالته التي اتينا على ذكرها ، يلحظ كيف انه سعى جاهدا الى احتواء هذه الازمات، وذلك، من خلال "حزمة المفاهيم الجديدة" التي ادخلها من اجل تخليص العلوم الاجتماعية والانسانية من سيطرة النزعات الوضعية والميتافيزيقية والموضوعانية. وبالتالي، فإن المفاهيم التي سوف نتناولها، لا تعبر فقط عن الاطر النظرية/الحرفية للعلوم الاجتماعية، وانما تعكس ازمة العلوم الانسانية عامة وازمة الخطاب الثقافي خاصة.
في الفصل الثاني من الاطروحة بلغتها الاصلية، جاء الوردي على مفهوم اساسي وفي غاية الاهمية وهو ما نصطلح عليه بـ" اسلوبيات التفكير Thought-style . والمفهوم يعود الى عالم سوسيولوجيا المعرفة مانهايم، ونظرا لاهمية وراهنية المفهوم ارفده الوردي بهامش مطول لتوضيحه من الناحية المفاهيمية والاصطلاحية والسوسيولوجية فيقول فيه: "...بحسب مانهايم فإن هذا المصطلح يعني النموذج المتضمن/المضمر [بطرق غير طبيعية قد تكون نتيجة لسيطرة التمثلات التاريخية التقليدية والحتمية] في ذهنية الشخص حينما يفكر حول الموضوع. مانهايم، ايديولوجيا ويوتوبيا.ص.247 . ربما يعني ايضا هذا المفهوم -بحسب مانديلبوم- نظاما من المقولات المتشكل مع الشخص والعصرالثقافي...سعيا لفهم طبيعة العالم.......ان الاحكام المسبقة الضمنية او المقولاتية التي هي عبارة عن شكل للاحالة على الاطار اوالتصور  perspective   [هذا المفهوم اشكالي عند الوردي ولا يجوز ترجمته بتصرف او حرفية، فهو مرتبط بعملية تفكيك الوجود المثالي والوجود الواقعي؛ او مفارقات النزعة المثالية /والنزعة المادية التي انتهت بسيادة ذهنية الحجيرات /او الانفصام المعرفي والفصل النظري] الذي يمثل عقائد المفكرين للعالم المحيط بهم.)).[مابين الاقواس يعود لنا] Ali Husayn wardi, A sociological Analysis of ibn Khaldun s theory, A study in the sociology of knowledge 21.
من النص اعلاه، يبدو ان العلامة الوردي كان يحاول ان يعيد نقد تاريخ العلاقة الابستمولوجية والانطولوجية الشائك والمعقد، بين كل من :النزعة الموضوعانية objectivism  والنزعة التصورية او الادراكية perspectivism  ومفهوم اسلوبيات التفكير. فمن خلال هذه الاشكالية يمكننا ان نفهم رؤيته لمفهوم النسبية؛ ونقد المثالية؛ ومفهوم الواقعية؛ ومفهوم ميتافيزيقيا الحضور للمعرفة السوسيولوجية،...الخ. فكيف عرضت الترجمة العربية لهذه الاشكالات الفلسفية ؟ وكيف تعاملت مع هذه المفاهيم؟ هل تعاملت معها بطريقة تأويلية ام حرفية؟ وهل وفقت المترجمة المتخصصة اصلاً في العلوم الاجتماعية، في اعادة ربط هذه المفاهيم بالراهن السوسيو- ثقافي من جهة ؛ والسوسيو- اكاديمي من جهة اخرى؟ وهل تمكنت من "استنطاق المسكوت عنه" في بنية هذه المفاهيم، خاصة المتعلق منه في اكتشاف نظرية الوردي في: سوسيولوجية المعرفة العلمية؛ وسوسيولوجيا نظرية الثقافة؟
وبالعودة الى الترجمة العربية، نجد انه جرى ترجمة مصطلح اسلوبيات التفكير، بـ" طراز الفكر" الذي يشير الى: " النموذج الذي يحضر في بال الانسان لحظة يشرع بالتأمل في موضوع ما ". وقد تعنى بحسب مانديلبوم "نسق الفئات التي يرمي الانسان او العصر الى التقاط طبيعة العالم" د. لاهاي، علم اجتماع المعرفة، ص 35. 
وبالطبع ، من الناحية المنهجية والنظرية لا يمكن التأسيس على هذه الترجمة لانها غير علمية، لان النص في الاصل هو هامش وضعه الوردي لتوضيح مفهوم اسلوبيات التفكير. ولم تضع المترجمة اي اشارة الى ذلك،وقامت بدمج الهامش مع المتن، حتى فقدت مفاهيم ومصطلحات الوردي اهميتها وراهنيتها بالكامل مع الاسف الشديد.
من هنا، فان التأسيس يبقى قائما على نص الوردي الاصلي، فقد اراد ان يوضح لنا ان هناك تداخلاً ابستمولوجيا وادراكيا وتاريخيا بين مفهوم النزعة الادراكية واسلوبيات التفكير، بمعنى آخر، " ان النظام المعرفي او الادراكي عند الانسان يعتمد الى حد ما على مرتكز الوضع الاجتماعي الواقعي للطبقة او المجاميع التي ينتمي اليها. اسلوبيات التفكير، حسب مانهايم اصبحت تمثل نظام الفكر ، الذي يتألف من الروح الكلية للعصر الثقافي، و انظمة المفاهيم الذهنية للمجاميع الاجتماعية التي تدرج تحت مفهومها الايديولوجي .... الخلاصة، النزعة التصورية/ الادراكية تمثل الاطار الدلالي لاعتقادات شخص ما حول الموضوع، ماذا يتصور او يدرك شخص ما في هذه الاعتقادات، كيف يكونها ويركبها في فكره. فضلا عن ذلك، ان النزعة الادراكية ، هي شيء ما اكثر من الحتمية الشكلية للتفكير، انها تشير الى العناصر النوعية في البنية الذهنية.)). Peter C. Morly, the concept of the perspective in Karl Mannheim’s sociology of knowledge pp. 12-13
من هنا، فإن مفهوم النزعة الادراكية ومفهوم اسلوبيات التفكير، لايعبران عن " النموذج الذي يحضر في بال الانسان لحظة يشرع بالتأمل في موضوع ما -حسب المترجمة-". فلا مجال للتأملات في سوسيولوجيا الوردي، لانه يتكلم  هنا عن أثريات الايديولوجيا في بنية الوعي والادراك الانساني المتمثلة بسيطرة اسلوب واحدي في التفكير الانساني؛ وفي النزعة الادراكية والتمثل والتصور، وهذا هو معنى ان الايديولوجيا تمثل علم الافكار، اي، النظام المعياري للافكار، او التاريخ الطبيعي/ السلطوي لتشكيل الافكار. وهنا يجب ان نشير الى ان الوردي لم يؤسس مفاهيمه على "تاريخ الافكار الطبيعي/الوضعي": "ذلك لان هذا التاريخ يكشف عن ان المعرفة الصحيحة للطبيعة الانسانية تقود مفهوم الحقيقة النهائية /المطلقة الى اعادة تعريف " قوانين" الوجود الاجتماعي؛ فماهو طبيعي اذن هو اجتماعي بالضرورة". Ibid., p.20
 من هنا، فأن الوردي استبدل مفهوم "المجتمع الطبيعي" بمفهوم "المعرفة الاجتماعية". وبهذا يكون قد قطع مع "تاريخ الافكار " الذي يتعامل مع الافكار بذاتها، لينتقل الى تأويل "التاريخ الثقافي"، من اجل اعادة اكتشاف مفهوم "المعرفة الاجتماعية" المسيطر عليه من قبل العلوم الانسانية الوضعية، وفلسفات التاريخ المؤدلجة. 
 
*باحث من العراق متخصص في فلسفة الدراسات الثقافية/ وما بعدها.