ثيمة "الضّياع" في قصص  محمد الحفيضي "الأشياء الضّائعة" 

عبد الصادق السراوي*

يحتفي عنوان هذه المجموعة القصصية بثيمة جوهرية تؤثث كل نصوصها وهي ثيمة «الضّياع»؛ فبالرغم من كون العنوان مستوحى من عنوان قصة ضمن قصص المجموعة، فإنه يصلح أن يكون عنوانا لكل هذه النّصوص؛ حيث نجد صداها مترددا في كل قصة من هذه القصص الاثنتي عشرة.
وتأخذ ثيمة «الضّياع» في بعدها اللغوي معنى الفقد والتّلف والتّلاشي، لكنّ القاص هنا يُكسبها معانٍ أخرى أكثر دلالة وعمقا؛ إنه الضّياع بمعناه الفلسفي الذي يحدث في الذّات البشريّة سؤالا وجوديا جوهريّا، وهو سؤال البحث عن الذات، البحث عن جوهر الوجود، البحث عن القيّم المجرّدة كالسّعادة والحريّة والكمال والاستقرار الدّاخلي وغيرها من القيّم التي يضيع الإنسان ويتلاشى وراء البحث عنها.
وباعتبار الضّياع ثيمة ملازمة للإنسان -كما تكشف عن ذلك البنية العميقة لنصوص هذه المجموعة- فإننا نجد الضّياع سمة كل الشخوص التي تتمسرح عبر نصوصها؛ حيث تتخذ -أي تثمة الضّياع- في هذه النّصوص وجهين متلازمين: البحث عن شيء ضائع، والضّياع كوسيلة للبحث عمّا هو ضائع، فتترنّح الشّخصيات بين فقد واكتساب، واكتساب وفقد. ومنه تحاول هذه الورقة تتبع تمظهرات هذه الثيمة الكبرى وتجلياتها عبر بعض نصوص هذه المجموعة. 
في أول نص قصصي المعنون بـ"الرّجل والمرايا"، تبرز ثيمة الضّياع واضحة متجلية؛ حيث يظل بطل هذه القصة ضائعا في البحث عن شيء مفقود وهو "الحقيقة"، حقيقة أناه المفقودة التي تنعكس في المرايا. وتمثل المرايا في هذا النص الواقع المليء بالتناقضات والذي يبحث فيه البطل الضائع عن حقيقة "وجهه" في ظل واقع يتضمن وجوها متعددة، كما تعكس وجهه المتعدد المرايا التي أثث بها كل جدران بيته. يضيع البطل بحثا عن هذه "الحقيقة" في المرايا فلا يجدها، يعييه البحث ويؤرقه السؤال فيختفي حيث لم يعد يراه أحد.
في قصة "شقة على الورق" تطارد البطل، وهو رجل تعليم، مجموعة من الأسئلة نتيجة رتابة اليومي؛ يتقاعس عن الذهاب إلى العمل صباحا فيقصد مقهاه المعتاد ليجد نفسه ضائعا بين طلباته (طموحاته) التي لا تنتهي. يوقف وابل الأسئلة بالتفكير في شراء شقة، طموح أي موظف بسيط، فيضيع ثانية في تِعداد مزايا هذه الشقّة والتفكير في عمليّة تدبير ذلك. على ورقته التي يخطط فيه لطموحه، يعجز عن حصر مستلزمات هذه الشقّة ومزاياها، فيفشل تخطيطه بحكم راتبه الهزيل الذي لا يسمح له باقتناء شقة بالمزايا البسيطة التي أعدّها.
تجسِّد هذه القصة ضياع هذا الموظف البسيط الذي يمثل شريحة كبيرة من المجتمع، في ظل واقع اجتماعي تضيع فيه هذه الشّريحة للبحث عن سبل تحسين وضعيتهم الاجتماعية والاقتصادية الهشّة.
في قصة "الكلب الذي مثل دور الذئب"، يقدّم القاص على طريقة ابن المقفّع الكلب رمزا للوفاء والاستقامة، والذّئب رمزا للمكر والخديعة لتمثيل قيمتين متناقضتين. يجرّد القاص الذّئب من صفة المكر والخديعة ويلبِسَها الكلبَ ليحلّ محلّه، فيظهر الكلب بصورة الذّئب، يدخل الكلب عالم "الذّيابة" فتضيع منه صفة "الكلبيّة". بمجرّ ما ينتهي من لعب دوره الذّي كُلّف بأدائه متقمّصا دور الذّئب، ويعود إلى سيرته الأولى، يفقد قيَّمه النّبيلة التي تجذّرت فيه فيضيع جاريا وراء استرجاعها. وفي طريق رحلة بحثه يموت الكلبُ همّا وغمّا وكربة، ويترك كلّ ما توّج به من جوائز أثناء أداء دور الذّئب إلى أطفال العالم لعلّهم يغفرون له تضييعه لقيم الكلب وتشويهه لصورته. والكلب هنا رمز لكلّ إنسان يضيّع قيّمه ومبادئه ليتولّى مُهمّة لا توائمه.
في قصّة "التّائه"، يتيه البطل بحثا عن شخص ضائع، يستعين في البحث عنه بكلّ الوسائل، ويجوب كلّ الأمكنة. يضيع هو الآخر بين المستشفيات والمصحّات والمقاهي والحانات وخافر الشرطة والأزقة والشوارع دون جدوى. يستعين البطل بالصّحف والإذاعات في البحث عن الضائع الذي ترك حياته جوفاء بلا طعم. وفي نهاية القصّة يظهر الذي ضاع وهو "أنا" البطل التّي ضاعت منه بعدما خرجَت ولم تعد.
وفي قصة "الأشياء الضائعة"، تطفو ثيمة الضياع بشكل مُلفت، وهي أكثر القصص احتفاء بهذه الثيمة في بُعدها الوجودي؛ إذ ينحدر القاص إلى غياهب الذاكرة للبحث عن السّعادة والفرح والبساطة التي ضاعت في زمن البؤس والشؤم. وأمام الحسرة على هذه القيم الضائعة، يمرُض البطل بحمّى سؤال البحث، فيقف ضائعا للبحث عن قيّمه الضّائعة.
"كأنّي أسمعها تنادي"، قصّة تحتفي أيضا بالضّياع. ففي هذه القصّة التي يخاطب فيها القاصّ "أناهُ" الضّائعة وسط زحمة الحياة، يضيع هو أيضا للبحث عن شيء لا يعرفُه بالضّبط، وهو سؤال يؤرق الذّات الإنسانية كلّها حين تضيع منها "أناها". يبحث القاص ويضيع وراء سؤال البحث هذا عن هذا الشيء الذي لم يجده، قد يعتبرها القارئ "أنا" القاص. 
هكذا احتفى القاص بتثمة «الضّياع» بمعناها الفلسفي كما كشفنا عن ذلك من خلال بعض نصوص المجموعة، ويمكن التماس هذه الثيمة أيضا في بقيّة النصوص. وأمكننا القول إنّ القاص قد قدّم مجموعة من الأسئلة الوجودية التي تورق الّذات البشرية في البحث عن أجوبة لها، والتي يموت دوم أن يجد جوابا لها، كما يعالج بموازاة ذلك مجموعة من القضايا الإنسانية والاجتماعية والنفسية في قالب قصصي محكم يحتفي بلغة السّرد وبتقاليد القصّ، ويمكن للقارئ أن يغوص في البحث عن كثير من هذه القضايا الإنسانية في ثنايا هذه النّصوص القصصية الماتعة. 
 
* كاتب من المغرب.