ثالوث الإبداع والعلم والاقتصاد

Printer-friendly versionSend to friend
آن الصافي*
 
من أخبار هذا الشهر اكتوبر 2017: 
نال الأميركي ريتشارد ثالر جائزة نوبل في الاقتصاد لإسهاماته في مجال الاقتصاد السلوكي. ا وهذا الفرع من الاقتصاد  كان أول أول من عرّف به هو الإقتصادي الشهير آدم سميث حيث تناول في كتابه "نظرية المشاعر الأخلاقية" الذي نشر عام1759 حيث  عرض التعريف لهذا المفهوم من خلال تناوله تأثير العوامل النفسية على اتخاذ القرارات. ربما لاستصعاب استقراء السلوك الإنساني غير العقلاني تجنبه العلماء والباحثون منذ ذلك الحين وإلى العام 1929، حين حدث الكساد العظيم  في اميركا عاد الباحثون وعلماء الإقتصاد لدراسة تأثير العوامل الإنسانية لحدوث هذا الكساد. هنا نلمس أثر التوجهات الحقيقة نحو ربط علم النفس والإجتماع والإقتصاد ،وتسخير ذلك لخدمة البشرية عبر الدراسات والأبحاث ومواكبة معطيات العصر الحديث وتأثيرها على قناعات وقرارات الفرد مما يؤثر على الإقتصاد . 
من ناحية أخرى، ذهبت نوبل للفيزياء لهذا العام 2017 ، لرينير ويس وكيب ثورن وباري باريش تكريما لبحوثهم حول موجات الجاذبية، وهي نتيجة أساسية للنظرية العامة للنسبية لألبرت أينشتاين الذي تنبأ قبل مئة عام من الآن بتلك الموجات، والتي تنتج عن الظواهر الضخمة مثل اندماج الثقوب السوداء، إلا أن أينشتاين نفسه اعتقد أن أثرها قد يكون ضئيلا للغاية، بدرجة لا تتمكن معها التكنولوجيا من تسجيلها. إلا أن العلماء الثلاثة الفائزين قادوا  عملية تطوير نظام تقني قائم على الليزر، يمكنه الوصول إلى الحساسية المطلوبة لتسجيل أثر تلك الموجات في مراصد ليغو- فيرغو، وهي مجموعة مراصد علمية أميركية أوربية، يرجع لها الفضل في تحقيق هذا الإنجاز العلمي. جدير بالذكر، أن موجات الجاذبية هذه  تصف تمدد وانضغاط "الزمكان"، الذي يحدث حينما تتسارع الأجسام الضخمة، و"الزمكان" مصطلح حديث في الفيزياء، يجمع بين كلمتي الزمان والمكان للتعبير عن الفضاء الرباعي الأبعاد، الذي تحدثت عنه النظرية النسبية لأينشتاين. هذا الفوز يمهد لخطوات علمية جديدة في إنتظار البشرية وفي حقول عدة سنجد آثار تطبيقات محورها موجات الجاذبية المرصودة هذه، ودراسات الزمكان المرادفة.
 ومن المعلوم أن الصناعة  مرت حتى الآن بأربعة أطوار:الثورة الصناعية الأولى، 1784 باختراع الآلة التي تعمل بالطاقة البخارية في التصنيع والتنقل.  الثورة الصناعية الثانية  1870 حيث بدء استخدام الطاقة الكربائية التي أحدثت بكل تأكيد تغيرات تتعلق بأداء الأعمال وحياة الفرد والمجتمع. الثورة الصناعية الثالثة 1969 حيث اختراع الحاسوب ومن ثم بدء التواصل عبر الإنترنت واستخدام  ودخول الحواسيب في التصنيع والاتصالات والتعليم .بعد ذلك أتت الثورة الصناعية الرابعة وهي المرحلة التي بدأت مؤخرا، حيث ظهرت تقنيات الذكاء الاصطناعي  الروبوتات ، وتعليم الآلات ، تقنية النانو ، التحكم في الجينات ، تطبيق الطباعة الثلاثية الابعاد في الصناعة والإنتاج و التقنية الحيوية. كل ذلك يصب في خدمة الإنسان في مجالات عدة منها الطب والعلاج والإتصالات.  
من ناحية أخرى صنف الخبراء والمصنعون لتقنية الربوتات  الحاسوب(إن جاز التعبير :على هيئة الإنسان) إلى أربعة أجيال :الجيل الأول تتميز هذه الآلات  بخانات عقلية تدخل إليها البيانات وتقوم بحفظها وليست قادرة هذه العقلية على التعلم، بينما الجيل الثاني من الروبوت سيتوفر على ذكاء  يماثل تقريبا ذكاء الفأر وربما تنتج في 2020 . بينما الجيل الثالث من الرجال الآليين سيكون لديهم مقدار من الذكاء  يضاهي ذكاء القرد. والجيل الرابع المتوقع للإنسان الالي والروبوتات سيتوافق مع الذكاء البشري  على أن يتوفر بين عامي 2040 - 2050. 
كما أعلن في مطلع سبتمبر2017 بأنه خلال السنوات العشر  المقبلة (2017-2027) سيتوفر المعلم الآلي.  معلم على هيئة إنسان آلي وسيحل محل المعلم أمام الطالب (التعليم الفردي، أي طالب واحد ومعلم واحد)  وقد أجريت تجارب ورصدت فعالية هذه التقنية التعلمية والتي كما وصفت الدراسة بأنها  مثمرة وبناءة.
بإحلال الآلة محل الإنسان في العمل تبرز الجدوى الإقتصادية لأصحاب الأعمال كما يتمنون وأكثر. حيث أن الآلة تعمل بلا كلل ولساعات متواصلة وتتميز في أدائها بالدقة مع التقليل من نسب الأخطاء التي قد يرتكبها الإنسان. ولهذه الآلات  قدرة على صيانة أعطابها بنفسها عبر البرمجة الدقيقة. 
هناك مصطلح يجري تداوله مؤخراً وهو القوة الناعمة ،ويقصد به التأثير ثم التغيير في شتى الحقول الإنسانية وإن كان ذلك ببطء.  هذا المفهوم  أو المصطلح صاغه جوزيف ناي من جامعة هارفارد لوصف القدرة على الجذب والضم دون إكراه أو استخدام القوة كوسيلة للاقناع.  وقد تم استخدام المصطلح للتأثير على الرأي الاجتماعي والعام، وتغييره من خلال قنوات أقل شفافية نسبياً والضغط من خلال المنظمات السياسية وغير السياسية. إذ قال جوزيف ناي أنه مع القوة الناعمة " أفضل الدعايات ليست دعاية"، موضحاً أنه وفي عصر المعلومات، تعد "المصداقية أندر الموارد". تعني القوة الناعمة أن يكون للدولة قوة روحية ومعنوية من خلال ما تجسده من أفكار ومبادئ وأخلاق، ومن خلال الدعم في مجالات حقوق الإنسان والبنية التحتية والثقافة والفن، مما يؤدي بالآخرين إلى احترام هذا الأسلوب والإعجاب به ثم اتباع مصادره. 
مع معطيات العصر الراهن من أدوات تقنية ووسائل تواصل وإعلام فقد أدرجت بعض الدول  الإقتصاد المعرفي والإبداعي ضمن مخططاتها الإستراجية عبر إنشاء الصروح والفعاليات الثقافية، الفنية والأدبية والرياضية والتشجيع على الإبتكار والتطوير. لتتصدر أخبار المسابقات والجوائز والمهرجانات والمؤتمرات والمعارض والاحتفالات خارطة الفعاليات التي تهدف في مجملها  إلى ضخ الإستثمارات في هذا الإتجاه  لمواكبة العصر واستغلال كل الفرص المتاحة عبر تنشيط الحقول الثقافية والسياحية مما قد يحقق تغيرات جديدة في توجهات المجتمعات والمؤسسات العامة  والخاصة.  
مما يلاحظ أن التميز والإبتكار  يتطلب سعة إطلاع على العلوم الإنسانية، جنبا الى جنب مع التخصص ولكن ليس  من المصادفة أن نجد علم النفس والإجتماع يشتركان في صياغة نظريات الإقتصاد، وتقديم تحليلات ودراسات غاية في الأهمية ،ونحن في حقبة زمانية متسارعة في كل تغيراتها وإنجازاتها، ويلزم أدوات وطرق جديدة للإلمام بفهم وتحليل وتفسير ما جد على عوالمنا وعلى مساراتنا. الثورة الصناعية الرابعة قدمت نموذجاً مبتكراً مثل الآلة التي تنافس الإنسان وبدأت تحل محله في مهام ما كانت لغيره، وكيف  تطورت هذه الآلة  وأصبحت تخطو نحو الغد، كل ذلك في منظومة أجيال تكتسب مقدرة ومهارة الذكاء وبشكل متطور. بكل تأكيد فإنه  لولا تضافر العلوم ومتابعة العلماء لأبحاثهم ودراساتهم في شتى الحقول وتواصلهم لتحقيق أهدافهم، لما تمكنوا من اثبات نظرية موجات الجاذبية في معامل اليوم ولظلت   فقط فكرة ضمن نظرية دوّنها آينشتين قبل مئة عام.
 قدّمت العقليات الإبداعية المبتكرة التي تتسم بالعبقرية نماذج نقشت  اسماء  كثيرة خالدة بمنجزاتها وقد  سبقت عصرها مثل:ابن النفيس العالم موسوعي الذي برع في الطب والصيدلة والفلسفة والفلك والحساب والطبيعة، كما عرفنا ليناردو دافنشي رساماً، مهندساً، عالم نبات، عالم خرائط، جيولوجياً، موسيقياً، نحاتاً، معمارياً وعالماً. 
في مطلع القرن العشرين بدأت أصوات تنادي بالمزيد من التخصص، ومع ذلك برزت نماذج عقليات مشتملة على  عدة مهارات تنتج ما هو جدير بالوقوف عنده ورصد فوائده لمسيرة البشرية، من خلال عمل فردي أو جهود عقول تعمل بتكاملية نحو أهداف علمية خلاقة . 
إن لثالوث الإبداع والعلم والإقتصاد طاقات محركة نحو التغيير بيسر وسلام ، أضا تم إدراك  آلية عمل القوى الناعمة بكل وجوهها وتسخيرها بالشكل الرسمي والأهلي من خلال تفعيل مراكز العلم والإبداع بإقليمنا، لنشهد نقلة نوعية وحقيقية في خارطة الواقع وكما نتمنى. 
لا بد من التذكير أن أكثر من 60% من سكان اقليمنا من الفئة العمرية لأقل من 25 عاماً،  وهؤلاء يتمتعون عقليات تختلف عمن سبقهم، فقد  أتوا لعصر هم نواته، ولهم حق  الإسهام في التخطيط لحاضره ومستقبله وكذلك قيادته. لن يجدي إنكار هذه الحقيقة، وذلك حتى لا يفقد افراد الجيل الجديد مسارهم، ولمنفعتهم ولخير مجتمعاتهم ينبغي إشراكهم في صناعة القرار والأخذ برؤاهم. ومما يسهل من عملية تسخير هذه الطاقات إيماناً بجدواها، اتاحة الفرص الملائمة  لهامعبر التشجيع والمتابعة والدعم المستمر. على سبيل المثال، توفير وتبني مراكز الأبحاث والمختبرات في شتى العلوم الإنسانية ،واتاحة الحرية في طرح الأفكار الرائدة ونقدها بموضوعية مما   يعود بالنفع على حياة الفرد وعلى مسار الحضارة التي تليق بما ورثناه من كنوز، وما أتيح لنا في الوقت الراهن من علوم ومعرفة  لشق  الطريق نحو غد أفضل. 
 
أبوظبي - 17 اكتوبر 2017
 
المراجع والمصادر 
التعريفات بالعربية :ويكبيديا، بتصرف.
 
المعلومات:
الأميركي ريتشارد ثالر يفوز بجائزة نوبل في الاقتصاد لإسهاماته في مجال الاقتصاد السلوكي،10 أكتوبر/ تشرين الأول 2017 . موقع BBC العربية: (http://www.bbc.com/arabic/business-41552317 )
جائزة نوبل للفيزياء 2017 تمنح لمجموعة علماء أمريكيين لبحوثهم حول موجات الجاذبية، فرانس 24/أ ف ب نشرت في: 03/10/2017.
The machines will react to children's brain waves and facial expressions CREDIT: TELEGRAPH, Henry Bodkin, 11 SEPTEMBER 2017.  (http://www.telegraph.co.uk/science/2017/09/11/inspirational-robots-begin...)
Rise of the Robots--The Future of Artificial Intelligence, By 2050 robot "brains" based on computers that execute 100 trillion instructions per second will start rivaling human intelligence, By Hans Moravec on March 23, 2009 (https://www.scientificamerican.com/article/rise-of-the-robots/ )
Super-smart robots will outnumber humans by FOUR BILLION within three decades, Softbank CEO says, By Reuters and Harry Pettit For Mailonline, PUBLISHED: 12:25 BST, 27 February 2017 | UPDATED: 15:31 BST, 27 February 2017 (http://www.dailymail.co.uk/sciencetech/article-4263944/Softbank-expects-... )
For further info on Behavioral Economics visit: https://www.behavioraleconomics.com/  Also refer to The Behavioral Economics Guide 2017 (ISSN 2398 -2020), Editor : Alain Samson, Introduction: Cass Sunstein, 
 
* كاتبة من السودان مقيمة في دولة الإمارات.