تحية إلى خيري منصور

محمود الريماوي

 
غاب  في عمّان الثلاثاء 18 سبتمبر  خيري منصور، أحد ابرز الكتّاب العرب  ومن أكثرهم إخلاصا لهذه  المهنة وانقطاعاً اليها ، ومواظبة عليها. وقد  اورثته هذه المهنة  الشريفة  صيتاً  مستحقاً وطيّرت اسمه الى الآفاق،  وصنعت له جمهورا عريضا من قارئين شغوفين، ورغم ان منصور اتخذ  الصحافة اليومية والأسبوعية منبرا لكتاباته، الا إنه نجح  في النأي بقلمه  عن الأداء الصحفي المعهود، واحتفظ بأسلبة ادبية  متينة وجزلة، هي أقرب الى لغة الكتب والدوريات الثقافية الممتخصصة. كانت الصحافة مسرح كتاباته، بدون ان تترك  الصحف السيّارة التي تحتضن مقالاته ،  لا كبير أثرٍ ولا ضعيفه في صنعته الكتابية.  ولعله قد  انتهج في ذلك منهج أدباء "عصر النهضة"  العرب في مصر ولبنان كطه حسين  وعباس العقاد وأمين نخلة  ورامز سركيس وسواهم الذين أقاموا على أساليبهم الكتابية ، ولم  يبرحوها لدى النشر في صحف يومية. وقد أضاف مسحة حداثية ورشاقة في العبارة  وومضات من التجديد مع التخفف من الانشاء، والنزوع الى   وضع قبسات وإحالات الى ادباء ومفكرين عرب وغربيين،  قدامى ومحدثين. وهو ما جعل  مقالاته تبدو في انظار المتابعين امتدادا واستئنافا  لكتابة تتاخم الحداثة ،  وتحتفظ  بعناصر  النثر العربي ولا تنقطع عنها بل تضيف اليها ، بالعبور الى منطقة الحداثة لكن دون الذهاب بعيدا، ومع التمتع برواء العبارة وسلاسة السبك، وبلمحات من ذكاء القلب ومكر العاطفة والطرافة المتأملة.
وإذ استهل  خيري منصور ( 73 عاما) مسيرته محرراًً ثقافيا في مجلة "الأقلام" العراقية، وكاتبا في ملاحق ثقافية  لصحف عراقية في  عقدي السبعينات والثمانينات من القرن الماضي ،  فقد قادته الظروف  بعد الاجتياح الأميركي للعراق للانتقال والعودة  الى الأردن  وهناك اتيحت له  في مقتبل التسعينات فرصة  العمل كاتباً في " الدستور" اليومية  بدعوة من رئيس تحريرها محمود الشريف ،  ثم بأن يكتب كل يوم  بعد استشعر  الشريف موهبته في  الكتابة. وقد استجاب لهذا "التحدي  الذهبي " بكتابة زاوية  تحت عنوان  مألوف شديد الألفة وكثير الاستعمال  وهو "خاطرة". ولم تلبث الزاوية أن انتقلت من  من الصفحة الأخيرة( وهذه ليست الأخيرة  في الأهمية ، بل تكاد تكون في المرتبة  الثانية ..) الى الصفحة الأولى ، وكانت من المرات النادرة التي  تتسع فيها الصفحة الأولى لزاوية يومية يكتبها كاتب " جديد"،  شبه مجهول لعامة القراء.
 منذ ذاك  انعطفت مسيبرة خيري منصور اذ بات كاتبا منتظما ومحترفا،  ولم تلبث صحف عربية ان اجتذبته الى الكتابة فيها، وقد أجيز له ذلك  من مقر عمله   بعدما تبيّن ان كتابته  في منابر أخرى لا تتم على حساب  زاويته ا التي  ينتظم في كتابتها محتفظة بالسويّة نفسها.  هكذا وجد دون ان يقصد  وبغير ان يرتضي ذلك في دخيلته،  وجد نفسه جندياً نشطا  ومعطاءً من جنود " صاحبة الجلالة". وهو آخر ما كان يتوقعه لمستقبل أيامه. فقد كان من رهط شعراء ونقاد  تتمحور  جل اهتماماتهم  حول الشعر والشعراء ثم الأدب بعامة،  ومدارس النقد  مع نزعات فكرية غذّتها مصادر مختلفة من اهمها مجلة" الآداب"  البيروتية ومطبوعاتها. ،ولم تُعرف عنه ميول إعلامية ولا حتى مواظبته على قراءة الصحف،  او الانشغال بما تنشره عدا  النصوص الإبداعية والمقالات الأدبية. وبدا امام ذات نفسه كمن يُستدرج  للتخلي عن  روحه الإبداعية والتفريط بها  فداء  لصحافة يومية  لا تكف مطابعها عن الدوران، والتهام  المزيد  من جهد العرق والحبر والمكابدة. وازاء ذلك صمد خيري منصور ، لم يتحول صحفيا  ولا حتى كاتبا صحفيا،  بل احتفظ بسمته كاتباً يكتب في الصحف ،  بلغة  منقطعة عن  القاموس الصحفي ، وبمتابعات لا تُلقي بالاً الى ما تقذفه وكالات الانباء من اخبار وتقارير لا تتوقف.
 وقد  دارت اهتمامات مقالاته  حول  النهضة والنهوض الحضاري  وجدل المفاهيم، ومقارعة التخلف والأمية بمختلف اشكالها ، والأمراض الاجتماعية المزمنة والناشئة،  وتناقضات الشخصية العربية، وتزييف الوعي، والصمود امام زحف الغرب واجتياحه،  والتحذير مما تسوقه الميديا من سلع مغشوشة  لسياسيين و مثقفين ، وكان بارعا في نحت مصطلحات جديدة، متمتعا بنزعة هجائية هجومية لا تشمل أحداً باسمه أو ما يدل عليه بقرينة واضحة..
 وإذ نأى بقلمه عن  الأداء الصحفي محتفظا بلغة أدبية صافية رقراقة،  فقد وفّر له لنفسه  بموهيته الغنية، وبجهد شاق دؤوب، تمايزاً عن بقية الكتاب من معلقين ومحللين ومؤرخين وتربويين وسواهم. ولم تكن  مقالاته تكتم النفورمن الصحافة ومن كتاباتها "المعلبة والمسلوقة " وتسويقها لـ"أشباه وأنصاف مثقفين".
 وبحكم صداقة وثيقة ربطت كاتب هذه الكلمات بالعزيز خيري ، فقد  تمرأت حياته أمام صاحبها  كمن وقع في  مصيدة او شرك، بعد ان اصبحت الكتابة مهنته التي لا مهنة له سواها. اذ اورثته هذه المهنة شقاء من نوع فريد ،  فقد سلبت منه وهو الشاعر شيئا فشيئا ،جزءاً غير يسير من طاقته الشعرية التي تتسرب الى نحو سبعين مقالاً يكتبها  شهريا.،وجعلت  لاقطه  الذهني متأهبا على الدوام لالتقاط فكرة  للمقال الذي يتهيأ لكتابته   بعد ساعات ،  وإثر مقال " سابق "كتبه قبل  سويعات!. وقد انعكس هذا على مزاجه الذي أخذ ينحو  نحو التوتر والنقمة على مختلف مظاهر الحياة من حوله هنا وهناك. ولم يتوقف الأمر عند ذاك، اذ تنبه لمغبّة استغراقه وغرقه في الكتابة اليومية، واجتهد في توجيه نفسه وقلمه نحو   كتابة  مؤلفات وقد وضعها ومن أهمها : "الاستشراق والوعي السالب"  "ثنائبة الحياة والكتابة" ، "ابواب ومرايا " و"تجارب في القراءة".
 وبينما كان للصحافة فضل تقديمه  الى قراء العربية  وبصورة لائقة تطمح اليها جمهرة كاتبين ،  إلا ان  هذه المهنة قد "أكلته" في نهاية المطاف. وهو ما اورثه شعورا بـ " الكمد". فقد وجد نفسه ، عبر هذه المهنة، وقد فقدها في الوقت ذاته. وقد تضافر ذلك مع مشاعر الإحباط ازاء ما آلت اليه أحوال العرب من انخساف واحتراب   دولاً ومجتمعات. وما صارت اليه الثقافة من  تسليع وتفتيت وخلط للحابل بالنابل وضياع المعايير واستقالة النقاد. فقد كان خيري المنتسب الى جيل الستينات من الحالمين الكبار في تلك الحقبة التي  امتدت زهاء ربع قرن، بنهوض عربي شامل ، وقد شاءت له ظروفه ،التأمل المضاعف  والأليم بما انتهى اليه الحال: مرة كشخص ومواطن ، وتارة ككاتب  يومي وشاعر مكبوح، وطوراً كمشروع مفكر لا  تسعفه مهنته في القراءة والتبحر والتدبر، وهذا هو الثمن الذي  ظل يدفعه وينزفه بصمت ، لقاء تحقيق المتعة والبهجة العقلية  لقارئه.
 
عن " العربي الجديد" اللندنية.