تحولات رواية زيد الشهيد "شارع باتا"

Printer-friendly versionSend to friend
صالح الرزوق*
 
إذا كانت رواية “قصة عائلة" لقصي الشيخ عسكر هي حكاية تراجيدية عن مصير بلد تعصف به النكبات والأرزاء، بتعبير د. حسين سرمك، فإن رواية "شارع باتا" (1) لزيد الشهيد، هي صورة للفاجع الذي تحول إلى قدر لا فكاك منه.
وقد تابع زيد الشهيد فصول المأساة الدامية على وجه الخصوص، منذ الانقلاب على آخر ملك في العراق، وبداية العهد الجمهوري، حتى الانقلاب على الدكتاتور الأخير، وبداية ما يسمى جدلا، الديمقراطية. وبهذه الطريقة رسم بانوراما مدينة تكررت في كل أعماله تقريبا وهي السماوة.
 لكن هذا لا يعني أن "شارع باتا" رواية أجيال. إنها لوحات ساكنة عن طبيعة البش،ر وشرط أو قانون العصر. فالأشخاص فيها لا يتقدمون بالعمر، والأبناء لا يحلون في مكان آبائهم. بالعكس، المعالم تختفي ومعها الشخصيات، بمعنى أن الحاضر يلغي الماضي. وبتعبير آخر: كان الدافع في تطوير الرواية هو استراتيجية الإزاحة وتبادل الأدوار. فهاشم المغرم بشهلا يسافر ويقترن بكاترينا الكبيرة بالسن (ص32). وترتبط شهلا بشاهين ابن شلال (ص37). وقل الشيء نفسه عن الدكاكين. فمحل ناطور المكي الذي يبيع السمن والدبس يتحول إلى بناية من ثلاثة طوابق وفندق. بهذا يبدو زيد الشهيد معنيا بكتابة مرثية للأنقاض والأطلال. فقد ذرف دموعه الحارة على الأرض أكثر من الإنسان. لقد بدأ من ذاكرة كهول ينظرون إلى الخلف وليس من ذاكرة وعيون شباب ينظرون للمستقبل. إنها ذاكرة سيكولوجية مهمومة بأمراض الشيخوخة والخوف من الموت، أو بلغة مباشرة  تعاني من رهاب الخصاء بكافة أنواعه. 
وأكبر دليل على ذلك مستهل الرواية. فقد بدأت بصورة الشرطي جابر ميمون وبيده حزام تالف وعلى وشك أن ينقطع (ص10). ولا ضرورة للتذكير بالمعنى الأبوي والبطريركي لهذا الحزام. فهو من بدائل القضيب أو القوة. ولو وضعت بعين الاعتبار أنه من الجلد القديم والميت تستنتج المغزى المؤلم النابع من فكرة عدم القدرة على الانتصاب (2). وهي صورة مازوشية توقع أشد أنواع التعذيب والإهانة بالذات.
لقد انطوت الرواية على النقد الجارح وغير المباشر لمجتمع الهزيمة، وكأنها ترجمة فنية لأطروحة جلال صادق العظم عن الذات الجريحة. فقد استعملت النكتة السوداء وطباق الأدلة، أو التقابل في المعاني.. ويكفي الإشارة للافتتاحية، فهي مشهد اجتمعت فيه الأنداد، طيران حربي في السماء وشرطي متقاعد على الأرض، وكأن المؤلف يتكهن بوفاة الأب أو التضحية به   (وبالمعنى التراجيدي الذي تكلم عنه شكسبير في هاملت). 
في هذا السياق يمكن فهم دور المقاهي في رعاية الرجولة المريضة، وما تبقى من خيلاء وزهو. فالمقهى، في الرواية، واحة لهدر الوقت ولتجفيف منابع الإلهام والقدرات، أو كما ورد بالحرف الواحد، هو: أم وزوجة (ص219)، وبتعبير آخر: إنه سلاح ذو حدين. ولعلها زلة لسان تحمل أكثر من دلالة. وهي إشارة مؤلمة الى الجدب النفسي وتراجع مؤشرات الفحولة. وربما دلالة على أحفورة نفسية عن الكبائر التي تعالج ضغط الضرورة والغريزة لكن في الوقت  نفسه تضاعف من دور الأعصبة وتزيد من مشاكلنا مع القانون، وأساليب إدراكنا له.
وعموما لا تخلو رواية ظهرت بعد هزيمة عام 1967 من هذه المشكلة. لقد حصل خلل في توزيع الأدوار. فالبيت أصبح رمزا للفساد والعلاقات المشبوهة والتهتك وفقدان الرشد. أو بؤرة للرذيلة والشبهات ولدخول اللاشعور في مناطق محظورة يحاسب عليها النظام. بالمقابل كانت المقاهي والساحات العامة إشارة الى العطالة العاطفية والكسل والاتكالية والهروب لعالم الذكريات. 
ولعل في ذلك كما تقول كيت ميتشيل: تعبير عن تأخير الوعي الذاتي لمصلحة الذاكرة (ص56)(3). وأضيف: إنها طريقة للهرب من الواقع المؤلم وما يكتنفه من غموض وسقوط وندم واللواذ بالماضي، بافتراض أنه مظلة آمنة. لقد كانت استراتيجية الرواية تنحو لتغليب الحنين على الشك. وهذه إحدى مظاهر الفينومينولوجيا الرومنسية. أن تستدعي الذاكرة وتعول عليها عوضا عن التاريخ (بتعبير ميتشيل أيضا) (ص59) وبغاية تحويل الواقع إلى خيال، وبالتدريج لذاكرة انتقائية. 
*** 
 
وترتب على ذلك إخلال مماثل بفضاء الشخصيات. فقد تطورت بشكل كائنات بلا دورة حياة وبلا ذخيرة روحية. كما أنها لم تكن من النوع التشاركي. فكل شخصية تكتفي بذاتها، ولا يمكن أن تؤثر بالآخرين.  وهناك من الحكايات والأحداث ما يساوي عدد الأشخاص. لقد قفز المؤلف من فوق علاقة الإنسان بالمكان، حتى أنه لم يهتم ببناء شخصية مركزية. وكان وجود الراوي مرهونا بما يقدمه من معلومات. ولي  في ذلك ما يعيب. فرواية هامة من السبعينات لإلياس خوري وهي "عن علاقات الدائرة" كانت في حقيقة الأمر بلا شخصيات حقيقية على الإطلاق، ويغلب عليها تصوير أوهامنا ونشاطنا النفسي.
والشيء بالشيء يذكر. إن ما بعد الحداثة تلعب هذه اللعبة. فهي فلسفيا لا تؤمن بمركزية الإنسان، ولا تجد فيها حدودا واضحة بين الأفكار والهويات، والعاقل وغير العاقل. و"شارع باتا" جزء من هذه المغامرة، فهي تطمح لكسر احتكار إنسان واحد للبنية. ويمكن التعبير عن هذه الفكرة بطريقة أوضح..  فهذه الرواية عن ترتيب متحول لعلاقة الفكرة بالشيء. فهي تضع الكلمات بمستوى أدوات الواقع، ولكن أساليب التعبير تعمل من خلال طريقة إدارك الإنسان لما حوله. بعبارة أخرى: هناك تبديل في الأولويات. وظروف الحياة هي التي تتبدل بينما المكان وشخصياته على ما هي عليه. فالشارع لا يمكنه أن يطير أو أن يهاجر من مخطط المدينة، والشخصيات تأتي وتذهب بلا صخب ولا ضجيج. 
لقد كان الشارع في الرواية مرآة عاكسة لحياة شخصياته، وهي بدورها تعكس ما يفرضه الآخرون عليها، فكل شيء يفرض نفسه بالقوة، من فوق ومن وراء محيط الدائرة، ويكفي أن تنتبه أن تاريخ السماوة لا يصنعه أهلها المحبوسون في قمقم التخلف، ولكن الأجانب الذين حلوا بها، ابتداء من العثمانيين وانتهاء بالأميركيين(4).
إن الشخصيات لم تكن تعبر عن نفسها بقدر ما كانت تعبر عن نماذج لأفكار إنسانية. فهي أنماط. أو أنها تصورات، وبدائل، وبلا نشاط من اللاشعور. باختصار هي بمعظمها معنية بتطور الحياة الفكرية. فحمزة، وهو محور العمل كله، مترجم ومثقف، وزوجته ناشطة في مؤسسات المجتمع المدني (ص68). والبقية من ضمن زوار عيادات الأطباء ومقاهي المثقفين والمكتبات. لذلك لا يترك الراوي شاردة وواردة عن مكتبات هذا الشارع إلا ويدخل في تفاصيلها، ومنها مكنزي وكنوزالتراث(ص20) وغيرها. ثم يتوقف مطولا في حديث مسهب عن أهم صحف البلاد كالصباح والمدى والزمان. ويستطرد في نقاش مطول وبلغة أدبية منمقة حول التعبير الأدبي والفلسفة وعلم النفس والترجمة (ص18- 20). ولا ينسى أن يقدم فكرة عن نيتشة وهايدجر وأرسطو وأفلاطون (ص20). ثم ينهي كل هذه الجولة الثقافية الدسمة بعدة صفحات عن جامعة برلين الحرة والأكاديمة الفرنسية للفنون ودورها في تعويم الثقافة السريالية وجنون الحداثة (ص23). إضافة الى عدة صفحات من يوميات  جوادين، وهي قصيدة نثرية بعنوان "نص البوح، ص69". وهناك عدة مداخلات من الكاتب جاءت على لسان حمزة، وهي أشبه بتحليل للأوضاع. مثل ما ورد في كلامه عن المثليين (ص101)، وما ذكره عن أثر حرب الخليج الأولى (ص 130)، وحصار بغداد (ص137)، وكلها بلغة واعية وعائمة، تتحرك من أمام الشخصيات، ومن فوق الأحداث، وكما هو الحال في الروايات التسجيلية التي تبذل جهدها لتكون شهادة على عصر أو مرحلة. وهذا يبرر للرواية استعمال تراكيب وصور ذاتية ورومنسية لا تجد مثلها إلا في قصائد شعراء مثل جبران وإيليا أبي ماضي وإلياس أبي شبكة أو في ترجمة الزيات لـ "آلام فيرتر". إذ لا تخلو أية صفحة من صفحات الرواية من انطباعات فائقة أو من صفات غريبة وعلاقات مبالغ بها بين المشبه والمشبه به. مثل قوله: صبيحة تاريخية مهولة (ص138)، حركة نحل دائبة لا لبناء خلايا كي تملأ بالعسل بل تسوق عشوائي (ص168)،  برزت نافرة فوق الأرض المحروثة في جزر متباعدة (ص163)، أو قوله: حبر دموع العين، فاكهة السرور، ورود الأفكار وغيره كثير.. 
وهذا ما يضع الرواية بين فلسفة الحداثة ولغة الرومنسيين، أو بتعبير مختصر في صف الرومنسية الجديدة.
***
 
لقد أخذت الرواية شكل السيرة الذاتية. فزيد الشهيد معلم لغة إنكليزية وله نشاط بالترجمة، وهو من أهالي السماوة. ولا يمكن أن تفصل ذات الراوي ولا سيرة الشارع عن ماضي وحاضر الكاتب نفسه. حتى أنه  يمكن بكل يسر  احتساب الرواية لونا من ألوان النشاط الموزع وبالتساوي بين الذاكرة والمعايشة. إنها رواية تسجيلية، تدون ذكريات الكاتب عن عادات وتقاليد بيئته القريبة مع مقارنة لأحوال المجتمع بين الماضي والحاضر. ولذلك  يتبدى الألم المبرّح الذي تعاني منه الشخصيات بسبب الحنين للماضي والخوف من الفراق. فعالم الرواية يدخل في سلسلة من المتواليات، وتبدو مشاعر الكاتب مستيقظة تجاه كل صغيرة أو كبيرة تسقط في الحفرة. ويمكن النظر  الى الرواية على أنها رثاء لعالم مألوف يتلاشى وهجاء لعالم غريب يحل محله. ولكن يجب التنويه أن هذه ليست أول ولا آخر رواية تسجيلية عن مصير المكان وأهله. فعبد الرحمن منيف متخصص بهذه الشهادات، ومثله صنع الله إبراهيم وصلاح عيسى في مصر. إنما لدى هذا الثلاثي ميول لفرض منطق التطور بمفهومه التصاعدي.. ما يفشل في مواجهة التحديات يدخل في الخبيئة، أو أنه يستتر، ولا ينقرض. وبتعبير آخر: إنه ينفصل عن الوجدان المعاصر. بالمقابل في أعمال زيد الشهيد تتعايش كل هذه التناقضات.. ما يندرج في العدم يعبر عن نفسه بمنطق انتظار النهاية، مع تسليم شؤونه الى الغيب. وكما ورد في رسالة إلى حمزة، البطل الأساسي في الرواية: نحن لا نفكر بالآتي، ولا نصبو لبناء حياة يحدوها التفاؤل (ص175). وهذه النهاية العبثية هي من أقسى الشهادات التي سمعت بها عن الواقع الذي تعمه الفوضى وتندحر منه القيم كما ورد في الرسالة نفسها أيضا (ص173).
 
هوامش
1 صدرت عن دار أمل الجديدة في دمشق . 2017. 
2  الرجولة وإيديولوجيا الرجولة في الرواية العربية لجورج طرابيشي. دار الطليعة. بيروت. 1983.
3  التاريخ والذاكرة الثقافية، كيت ميتشيل، ترجمة أماني أبو رحمة. دار نينوى، دمشق، 2015
4 انظر : فن الرواية في سرديات زيد الشهيد للدكتورة فوزية الجابري. دار أمل الجديدة. ص 228.
 
آب 2017
 
* أديب من سورية.