بُنية النص الشعري الرقمي في "لا متناهيات الجدار الناري" لمشتاق عباس معن

Printer-friendly versionSend to friend
د.أحمد زهير الرحاحلة *
بعد انقطاع - وربما انتظار- امتد لعقد كامل من الزمان، يعود الدكتور المبدع مشتاق عباس معن ليطل على مريدي الأدب الرقمي ومحبيه بمنجزه الإبداعي الثاني الذي حمل عنوان "لا متناهيات الجدار الناري"،  ويكتسب هذا المنجز أهميته الإبداعية والنقدية من جهات متعددة، أهمها: قلة النصوص الإبداعية الرقمية العربية بصفة عامة، والنصوص الشعرية الرقمية العربية بصفة خاصة، إلى جانب شرف الريادة الشعرية الرقمية الذي أسبغه كثير من النقاد والباحثين العرب على تجربة مشتاق عباس معن صاحب "تباريح رقمية لسيرة بعضها أزرق"، ويضاف إلى ذلك جدارة العمل ذاته بالدراسة والتحليل.
 
العتبة الرقمية
يلج المُبحر/ المتلقي للامتناهيات الجدار الناري من الموقع الخاص لمشتاق عباس عند تفعيل الرابط التالي: http://dr-mushtaq.iq/My-poetry-works/Interactive-digital ، ليجد نفسه أمام عتبة العمل، وهي صورة لساعة تشير عقاربها إلى الساعة الثانية عشرة إلا خمس دقائق، وتبدأ البراعة الرقمية التثويرية من عقرب الثواني في الساعة الذي يدور من اليمين إلى اليسار – عكس اتجاه عقارب الساعة، ونجد حول الساعة وأرقامها وعقاربها هالة دائرية توحي بطريقة مجازية للهالات الكونية التي تحيط بوجودنا، وتتحرك هي الأخرى عكس عقارب الساعة، لكنها تعود للدوران بالاتجاه صحيح حال تحريك مؤشر الفأرة نحوها، أما الأرقام التي تشير إلى وقت الساعة فهي الأرقام الرومانية التي تبدأ من الساعة الواحدة وتنتهي عند الساعة الثانية عشرة.
تحتل صورة الساعة والهالة المحيطة بها المساحة المتوسطة من شاشة العرض الأولى، والخلفية المتبقية تظهر باللون الأسود الذي يتحد مع اللون الذهبي للساعة ومكوناتها على نحو يعطي المتلقي إحساسا بقسوة الزمن، ويتماشى مع الترميز المشحون في الحركة العكسية لعقرب الثواني، ويتدخل العنصر الصوتي والمتمثل في هذا المدخل بمقطوعة موسيقية ذات وقع تأملي؛ ليُحْكم الإحساس بالمضمون، ويدفع المتلقي لبناء أفق توقع يوافق المعطيات التي يعاينها في العتبة.
تغيب الكلمة غيابا مطلقا عن العتبة الرقمية، مما يجعل المتلقي عاجزا عن تحديد هوية العمل الذي يقدم على الإبحار فيه، ولعل هذا يهم المُبحر الذي يفعل رابط العمل دون أن يعلم محتواه، ومثل هذا المبحر موجود في الفضاء السبيراني وقد يحتاج إلى المساعدة خشية أن ينسحب من المغامرة قبل البدء فيها، أما الصوت المرافق للعتبة الرقمية فلا يملك المتلقي خيارا فيه إلا أن يقوم بإيقاف الصوت عن الجهاز كاملا. 
تتعاضد مكونات العتبة الرقمية (الصوتية، واللونية، والحركية، والشكلية، والروابط التشعيبية) لتثير لدى المتلقي إحساسا بقسوة الزمن، ووطأة الوجود، وتبني جسورا بين الحاضر والماضي في حركة دورانية متعاكسة، وهذا الإحساس بوقع الزمن وحضوره قد لا تستطيع الملفوظات اللغوية القيام مقامه على نحو ما ظهر في العتبة الرقمية.
ويدرك المتلقي الرقمي بوعيه الإلكتروني أن هناك روابط تشعيبية مكتنزة في الشاشة التي تظهر أمامه، وأن عليه تحريك المؤشر للعثور عليها، ما دامت الشاشة لا تكشف عن روابطها أو تميزها في مساحة المشاهدة، ليجد بعدها نفسه أمام (12) رابطا تشعيبيا بانتظار التنشيط تتوزع على أرقام الساعة، وهي تمثل مداخل العمل الإبداعي.
عند تنشيط أحد أرقام الساعة ينتقل القارئ إلى شاشة جديدة يظهر عنوانها في شريط عنوان النافذة العلوي، وهي كالآتي: الساعة (1): الفقر، الساعة (2): الإحباط، الساعة (3): الخضوع، الساعة (4): الوحدة والعزلة، الساعة (5): الجمود، الساعة (6): الجهل، الساعة (7): التخلف، الساعة (8): الضياع، الساعة (9): الألم، الساعة (10): الهجرة والمطاردة، الساعة (11): الموت، الساعة (12): المقاومة. ولأن خيار "ملء الشاشة" سيمنع المتلقي من تبيّن العنوان فنرى أن إظهار عناوين النوافذ التي تحملها أرقام الساعة يستوجب من الشاعر إبرازها بطريقة أخرى، كأن تظهر في قائمة منسدلة لحظة تمرير المؤشر على رقم الساعة مثلا، أو غيرها من الطرق التي يراها الشاعر مناسبة.
عند تفعيل أي رقم من أرقام الساعة، ينتقل القارئ إلى شاشة رئيسة تظهر فيها القصائد والنصوص الشعرية مكتوبة داخل صورة صفحة منتزعة من مفكرة صغيرة، تتحرك يمينا ويسارا وإلى الأسفل والأعلى، وإلى يمين الشاشة قائمة فرعية يملك القارئ خاصية إظهارها أو إخفائها، وتحتوي على مجموعة من الخيارات المتاحة للقارئ للتحكم بالإبحار (ستة خيارات) وفي أسفلها صورة حنظلة – الرسم الكاريكاتيري الخاص بناجي العلي- يمشي فوق طريق لا ينتهي، أما الخيارات التحكمية الجانبية فهي: "عين الذئب"، وتفعيلها يغير من سطوع الشاعة ويجعلها تبدو أوضح، و"الأفق الكامل" وهي خيار عرض ملء الشاشة، و"لون أفقك" وتفعيلها لا يغير كثيرا في الحالة اللونية للشاشة المعروضة، و"لون بوحك"، وتفعيلها يغير لون ورقة المفكرة المتحركة ولون الخط المكتوب به النصوص في صفحة المفكرة، ولا يستطيع القارئ أن يختار لونا بعينه وإنما هو تغيير واحد معد مسبقا، و"عيونك الأفق" وتفعيلها يظهر أرقام الساعة على يسار الشاشة مرتبة عموديا من الواحد إلى الاثني عشر بالرقم الروماني، وأخيرا "كمم بوحك" وتفعيلها يعطل صوت الموسيقى المصاحبة للشاشات، ويمكن للشاعر وفريق عمله أن يعيد النظر في خيارات التحكم المتاحة للمتلقي، كأن يزيد من الخيارات اللونية للأفق وللبوح، وينوع في درجات التحكم بالصوت ولا يقتصر على التكميم.
إن تفعيل أي رقم من أرقام الساعة ينتقل القارئ إلى شاشة تحتوي قصيدة على صورة متحركة، وعند تمرير المؤشر فوق كلمات القصيدة ،سيجد القارئ كلمة مشحونة في القصيدة تحيل إلى هامش ينسدل من جانب الشاشة ينفتح على نص جديد يتصل بالكلمة التي ترتبط به على طريقة المتن والهامش المعروفة، وسيجد كذلك كلمة يتغير مظهرها على نحو يكشف عن احتوائها على رابط تشعيبي، وعند تنشيطها سينتقل القارئ إلى قصيدة ثانية، ويتكرر الأمر ذاته في كل شاشة على النسق ذاته إلى أن يبلغ عدد القصائد (12) قصيدة في كل ساعة، ولينتقل من القصيدة رقم (12) إلى القصيدة رقم (1) من الساعة التالية، وبذلك يجد القارئ نفسه أمام 12 ساعة و12 قصيدة في كل ساعة بمجموع نهائي 144 قصيدة.  
 
البنية الرقمية في "لا متناهيات الجدار الناري"
تتمركز البنية الرقمية للا متناهيات الجدار الناري في: البنية الصوتية، وبنية الصورة، والبنية الحركية، والبنية اللونية، والروابط التشعيبية، ونحاول في السطور الآتية الوقوف على أبرز سماتها وتجليات حضورها في العمل.
تظهر البنية الصوتية في "لا متناهيات الجدار الناري " منذ الشاشة الرئيسة الأولى، وتستمر على امتداد القصائد كلها، وتنحصر البنية الصوتية في هذا العمل في مقاطع موسيقية منتقاه بعناية ليناسب جمالها ووقعها دلالات النص الشعري المكتوب، وتغيب المؤثرات الصوتية الأخرى من أغان وأناشيد وأصوات حية أو غير حية وغيرها، والتأمل في حضور البنية الصوتية على مستوى البناء الرقمي يستطيع القول بأن حضورها كان هامشيا يتمركز حول النص الشعري، وليس العكس، ولذلك يمكن الاستغناء عنها نهائيا أو حتى تكميمها كما هو متاح في العمل، أو حتى تغييرها دون أن يحدث ذلك اختلالات جوهرية في العمل، ويستطيع الشاعر أن يعيد النظر في بنيته الصوتية، ويجري عليها بعض التعديلات لتحقق تفاعلية أرحب مع المتلقي.
وإلى جانب البنية الصوتية هناك البنية الصورية، تتمثل في الشاشة الأولى بصورة الساعة، وهي في هذا الإطار تحمل بعدا دلاليا رمزيا يجعل حضورها مركزيا لا غنى عنه، لكننا حين ننتقل إلى الشاشات التي تنفتح عليها أرقام الساعات نجد الأمر مختلفا، فصورة الصفحة الصغيرة المنتزعة من دفتر مذكرات تمتد برتابة في كل القصائد، وإن كان لونها يتباين من قصيدة إلى أخرى، ومثلها في التكرار والثبات صورة حنظلة في الشاشة الجانبية، أما الخلفيات ففيها تنوع أكثر دون أن تكون مشحونة بطاقة دلالية محورية، ولا يعني ذلك كله أن الشاشة/ الشاشات تفتقد للجمال المشهدي، أو الإبداع الصوري، لكن المقصد أن ذلك كله يعد من اللوازم لأي شاشة وليس جزءا أصيلا من بنية العمل الشعري بحيث يختل العمل أو ينهار بتغييره أو غيابه، ويستطيع الشاعر أو سواه أن يقوم بتغيير جميع الصور والخلفيات – باستثناء الساعة تقريبا – دون يتأثر النص الشعري.
أما على مستوى البنية الحركية، فإننا حاضرة في مستويات بنائية رقمية متعددة، وقد أشرنا في الأعلى إلى أن حركة عقرب الثواني في شاشة الساعة من اليمين إلى اليسار أعطت الصورة بعدا تعبيرا لا يمكن لأي كلمة أن تؤديه، ومثلها تقريبا حركة الهالة المحيطة بصورة الساعة في الشاشة ذاتها، لكن الانتقال إلى شاشات أرقام الساعة سيقف بنا على حركة صفحة المذكرات المكتوب فوقها القصائد في كل شاشة، وحركة رسم حنظلة الكاريكاتيري، وهذه الأنماط البنائية الحركية لا تعدّ مكونا أساسيا من مكونات العمل الرقمي، بل تكرارها في 144 شاشة يجعل من رتابتها عيبا فنيا، مما يجعلنا نرى أن تنويعا في الحركة، والبحث عن تنسيق منسجم بين الحركة والنص قد يضيف عنصرا جماليا للبنية الرقمية، وينسحب هذا على الكلمة ذاتها التي تتصف بالجمود التام فوق شاشة العرض رغم محاولات إكسابها للحركة من خلال حركة الصورة التي تحملها. 
وعند الحديث عن البنية اللونية فإننا نعي وعيا تاما بأنها لا تنفصل انفصالا عضويا عن باقي المكونات الرقمية، لكن الحضور اللوني في هذا العمل لا يقل في تأثيره عن مستوى حضور العناصر السابقة، وإن كانت الذائقة تلعب دورا أساسيا في استقبال الألوان والتفاعل معها، وترى هذه القراءة أن ذائقة الشاعر اللونية، وتفاعله مع درجاتها وظلالها ترتقي إلى مستويات جمالية نموذجية، وهذا كله لا يمنع من التنبيه إلى أهمية الوعي بدلالات الألوان ورمزيتها على نحو يتسق مع دلالات الصور والتراكيب اللغوية للنصوص الشعرية، وإلى جانب ذلك – وهو الأهم رقميا – أن الحضور اللوني بمستوياته كافة لم يرتق لصبح عنصرا محوريا ومقوما وجوهريا من مقومات العمل، ويبقى متاحا للشاعر أو سواه تغيير الألوان أو تعديلها اعتمادا على ذائقة مختلفة أو رؤية متعددة.
وتظهر الروابط التشعيبية في العمل بوصفها عنصرا أساسيا من عناصر البناء الرقمي للعمل الإبداعي، والتعليق على بناء الرابط التشعيبي في النص لن يكون فيه إضافة حقيقية، ولعل وعي المبدع العربي الرقمي بقيمة روابطه وأهميتها جعل اشتغالها عليها متكاملا، ومع ذلك يبقى هناك جانب لا يتعلق ببناء الروابط وإنما بمستويات التفاعلية فيها وهو ما سنقف عليه في المحور الأتي.
 
المستويات التفاعلية الرقمية
التزاما بعنوان المحور لن نقف على مستويات التفاعلية الأخرى التي يحققها العمل وتحديدا التفاعل النصي، على ما للمسألة من أهمية، وعند الحديث عن "التفاعلية" كخاصية وليس كصفة فإننا نعتمد على التمظهرات الأساسية الواجب توافرها في العمل الشعري الرقمي ليمكن وصفه "بالتفاعلي" وهذا كله اعتمادا على ما ورد في كتب النقد الأدبي التفاعلي، ومن ذلك –مثلا حصرا- أن فاطمة البريكي تعرّف القصيدة التفاعلية " بأنها ذلك النمط من الكتابة الشعرية الذي لا يتجلى إلا في الوسيط الإلكتروني، معتمدا على التقنيات التي تتيحها التكنولوجيا الحديثة ومستفيدا من الوسائط الإلكترونية المتعددة في ابتكار أنواع مختلفة من النصوص الشعرية، تتنوع في أسلوب عرضها وطريقة تقديمها للمتلقي/المستخدم، الذي لا يستطيع أن يجدها إلا من خلال الشاشة الزرقاء، وأن يتعامل معها إلكترونيا وأن يتفاعل معها، ويضيف إليها ويكون عنصرا مشاركا فيها" (البريكي، 2006، ص 77)، وتتحدث البريكي عن الأدب التفاعلي – والشعر منه- فتقول: " ولا يكون هذا الأدب تفاعليا إلا إذا أعطى المتلقي مساحة تعادل، أو تزيد عن مساحة المبدع الأصلي للنص" (البريكي، 2006، ص 49)، وبالمجمل فإن للنص التفاعلي خصائص أساسية يمكن أن نجملها – إضافة لما سبق- في: اللاخطية، وتعدد المسارت ولا نهايتها، وعدم إمكانية الطباعة الورقية، والمساحة التفاعلية الحقيقية المتاحة للمتلقي.
وعند البحث عن الخصائص السابقة في "لا متناهيات الجدار الناري" يتبين أن اللاخطية التفاعلية غائبة عن هذا العمل، وتعدد المسارات هو تعدد شكلي سيؤدي في كل حالاته إلى سيرورة خطية تتابعية للقصائد الشعرية، ومع أن القارئ يستطيع أن يدخل إلى العمل من أي رقم من أرقام الساعة إلا أنه لن يستطيع بعد دخوله أن يقرأ قصيدة قبل قصيدة أو حتى يتجاوز قراءة قصيدة فهو ملزم بمسار واحد إجباري يضطره قسرا إلى قراءة (12) قصيدة متتالية في كل رقم يدخل منه.
وإذا تجاوزنا الشاشة الرئيسة ودخلنا من أي رقم من أرقامها فإننا لن نستطيع العودة إلا من خلال سهم الرجوع الأساسي في النافذة، بل إن كل قصيدة لا تحتوي إلا على رابط تشعيبي واحد ووحيد ينتقل بالقارئ عنوة إلى القصيدة التالية، ويستمر حتى القصيدة (12)، ومنها ينتقل القارئ – قسرا- إلى قصائد رقم الساعة التالي للرقم الذي ولج منه، ويبقى المسار ثابتا إلى أن يمر على جميع أرقام الساعة، ثم يعود إلى الدورة ذاتها إلى ما لا نهاية من الدوران في ذات الحلقة/ الساعة، وبهذا تصبح الروابط التشعيبية من متطلبات التقنية التي تتعلق بالانتقال إلى الشاشة التالية، أي أنها تماما بمنزلة تقليب الصفحات في النصوص الورقية، وإن كان المتلقي في النصوص الورقية يستطيع أن يختار رقم الصفحة التي يريد، والقصيدة التي يريد إلا أن ذلك غير متاح في القصائد الموضوعة في كل رقم من أرقام الساعة، وسيبقى المتلقي خاضعا للقراءة بالترتيب الذي وضعه الشاعر وفريق العمل.
إن هذه الخطية والمسارات القسرية المغلقة، تجعل من السهل واليسير استخراج هذه القصائد وطباعتها ورقيا دون أن يتغير شيء يذكر من قيمتها الشعرية، ولن تتأثر كثيرا بغياب المؤثرات الصوتية أو الحركية أو اللونية أو غيرها من العناصر البنائية الرقمية، وهذا يقودنا إلى مستوى آخر من مستويات التفاعلية، وهو المساحة المتاحة للمتلقي للمشاركة والتفاعل والتعديل وغيرها، فعندما نبحث عن هذه المساحة فإننا نجد أنها ضيقة جدا جدا، فهو لا يملك إلا حرية اختيار المسار الذي يبدأ منه، وما تبقى مساحات شكلية ضيقة، كالتحكم بالصوت، أو تغيير محدود جدا للون، وما شابه. 
إن الوقوف علي مثل هذه التفاصيل يدخل في صميم المساحة المعطاة للمتلقي، وهي تعديلات يمكن أن يجريها الشاعر بكل يسر وسهولة على منجزه الرقمي، بل إن التعديل المستمر صفة رقمية حسنة في مثل هذه الأعمال، من شأنها تحقيق قدر من التفاعلية بين النص والمبدع والمتلقي.
 
البنية اللغوية
النص الشعري في لا متناهيات الجدار الناري هو العنصر الأجمل والأثمن في هذا العمل، فلا الموسيقى، ولا الألوان، ولا الحركة، ولا الصورة، ولا الروابط التشعيبية قادرة على التعبير أكثر من الكلمة، فهو نص يصلح للاستشهاد على ما لا تؤديه التقنية.
إن الحفر في البنية اللغوية للنص/النصوص الشعري يدفع للإقرار بأن الجماليات الشعرية تتجلى في الكلمة أكثر من سواها من العناصر الرقمية، وهذا ما ننتهي إليه بتأمّل ثنائية الحضور والغياب للعناصر الرقمية والعناصر اللغوية، فغياب العناصر الرقمية – بصورة عامة- لن يحدث اختلالا في النصوص الشعرية وجمالياته، وفي المقابل لن تستطيع البنيات الرقمية الحاضرة في النص أن تحقق مستويات جمالية معينة في حال غياب العنصر اللغوي.
بالمجمل فإن هذا العمل ما زال يرتكز في جمالياته على النص اللغوي، كحال غالبية النصوص الرقمية العربية مثلما يرى الناقد محمد أسليم، إلى جانب جماليات رقمية شكلية في مستويات دنيا من التفاعلية، ويبقى النص اللغوي هو المركز والتطبيقات والتقنيات الرقمية هي الهامش، أما تحليل النصوص الشعرية وبيان أساليبها البنائية اللغوية فهو أمر يحتاج إلى قراءة مستقلة، يمكن القول بأن خلاصة البحث فيها تجعلنا ننحني احتراما لجماليات القصيدة الشعرية عند المبدع مشتاق عباس معن.
ويبقى لزاما المباركة للشاعر مشتاق عباس معن هذا المنجز الرقمي الجديد الذي سيفتح أفقا جديدا أمام المبدعين والنقاد لاستلهام التجربة والفكرة، والإفادة من كل موضع فيها، وسيعيد للمشهد الإبداعي الرقمي العربي جانبا من الحيوية الضائعة.
 
* ناقد وباحث أكاديمي من الأردن.