بَــابُ السُّــفـَــرَاء

ادريـس الواغـيـش*

بَـابٌ، مَـمنوعٌ فيه العُـبُـور

بَابُ، مَفتـوحٌ لتكسير أجنحَة الطـُّيُـور
ونخيل على بُعْـد عَـشرات الأمتار منه شاخ، أصبح طاعنا في السِّـن، لم يعُـد قادراً على الوقوف أو الإدلاء بأي شهادة!.
 كل يَـوم كـَـرٌّ وفـَـرٌّ، لا مكان فيه للأمنيات.
 خُـطـوَة ناقصة، تفقِـدُك توازن رجليك 
 تتخلى عنك فيه أجنحة الرّيـح،
 وتصبح طريدًا على مَـرمى حَجَـر من الخـُوذات والأحذية الثقيلة.
كـُل ُّ يَـوم تفقـَّد فيه لافتاتٌ رَمادَها،
 والناس فيه تزحفُ نحو المَساء.
الشمـسُ تبخُـل عـلى الجُـموع بالشـُّروق
 والأبواب مُـوصدة 
دَمُـنا يسيل على الطرقات في “باب السُّفـرَاء“.
لهم قطر الندَى ولنا ألـوَان السَّـراب.
لا تقل لي: “أنا قـارئ يا صاحبي“، (فما أنا بقـَارئ) يقول لي خـَمْسيني من جَـنوب الـرُّوح
اقـرَأ رَمَـاد حُـروفك في صَـمْت ها هُـنا،
وانصرف.
 أنت في الطريق إلى مَـزرعَـة الشـَّوْك،
 ستقِـفُ أمامك أسـوارٌ وأشجَـار صُـمٌّ بُـكـْم، 
ثم بَـابٌ وبَـابَـان، قبل أن تصل إلى “بَـابَ السُّـفراء“، 
هناك تجدُ  من يوقفك
سفراء لا يتكلمون لغة السَّلام،
 سيقولون لك: 
- “أنت مَمنـُوع من عُـبُـور هذا الجـِسْـر، ارجَـع من حيث أتيت، البَـاب مُفخَّخ بكل المَشانِـق“.
وسيقول لهم كـَبيرهُـم: “أوْصِدُوا تلك البَـاب، إنها مَحظورَة على الفاتحين الجُـدُد، ولنا تصاريحٌ بسَحْـل كل نـَورس يعبُـر هذا الباب على الطـُّرُقات!“
البابُ مُـوصَـد، مَـرْصُودٌ للأسَـاطير والرُّؤيَـا، 
هو نـَصبٌ تذكـَاري !.
 للبَـاب جَـناحَـان وزمَـنان،
 ولي زمَـني
لا تـُضايقني الأبـوَاب المُوصَـدة، 
مَـلاذي شهَـادة ميلادي
وعلى بُعْـد أمتار منـّي، حَمامة تُسَـابق ظلها المَـكسُـور
كل يَـوم تخـرجُ علينا الحَـقيقة شبه عَـارية
نسرعُ الخـَطـو، تتبعنا الخـَيْـل المُسـوَّمة
نسرعُ في الكـَـرِّ والـفـرِّ بين إيّـاب وذهَـاب
 تـُرفع العِـصيُّ، فإذا هي ثعَـابين تتلـوّى
سَـرِّج رُكبَـتيك يا صاحبي، 
وَحْـدَهُمـا من يُـنقِـذ خُـذرُوفك من المِـعْصَرة
فوق سَـماء رُؤوسنا مَـطـرٌ 
وتحت أقـدامنا جَـمْـرٌ حارق
 والدُّمُـوع المُنهمِـرة مضيعَة للوقت
تقول لي رفيقتي: انظـُر هُـنا، لا مكان رخواً في عَظـْمَة الرأس!
يقول صاحبي: أجْـري نعَـم، لكن لن أهْـزَم حتى النصر!
وأقول: يا “حَـسَّان، افتح لي “بَـابَ السُّـفرَاء“ أو هَـات لي المَـفاتيح
“بَـابُ السُّـفرَاء“ مَـزَّقـه الرّيح، 
 يمضي الليل إلى حَـال سبيله، 
ويطلع النهَـار كئيبا ومعَه اسمٌ جَـريح. 
لا أخبَـار في صحف النهَـار، سـوى الغـُبارُ يا صاحبي.
ها قد عبرنا البَـاب، والدَخـَّان اليابـسٌ ما زال عَـالقـًا في حَـناجرنا، أصواتُ الصدى لازالت تُردِّد إلى الآن أناشيدَ الرّيـح، نصوصًا وشعَارات الأمس، ينتهى نشيدُنا تحت نـَقِـيع الانتظار ثم يمضي كـُلٌّ في اتجَـاهِـه، ويبقي للأصوات صداهَـا المَـوسميّ، ولعصيّ الخَـيْـزران مَـواويل أُخـَر، وهَـراواتُ تُـحَـاصر ظِـلال النخيل في شارع أبْـكـَمَ، أصمّ.!
 
* أديب وإعلامي من المغرب/ فاس.