بعيدا عن أطباق أمي

وحيدة نجار* 

يتمدد القط الرمادي على الأرضية في استسلام،  فقد أرهقه الركض المتواصل وراء الفأر الشقي ،  يفتح فاه فيظهر فكاه ..يتثاءب ويغمض عينيه استعدادا لقيلولة لذيذة ، لكن راحته لا تدوم طويلا لأن رائحة احتراق بدأت للتو تداعب خياشيمه، يفتح عينا بعد أخرى ليستطلع مصدر الإحتراق قبل ان يدرك أن عدوه الصغير ربط له ذيله بشيء يشبه القنبلة، و بينما علامات الهلع ترتسم على ملامحه، يقهقه الفأر في زاوية ما من المشهد .. أتابع حركات كل منهما بإنتباه عال ،لا أمسك ضحكاتي امام شقاوة كليهما وحربهما المستمرة ،لا أنتبه لأمي وهي تطالعني بنظرة من خيبت آماله بين الفينة والأخرى، يستفزها اهتمامي المفرط بما يدور على الشاشة فتتأفف بصوت عال ولكني أتظاهر بعدم الانتباه، تتسارع حركة أصابعها وهي تخيط الشرشف الذي حسب ما أذكر بدأت بتطريزه من أسبوع ربما، لكنها تصر ان  تشتت تركيزي ،كلفها الأمر ما كلفها فترفع الشرشف عاليا وتسألني: 
-ما رأيك ؟!
اطالع قطعة القماش بلا مبالاة،  لكني أغلفها بابتسامة وأقول 
-جميل جميل يا امي سلمت يداك..
 أكتفي بهذا القدر وأعود الى حرب  القط والفأر التي لا تنتهي و،لكن هيهات فصوت أمي يتسلل مرة أخرى بإتجاهي اقوى وأكثر اصرارا هذه المرة..
 -" جميل
-  وهل أصنع شيئا غير جميل ؟! جهاز أخواتك الخمس كله مر من تحت هاته الاصابع ، الشراشف واغطية الطاولات والوسائد وحتى الملابس التقليدية كلها قمت بتطريزها أياما وليالي دون كلل أو ملل، فهل تظنين أني أنتظر ان تقولي لي بانه جميل..." "
-إذا لماذا تسألينني عن رأيي...!"
 اقول بهدوء لأني اعلم جيدا الى اين سيقود هذا الحديث.. 
 -"اسألك عن اللون ان كان يروق لك، وكم عدد الوسائد التي ترغبين ان أرفقها له، وهل تريدين اضافات اخرى، وهل أضيف لك قطعا اخرى من الموديل نفسه ولكن بألوان اخرى لكي يتسنى لك إستبدالها ،ام ان هذا كاف لأبدا بشي اخر لك..."
لا أقوى على سماع المزيد .
-" ما دخلي أنا؟"
أقاطعها بالسؤال الذي  لا بد وأ نه بدا لها غبيا ،لأنها طالعتني بنظرة إمتزج فيها الغضب بالحيرة
- "ما دخلك! هذا لك ويجب ان تدلي برأيك في كل قطعة منه.
 ترمي بإجابتها الحاسمة كأمر مسلم به ، لا أجيبها أتامل جواربي ذات اللونين المختلفين لابد  أنني أخرجتها من الدرج دون ان التفت ناحيته وارتديتها على عجل بينما عقلي مشغول بشيء ما ، ترى هل سيتقبل زوجي صاحب الحظ السعيد ان أتمدد على الأريكة بجوربين بلونين مختلفين،  تقاطع امي حبل أفكاري وكأنما فكرة مبتورة تقول "ما زالت مسألة العبايات  تشغلني، ذكريني نهاية الاسبوع لكي نذهب ونختار بعضها، لا بد  ان تكون بأحجام مختلفة نسبيا وألوان مختلفة كذلك، طبعا لابد  ان تكون مريحة لا اظن أنك ستبقين بهذا الضمور في بيت زوجك فمن يراك الآن يظن اننا نجوعك" ..
 عبايات!  أفكر: لكن من تحدث عن العبايات، ثم ما هي العبايات في الحقيقة ّ،هل هي تلك الجلابيب السوداء الطويلة التي تشبه البرنس والتي تعتمرها  نساء كثيرات تعترضن طريقي ،ام هي تلك  الاثواب بألوان مختلفة التي يرتدينها في  بيوتهن بدءا بأمي واخواتي البنات وكل نساء العائلة باستثناء زوجة عمي التي كانت تحرص في بداية حياتها الزوجية على ان ترتدي فساتينا انيقة وبناطيل بالوان مشرقة داخل بيتها وخارجه، فلم تسلم من تندر نساء العائلة والقاء النكات في وجهها كلما اجتمعن باحدى المناسبات ، فانتهى  الأمر بالمسكينة ان صارت نسخة مشوهة عنهن بجلباب فضفاض وكيلوغرامات اضافية ونفسية محبطة ، ولوهلة اتخيل نفسي إمراة بدينة تتأرجح الشحوم على جوانب جسدي فلا أعبا بها، يلفني جلباب واسع يحاكي لون العشب تزينه زهرات متفرقة حتى أن من يراني يظن أني احدى الشجرات الضخمة التي غادرت مكانها بإحدى الحدائق العمومية وجاءت لتنهمك على أريكة تئن تحت ثقلي بينما أمد قدميّ المنتفختين الى الأمام بلا مبالاة وأقشر البصل لأعد طبقا دسما لزوجي الذي بدوره صار  لديه كرش ضخم، والفضل يعود لأطباقي اللذيذة التي أقضي كل يومي وانا أطهوها له،  بينما يتمدد هو لمشاهدة مباريات كرة القدم وملخصاتها و طولاتها التي لا تنتهي، وإذا ما حدث وإنتهت يعرج على المسلسلات التركية وبعض الأفلام الهندية ليتغزل بالممثلات الرشيقات ويرشقني بين الفينة والاخرى بنظرة اشمئزاز... ، 
تخرجني أمي مرة أخرى من سهوي بصوتها الغاضب 
-"هلا أغلقتٍ هذا التلفاز و قمتٍ بما ينفعك لقد كبرت على هذا القط والفار" 
هل هناك من يكبر على هذه المتعة، ترى هل سمع أستاذنا الجامعي الذي شارف على الستين والذي  إعترف مرة في احدى المحاضرات انه يعشق هذه السلسة نفس الجملة ،ام ان العتاب من نصيبي أنا فقط ؟! 
-ولكن ماذا عساي أفعل يا أمي!
 أتساءل في استسلام . 
-أنت تعلمين أني لا اجيد التطريز.
 تمط امي شفتيها بإمتعاض ، فجهلي بهذه الأمور لا يغتفر، ولولا قلبها الرحيم لأوسعتني ضربا بوطائها الذي تستعين به في مثل هذه المقامات،  لكنها تكتفي بالقول "فهمنا انك لا تجيدين التطريز  لكن لا بأس ان تدخلي المطبخ وتتعلمي بعض الأكلات التقليدية التي تنفعك في مستقبلك ."
يا إلهي ومنذ متى كان المستقبل مبنيا على الطعام ،ماذا عن كل تلك السنوات التي قضيتها ذهابا و ايابا بين المدرسة والمعهد وظهري ينوء تحت ثقل محفظة إكتظت بالكتب والكراريس كحمار مطيع ! ماذا عن برد الشتاءات و الاصابع المنتفخة و صا المعلم تنهال عليها كلما عجزت عن حل مسألة حسابية ! ماذا عن سنوات الجامعة و الأحلام الطافحة و الوجبات الرديئة وغرفة المبيت القذرة ذات الجدران المحترقة والكتب التي  إلتهمتها بين جدران المكتبة ! أليست كلها كافية لتصنع مستقبلا ! هل يجب ان أتقن طبخ أكلات عفا عليها الزمن لأكون أنثى مثالية ، و هل يجب ان أقضي يومي داخل المطبخ بين نار الموقد وغسل الأواني لأنال الرضى، أفكر ولكن أمي لا تريدني ان أفكر، فتواصل غير عابئة بعلامات الإعتراض على وجهي :
- " مسكين من سيضعه في طريقك بالله عليك اخبريني ماذا ستطعميه، ولا تقولي لي انك ستسودين معيشته بتلك الأطباق الغريبة التي تقضين ساعات وانت تعدينها، والتي لا طعم لها و لا مذاق"
أمي يا حبيبتي أقول بهدوء بدأ ينفذ كيف تسخرين من مواهبي و كل ذنبي أني ازحت الكسكسي و اللوبيا والعصيدة من قائمة إهتماماتي،  وعوضتها بأطباق خفيفة تتماشى وروح هذا العصر؟ تجحظ عينا أمي كمن سمع سابقة لم يحدث أن مرت على مسامعه "روح العصر" وهل للعصر روح الا قبحك الله من بنت مدللة، لقد فوّتي علي صلاة العصر بترهاتك التي لا تنتهي.. هيا هيا اغلقي هذا الجهاز قبل ان احطمه على رأسك، وأفعلي ما ينفعك لان هذا لن ينقذك من براثن زوجك مستقبلا عندما يطلب طعاما ولا يجده". تلقي امي بعباراتها في وجهي وتغادر للصلاة بينما  اتمدد اكثر على الأريكة و أواصل متابعة الحرب اللذيذة بشغف ولسان حالي يقول أظن اني وتعيس الحظ سنكون مثل هذا القط و الفار،  ولكن وجود كل منا  سيعطي معنى لوجود الاخر وبعيدا عن اطباق امي وجلابيبها.. سأحلًق عالياً..
 
* قاصة ومترجمة من تونس.