برنارد لويس.. مَـوْسـوعِـيـَّة هـائـلـة وتـَبـسـيط فـَجّ

مراجعة: د. عـبـدالقـادر حسين ياسين *

يعتبر بيرنارد لويس الراحل  حديثا  شخصية غير عادية في عالمَي الأكاديميا والإنتليجنسيا الغربية. فـقبل حصوله على درجة الدكتوراه بعام واحد، عُيّن مدرساً مساعداً بمدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية بجـامعـة لـندن، غير أنه ترك العمل بالجامعة خلال سنوات الحرب (1940 ـ 1945) ليلتحق بخدمة المخابرات البريطانية. وبعد الحرب، عاد للعمل بالجامعة حتى عام 1974.  لكن صلته بالمخابرات البريطانية لم تنقطع، فقد ظل مرجعاً هاماً يستشار في كل ما يتصل بشؤون الشرق الأوسط . 

ولعل ذلك يفسر انصرافه عن دراسه تاريخ الإسلام ، واتجاهه - بعد الحرب العالمية الثانية - إلى دراسة تاريخ الشرق الأوسط الحديث، فـنشر كتاباً عن "ظهور تركيا الحديثة" The Emergence of Modern Turkey، وآخر عن "تكوين الشرق الأوسط الحديث"، The Shaping of the Modern Middle East  وثالث عن "تاريخ الشرق الأوسط في الألفي عام الأخيرة" The Middle East: A Brief History of the Last 2،000 Years ثم كتاب " الهويات المـتعـددة في الشرق الأوسط" The Multiple Identities of the Middle East  .

وظـَّف لويس رصيده المعـرفي عن تاريخ الأفكار التى يطرحها في كتبه، فرصيده المعرفي عن تاريخ الإسلام يشي بالقصور في متابعة ما حققه هذا الحقل الأكاديمي من تطور بعد الحرب العالمية الثانية في الغرب ذاته. والأفكار التي يطرحها في كتبه خلال العقود الثلاثة الأخيرة موحية لصانع القرار الغربي، تستهدف إثارة مخاوف القراء من الإسلام وأهله.

بعد أفول نجم الهيمنة البريطانية في الشرق الأوسط، واضطرار بريطانيا إلى تنفيذ سياسة "الانسحاب شرق السويس" عام 1971، ليسدل بذلك الستار على النفوذ البريطاني ، وتصبح الولايات المتحدة هي الوريث الطبيعي لحماية المصالح الغربية في المنطقة، وجد بيرنارد لويس أن مكانه الطبيعي هناك، في الولايات المتحدة، حيث مركز التأثير في صناعة القرار الغربي في الشرق الأوسط، وخاصة أن صهيونية الرجل كانت حقيقة راسخة أكدها في كتاباته ومقالاته الصحفية، وبهذا  جاء انتقاله إلى جامعة برنستون عام 1974 أمراً منطقياً، بعدما ترك قسم الشرق الأدنى بمدرسة الدراسات الشرقية والإفريقية بجـامعـة لندن .

في العام 1982 حصل على الجنسية الأميركية، وظل أستاذاً لدراسات الشرق الأدنى بجامعة برنستون حتى تقاعد رسمياً عام 1986 عند بلوغه سن السبعين، لكنه أصبح منذ ذلك التاريخ أستاذاً فخرياً Professor Emeritus   وهو مركز لا يشغله إلا العلماء البارزون. ولكنه يحتل ، في الحياة الأكاديمية،  موقعاً مؤثراً باعتباره -على حد تعبير تولسون- "حجة ومرجعاً في الشؤون الإسلامية والشرق أوسطية لا غنى عنها لصانع القرار الأميركي". 

يحاجج لويس بأن هجمات 11 أيلول2001  برهنت على الخطر على الغرب في حال "حصول الارهابيين الاسلاميين على أسلحة الدمار الشامل" من العراق أو سورية أو ايران. وركز في نداءاته الى الادارة وفي عدد من المقالات على أنه لا يمكن للولايات المتحدة "اظهار الضعف تجاه العرب والمسلمين".  وفي حـديث لمجلـة " ذا نيويوركر" في نيسان ابريل  الماضي أشار مسؤول أميركي الى أن لويس "بـدد المخاوف" من اثارة غضب الشارع العربي بالقول: "لا شيء مهماً في ذلك الجزء من العالم سوى الارادة الحازمة والقوة ."

وفي مؤتمر بعنوان "اليوم التالي: التخطيط لعراق ما بعد صدام" نظّمه معهد "أميركان انتربرايز" American Enterprise Institute اليميني في 3 تشرين الأول  ، 2002 مفتتحا به سلسلة من الندوات عن الموضوع، طرح بيرنارد لويس نظريته القائلة بأن "معارضة التدخل العسكري الأميركي يعني رفض الديموقراطية في المنطقة ." [كــذا...!!]

أثبت لويس قدرة كبيرة بين أترابه من المستشرقين المحدّثين. كما كشف عن موسوعيةٍ هائلة في البحث، وجمع مواد التاريخ في العالمين العربي والإسلامي. فلقد اختار المناسب منها للفكرة المطروحة والمعالَجة، ثم قام بتشريحها وتحليلها وتقديمها للقارئ الغربي كمادة ثقافية جذابة ، وذلك بأسلوبٍ من العرض المثير والمنطق الجذاب واللغة المبسطة، أو "التبسيطية" كما يتهمه ناقدوه، محاكياً بذلك العقـل والغريزة معاً ، وجامعاً أحداث الحاضر والتاريخ في حزمة واحدة، وهو ما عجز عـنه، أو لم يتجرأ على مقاربته، البحاثة الآخرون من قبله. فقد فهِم لويس منذ أن وفد إلى الولايات المتحدة، وربما كان ذلك من أسباب قدومه إليها أيضاً، أن الأفكار والمبادئ التي تنتجها النخب الفكرية، بذهنية ولغة أكاديمية نخبوية صافية، غير قادرة، على الأقل في المجتمعات الديموقراطية الحرة، على التأثير العميق والسريع في الثقافة العامة وصناعة الرأي، وبالتالي في صناعة القرار.

يقع بيرنارد لويس في التبسيط الفج عندما يردد ان المسلمين "يكرهون اميركا لما تمثله من قيم ونمط حياة" ... وما ان اندلعت الحرب الاميركية ضد العراق حتى خرج لويس بكتاب جديد  The Crisis of Islam: Holy War and Unholy Terror  "أزمـة الاسلام : حرب مقدسة وإرهاب غير مقدس"‏ مستفيدا من تهليل الصحافة الغربية لكتابه‏ What Went Wrong "مـاذا كان الـخطـأ ؟‏ :‏ التاثير الغربي واستجابة الشرق الاوسط" الذي نشره عقب أحـداث ‏11‏ أيلول ‏2001‏ ثم الحرب الاميركية ضـد افغانستان‏.‏ 

في ‏ "أزمة الاسلام‏" يعاود بيرنارد لويس الاجابة علي السؤال الذي لم يزل يردده الاميركيون منذ احداث‏ 11 أيلول  وهو‏:‏ "لماذا يكره المسلمون أميركا ؟"... 

وفي اجابته يستنسخ لويس كتاباته القديمة‏، فهو من استبق صاموئيل هانتنغتون في التأصيل التاريخي لمقولـة "‏ صدام الحضارات".‏ 

فكتاب‏  The Clash of Civilizations" صدام الحضارات" لهانتنغتون سبقه كتاب ‏ Cultures in Conflict "‏ ثقافات متنـاحرة"‏ للويس، بل ان هانتنغتون اعترف بانه اعتمد على المادة التاريخية التي كتبها لويس عن الصراع بين الاسلام والغرب‏.‏ واذا كانت هناك من أهمية لكتاب لويس هـذا،‏ فهي أن اجاباته على السؤال الذي يطرحه الأميركيون‏"لماذا يكرهوننا ؟" تصلح كاجابات على سؤال المسلمين‏:‏ "‏ لماذا تحاربنا اميركا ؟"

وفي كتابه "أزمـة الإسلام‏:‏ حرب مقدسة وإرهاب غير مقدس‏" يشير لويس الى أن الرئيس جورج بوش والزعمـاء السياسيين الغربيين "تكبدوا كثيرا من العـناء لتوضيح ان الحرب التي التي يشنونها هي "حرب ضد الارهاب وليست حربا ضد العرب" كما انها "ليست حربا ضد المسلمين" الذين شاركوا الغرب "الصراع ضد عـدو مشترك"‏.‏ ويعود بيرنارد لويس الي شريط فيديو نسب الى أسـامة بن لادن وتم بثه في‏7‏ تشرين الأول‏2001 عندما تحدث عن‏" الذل والهوان" الذي يتعرض له المسلمون منذ اكثر من‏80‏ عاما ، أي منذ سقوط الخلافة الاسلامية بعد هزيمة الامبراطورية العثمانية عام ‏1918 ‏ وتقسيمها بين بريطانيا وفرنسا‏.‏ 

يلخص بيرنارد لويس‏ (‏ للقارئ الغربي والأميريكي خصوصا‏)‏ تاريخ الخلافة الاسلامية خلال‏13‏ قرنا‏،‏ و"الصراع بين الاسلام والغرب‏ المسيحي‏" ،‏ ثم يعود الى ‏23‏ شباط ‏1998‏ وهو تاريخ اعلان بن لادن عن تاسيس‏" الجبهة العالمية الاسلامية للجهاد ضد اليهود والصليبيين‏".‏ ويتوقف بيرنارد لويس عند مبررات الجهاد عند بن لادن وهي:

أولا‏-‏ ان الولايات المتحدة تحتل الاراضي المقدسة في الجزيرة العربية‏.‏ 

ثانيا‏-‏ ان الولايات المتحده تقوم بتدمير الشعب العراقي من خلال العقوبات والعمل العسكري لاذلال الشعوب الاسلاميه المجاورة‏.‏ 
ثالثا‏-‏ بالرغم من أن أهداف الولايات المتحدة من الحروب ضد المسلمين هي أهداف دينية واقتصادية‏،‏ الا انها تخدم ايضا الدولة اليهودية‏.‏ 

وهذه الجرائم ‏( الوجود الاميركي في جزيرة العرب‏،‏ تدمير العراق وخدمة اسرائيل‏ )‏ اعتبرها بن لادن بمثابة "اعلان واضح من الاميركيين للحرب ضد الله ورسوله والمسلمين‏".‏ اما الاميركيون‏ -‏ كما يشير بيرنارد لويس‏ -‏  فقد اعتبروا اعلان بن لادن "تشويها للحقائق" حول طبيعة وهدف الوجود الأميركي في الجزيرة العربية‏،‏ فهم يعرفون ان القوات الاميركية وجدت هناك "لتحرير الكويت من الاحتلال العراقي ولحمايه موارد البترول".‏ ويشير لويس الى أن القرآن قد تحدث عن السلام كما تحدث عن الحرب‏،  كما ان "هناك الكثسير من التفسيرات للأحاديث [ النبوية]".‏ وفي النهايه فان التفسير المتشدد الذي يبرر العنف ليس الا أحد تفسيرات الدين الاسلامي‏.‏ 

ومن هنا يتوصل بيرنارد لويس الى انه اذا كان بن لادن والمتشددون الاسلاميون يعتبرون الحرب ضد الاسلام حربا مقدسة، فهي ليست كذلك لانهم "قلة تجعل الارهاب غير المقدس مقدسا" ، ولذلك فان الحرب التي يشـنـهـا الغرب‏ (‏ وفي مقدمته اميركا‏)‏ هي "حرب ضد الارهابيين‏".‏ وفي هذه الحرب‏،‏ من المهم فهم دوافع الإرهابيين‏.‏ 

"عـالـم الاسلام"
يحاول بيرنارد لويس في هـذا الكتاب The World of Islam: Faith، People، Culture
" عالم الإسلام: إيمان وشعوب وثقافة" تعريف القارئ الغربي عموما بالاسلام...‏ وبعـد أن يؤكـد صعوبة "التعميم"‏ حول الاسلام‏،‏ يقدم معـنيين للاسلام اولهما الاسلام كدين اي كنظام للايمان والمعاملات‏،‏ وثانيهما الاسلام كحضارة نمت وازدهرت في كنف هذا الدين .

ويثني لويس علي الاسلام باعتباره دينا عظيما "يعطي كرامة ومعـنى للحياة الانسانية"‏،‏ ويقوم على "المساواة والاخوة بين الناس من مختلف الاعراق‏".‏ كما انه دين كان "مـصـدر إلـهـام لحضارة عظيمة" عاش في جنباتها غير المسلمين الي جانب المسلمين في جو من التسامح‏،‏ وأغـنت بانجـازاتهـا الحضاريـة العالم ‏.‏ لكن الاسلام‏،‏ عند لويس، عرف فترات" سيطر فيها على‏ بعض‏‏ اتباعه مزاج الكراهية والعنف" الذي توجه نحو الغرب‏.‏ وهنا تبدو "المشكلة" ،  اذ أن العـديد من المسلمين يشاركون الغرب معتقداتة الثقافية والاجتماعية والسياسية ... كما ان التاثير الغربي‏-‏ ثقافيا واجتماعيا وسياسيا ـ منتشر في العـديد من الـدول الاسلامية  التي يعتبر بعضها حليفا للغرب‏.‏ 

ويرى بيرنارد لويس أن  ثمـة " صعودا للكراهية يربك الاميركيين"‏.‏ وهذه الكراهية‏،‏ تـتـجـاوز مستوى العداء لسياسات ولمصالح ولاعمال وحتى دول غربية الى مستوى يرفض الحضارة الغربية "ليس لما تفعله وانما لما تمثله من مبادئ وقيم" تجعلها‏ "عدو الله"‏ ولتصبح اميركا‏ "الشيطان الأكبر"‏ كما قال الخميني‏.‏ 

يتطرق الكتاب الى السؤال الرئيس الذي يمثل اهتمام صانعي القـرار في الغرب وهو‏:‏ "هل يشـكل الاسلام تهديدا للغرب ؟" ويجيب بيرنارد لويس بأنـه بعد انـهيـار الاتحاد السوفيتي ظهر تيـار فكري يعتبر أن الاسلام هو "التهديد البديل للغرب ولـنمـط الحياة الغربية"‏.‏ وهناك تيار فكري آخر يعتبر أن  الاسلام‏ (‏ وضمنه الإسلام الاصولي المتشدد‏)‏ "دين سلام" ‏،‏ وان الغـرب عندما اعتبر الاسلام تهديدا فـذلك لانه كانت لدى الغربيين حاجة نفسية لعـدو يحل محل الاتحاد السوفيتي السابق‏.‏ 

ويرى بيرنارد لويس ان كلتا المدرستين "خاطئة ولو أصابت بعض الحقيقة"‏.‏ فالاسلام ليس عـدوا للغرب‏،‏ وهناك أعداد متزايدة من المسلمين هنا وهناك‏،‏ "لا ترغب في شئ اكثر من الاقتراب من علاقات صداقة مع الغرب" ، ومن تطوير مؤسسات ديمقراطية في الـدول الاسلامية‏.‏ ولكن هناك عددا صغيرا من المسلمين‏،‏ يعادون الغرب ويمثلون خطرا ليس لان الغرب يحتاج الى عـدو‏،‏ ولكن لأنهم " عـدو‏ مبين".‏ 

في السنوات الاخيرة‏،‏ طرأت بعض التغيرات في "التكتيك" لدى المسلمين‏.‏ فبعضهم ما زال يعتبرالغرب ( واميركا بشكل خاص) ‏ كما كان دائما عـدو الاسلام و"العقبة التي تحـول دون عودة الاسلام وتطبيق الشريعة الاسلامية  ونشر الاسلام في كافـة أرجـاء العالم‏".‏ ولهؤلاء ليس هناك من طريق الا "الجهاد في سبيل الله حتى النصر او الشهادة..." ولكن هناك مسلمين آخرين ظلوا "مسلمين ملتزمين " ويولون اهتماما بالمجتمع الغربي الحديث وانجازاته في العلوم والتكنولوجيا والديمقراطية‏،‏ و"يريدون مشاركة الغرب في عالم افضل"‏.‏

وهكذا يصل لويس الى أن ثمـة مسلمين معادون للغرب وآخرين متوافقون مع الغرب‏،‏ وان حرب الغرب بقيادة الولايات المتـحـدة  هي "حرب ضد من يتبنون‏ العنف المقدس"‏ ضد الغرب‏،‏ فهو "عـنف غير مقدس الا في التفسيرالأصولي للاسلام"‏.‏ 

وفي محاولة للتمييز بين "الاسلاميين الارهابيين"  و"اتباع الاسلام"‏،‏ يخصص لويس الفصل الثاني من الكتاب لموضوع الجهاد تحت عنوان‏" دار الحرب‏".‏ يقول بيرنارد لويس أن جذر كلمة جهاد في اللغة العربية هو الفعل‏ (‏ جـَهـَدَ‏)‏ بمعنى عانى أو بذل جهدا . وقد ارتبطت هـذه الكلمة في النصوص الاسلامية التقليدية بالمعاناة والصراع والقتال في سبيل الله‏.‏  

وعلى الرغم من أن الاسلام قد قسم العالم الى "دار الاسلام"‏ حيث شرع الاسلام‏،‏ و"‏ دار الحرب" التي يتوجب فيها الجهاد لنشر دين الله‏،‏ فان الجهاد لم يكن بالضرورة او بالالزام من خلال العنف والحرب‏.‏ فالتسامح الديني واجب شرعي اسلامي وليس مجرد ميزة : "لا اكراه في الدين" ، "لكم دينكم ولي دين" ، " من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر‏".‏ 

وفي الاراضي الخاضعة للحكم الاسلامي‏،‏ أقر الاسلام حقوق المسيحيين واليهود في ممارسة شعائرهمــ وفي تصرفهم في امورهم مقابل دفع الجزية التي كانت تحصل منهم لانهم لا يشاركون في الحرب‏.‏ وبالتالي فان "دار الحرب" ‏-‏ كما يشير لويس‏ -‏ كانت "دار المشركين وليس دار المسيحيين واليهود"‏.‏ كما ان دار الحرب لم تكن تتضمن اهل العهد اي غير المسلمين ممن تعاهد معهم المسلمون ولم يمنع الجهاد تحالف المسلمين مع غير المسلمين حتى خلال الحروب الصليبية‏.‏ ومرة اخرى‏،‏ فاننا امام مشكلـة التفسير الاصولي الذي حدد الجهاد في القتال ضد المسيحيين واليهود‏،‏ وهو التاويل الذي "لا تاخذ به اغلبية المسلمين وانما ياخذ به الارهابيون".‏ 

وفي الفصل الثالث من الكتاب يشير بيرنارد لويس الى ان الحملات الصليبيىة ما زالت ماثلة في خطاب العرب والمسلمين خصوصا بين القوميين العرب والاسلاميين الاصوليين وفي مقدمتهم بن لادن‏.‏ ففي الخطاب العربي القومي والاسلامي الاصولي كان احتلال الصليبيين للقدس عام‏1099‏ "انتصارا للغرب المسيحي ومأساة عربية اسلامية"‏.‏ 

وبالمثل فان استرداد المسلمين للقدس ما زال "حدثا ملهما لتحرير فلسطين‏"،‏ كما ان صلاح الدين الذي استرد القدس عام‏1187،‏ اي بعد ‏88‏ عاما‏،‏ ما زال "ملهما للقوميين العرب والاسلاميين الاصوليين في التعامل مع الغرب المسيحي والدولة اليهودية"  في الصراع الحالي‏.‏ كما ان الحملة الفرنسية علي مصر في نهايه القرن الثامن عشر‏،‏ كانت "امتدادا للحروب الصليبية" ، وكان الامبرياليون "امتدادا للصليبيين‏".‏ 

ويتوصل بيرنارد لويس الى انه "ايا كانت الجوانب السلبية والايجابية للاستعمار الغربي للشرق الاوسط‏،‏ فان العرب والمسلمين تحالفوا مع المانيا النازية والاتحاد السوفيتي الشيوعي برغم انهما كانتا قوتين امبرياليتين"‏.‏ فالحاج امين الحسيني مفتي فلسطين‏،‏ ورشيد عالي الكيلاني‏،‏ وانور السادات "إنحازوا للنازي وللمحور ضد الحلفاء‏".‏ وفي مرحلة الاستقلال الوطني‏،‏ اصبحت مصر وسوريا والعراق واليمن وليبيا والسودان والجزائر "دولا حليفة للاتحاد السوفيتي في الحرب الباردة ضد الغرب‏‏ الامبريالي‏‏ بقيادة الولايات المتحـدة "

 

"حضارة بدون ثقافة" 

وفي فصل بعـنوان‏ "اكتشاف اميركا‏"‏ يفسر بيرنارد لويس عـداء القوميين العرب والاسلاميين لأميركا، فيزعم أن أحـد مكونات ظاهرة العداء لاميركا هو "المؤثرات الثقافية الاوروبية"‏،‏ وأول هذه المؤثرات هو المؤثر الألماني الذي تضمن "رؤية سلبية" لأميركا ، كما وردت في كتابات رينير ريلكة ، واوزوالد شبنغلر‏،‏ وارنست جنجر، ومارتن هدغر التي صورت اميركا على انها مثال لـ "حضارة بدون ثقافة"‏،‏ غنية ومريحة ومتقدمة تكنولوجيا ولكنها "بلا روح واصطناعية"‏،‏ وهي نتيجة "تجميع أو تركيب في أحسن الأحوال" وليست نتيجة نمو طبيعي‏،‏ "ميكانيكية وليست عضوية‏"،‏ و"تفتقر الى حيويه الثقافات الانسانية" المتجذرة لدى الألمان وغيرهم من الشعوب القومية‏.‏ 

ويقرر لويس أن هذه الفلسفة الالمانية "نالت اعجاب العـديد  من المثقفين والسياسيين العرب"‏.‏ ويزعم أن الحركة النازية كان لها "تأثير واضح في مؤسسي حزب البعث" في سوريا والعراق...‏.‏ ولكن زوال التاثير النازي‏،‏ بعد الحرب العالمية الثانية‏،‏ تلاه التاثير السوفيتي‏-‏ الشيوعي الذي "أمدَّ القوميين والاسلاميين العرب بزاد جديد في معاداة اميركا‏".‏ 

وفي الفصل الخامس من الكتاب"الشيطان والسوفييت" يشير لويس الى مكون آخر من مكونات العداء لاميركا ، فهو يقـر بأولوية القضية الفلسطينية كـ "مكون لظاهرة العداء ضد اميركا" في العالم الاسلامي‏،‏ ولكنه يحاجج بأن العرب والمسلمين "تعاطفوا مع النازي بالرغم من أن النازية هي التي قادت الى قيام اسرائيل كحل للمسألة اليهودية" [كــذا!!]‏.‏ 

ويحاجج لويس بأن الاتحاد السوفيتي الذي تحالفت معه النظم القومية و"فتحت أراضيها لقواعـده" هو الذي لعب الدور الأهم في قيام اسرائيل حيث انه هو الذي "حشد الأغلبيه في الجمعية العامة للامم المتحدة" للتصويت لاقامة دولة يهودية في فلسطين‏،‏ و"اعترف بها فور اعلانها" ، في حين أن الولايات المتحده ظلت "مترددة" وظلت "تفرض الحظر علي توريد السلاح" لاسرائيل ، بينما أمــدّ الاتحاد السوفيتي ـ عبر تشيكوسلوفاكيا ـ اسرائيل بالأسلحـة  اللازمة لبقائها‏.‏ كما ان الولايات المتحده ظلت تتبني تعاملا حذرا ومحدودا مع اسرائيل في العقد الاول من قيامها‏،‏ وهي التي بادرت لاجبار اسرائيل وفرنسا وبريطانيا للانسحاب من سيناء بعد حرب السويس عام ‏1956.‏ وكانت فرنسا هي التي ساعدت اسرائيل في اقامة برنامجها النووي، ‏ كما كانت فرنسا وغيرها من الدول الاوروبية هي المصدر الرئيسي لتسليح اسرائيل حتى حرب‏ حزيران 1967‏ ‏.‏ 

وعلى الرغم من ذلك ـ يقول لويس ـ  كان نصيب اميركا "الكراهية والعداء من العرب والمسلمين".  والسبب في هـذه الكراهية ، في رأي لويس ليس انحياز اميركا لاسرائيل او المطامع الاميركية في الشرق الأوسط ‏،‏ وانما "توافق الأنظمـة العربية مع النظام الستاليني‏،‏ وتعارضها مع كل ما تمثله اميركا من قيم"‏.‏ وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي والهزائم العسكرية التي منيت بها الدول العربية والفشل الذي منيت به اقتصاديا تحالفت بعض الدول العربية مع اميركا‏.‏ 

وفي الفصل السادس ، وتحت عنوان‏" المعايير المزدوجه‏"،‏ يؤكد بيرنارد لويس أن أحد مكونات الغضب الاسلامي ضد اميركا هو" تحالفها مع نظم قمعـية في العالم الاسلامي"‏ ،‏ ويرى لويس ان "مأزق" أميركا هو اتهامها بالتحالف مع حكام مستبدين ثم اتهامها بالامبريالية ان تدخلت من اجل تغيير النظم الاستبدادية مثلما حدث مع تغيير نظام صدام‏.‏ 

وفي الفصل السابع‏‏ يرصد مكونا اخر للغضب الاسلامي ضد اميركا وهو‏" الحداثة الفاشلة"‏ في العالم الاسلامي حيث يرجع الاسلاميون أسباب تخلفهم وضعفهم الى اميركا بدعوى تدخلها في شؤون بلادهم واعاقـتها لـ "عـودة الاسلام كنمط للحياة وكنظام سياسي واقتصادي واجتماعي‏".‏ 

وفي الفصل الثامن يركز لويس علي "التزاوج بين الأصولية والثروة النفطية" في دول الخليج‏،‏ كأحد مكونات الغضب الاسلامي وتوجيهه الى داخل اميركا عبر تنظيم القاعدة بزعامه ..‏.‏ وفي الفصل التاسع والاخير من كتابه‏ "أزمـة الاسلام" يخلص بيرنارد لويس الى القـول بأن‏ "معظم المسلمين ليسوا أصوليين ومعظم الأصوليين ليسوا ارهابيين" ،  ولكن معظم الارهابيين‏ هم "مسلمون ويحددون هويتهم هكذا اي كمسلمين‏" ، فـقد "حددوا هويتهم بأنهم مسلمون" وقدموا "تبريرا دينيا لأعمالهم الارهابية من نصوص القرآن والسنة النبوية"‏...

وينهي بيرنارد لويس كتابه بان "الارهابيين الاسلاميين" و"الأنـظمـة المارقـة"‏،‏ يعتبرون اميركا زعيمة لدار الحرب‏،‏ والشيطان الاكبر وتنشر نمط حياه نفعيا وماديا ومنحلا يمثل اكبر تهديد لنمط الحياة الاسلامي وللاسلام نفسه‏.‏ "واذا اقتنع المسلمون بتلك النظرة فان مستقبلا مظلما ينتظر العالم وخصوصا الجزء الاسلامي منه"‏.‏ فهل تحاربنا اميركا لانها تعتقد أننا نكرهها؟ 

يبدو أن بيرنارد لويس ينسى (أو لعلـه يتناسى) ان الحروب التي تشـنهـا الولايات المتـحـدة ضد "الدول المارقـة" والتنظيمات "الارهابية"  لن تنهي الكراهية التي يكنها بعض المسلمين والغضب من سياستها...

وليس ثمة شك في أن نار الغضب الاسلامي ضد اميركا يؤججها غياب حل عـادل ودائم لقضيـة فلسطين والأسلوب المتعـالي والمتغطرس الذي تتعـامل به الولايات المتحـدة مع بليون مسـلم . ‏ لكن بيرنارد لويس يستنسخ كتاباته السابقة في"الصراع بين الاسلام والغرب‏" بتبسيط مخل برغم أستاذيته‏،‏ وبتعميم فـجّ برغم وعـده ، منذ السطر الأول في الفصل الأول ، بتجنب التعميم حول الاسلام‏ .‏ وهو وان حاول التمييز بين "أقلية أصولية" وغالبية المسلمين‏،‏ الا انه عندما تحدث عن الغرب كان يميزه بالاسلام كنقيض له ليصبح الاسلام كتلة واحدة في مواجهه الغرب ككتلة أخرى‏ ،‏ وليصبح حديثه نسخة ممجوجـة عن تصريحات جورج بوش عنـدما يصرح :"‏ نحن‏ وهم‏" و"من ليس معنا فهو ضدنا‏".‏ 

وربما يرجع التبسيط والتعميم الى أن الكتاب هو تجميع لعـدد من المقالات كتبت تحت ضغط الأحداث ونشرت في مجلات Foreign Affairs‏ "‏ فورين أفيرز"‏ وAtlantic Monthly‏ "أتلانتك مانـثـلي‏"‏ و‏‏The New Yorker "ذا نيويوركر"‏ لاشباع نهم القارئ الاميركي بعـد احداث‏11‏ أيلول 2001 وحرب افغانستان وقبيل حرب العراق‏.‏ 

وعلى الرغم من تقليلـه من أهمية القضية الفلسطينية كمكون أساسي للغضب الاسلامي‏،‏ بيـد أنـه كان مُحقا في القول بأن القاء مسؤولية ضعف المسلمين وتخـلفـهـم على اميركا واسرائيل "لا يعفي المسلمين من مسؤوليتهم" ‏.‏ 

وبعــد؛

إن أسوأ ما في كتابThe Crisis of Islam  هـو اضفاء صفات سرمدية علي المسلمين مثل "النظر الى الآخر باعتباره كافرا‏" ،‏ و"الافتتان بالاستبداد والنازية" ‏،‏ وكراهية اميركا لـ "ما تمثله من نمط حياة وقيم‏" ،‏ وتبني" الحرب المقـدسـة" ،‏ وان كان بعض المسلمين يتبني مثل تلك الافكار والممارسات‏.‏ ‏

إن قراءة  مؤلـفـات لـويـس واجبٌ على كل مثقف عربي، ذلك أنها نموذج للكتب التي تحتوي على قدر كبير من المعلومات الصحيحة في تفاصيلها الصغيرة،  وفي الوقت نفسه فإنها مُغرضة في مدلول رسالتها العامة.

إن كتباً من هذا النوع تصدر في إحدى أبرز عواصم الثقافة في "العالم الحر"، وتطبع عـدة طبعات، تجعلنا نترحم على المفكرين من أمثال إرنست رينان Ernest Renan الذين صنـَّـفـوا الجنس البشري إلى "سامي لا يُحـسن التجـريد" و"آري يمتلك الـقـدرة على التجـريد"، وعلى شطب الآخرين من سجل الحضارة الإنسانية!! وأعتقد بأن هذا النوع من الكتب بالذات هو الذي علينا مواجهة الكثير منه في المستقبل القريب.

 

* كـاتب وأكـاديمي فلسـطيني مـقـيـم في السـويـد.