برعمٌ..إنكسَرَ قبل أن يزهر

محمد المحسن*

 
إلى روح عبد المجيد المؤدب أصيل محافظة تطاوين بالجنوب الشرقي التونسيـ ذاك الذي حلقت روحه في الآقاصي نورسا للعناق الوجيعـ بعد أن إستردّ شقيقه صلاح الذي أنهكته الدروب القصية، برحيله حقه في البكاء.
  
اقتادتك- لموت- يا عبد المجيد-من يد روحك إلى فردوس الطمأنينة، بل ربما إلى النقيض.
لكن الأبناء البررة يولدون مصادفة في الزّمن الخطأ، ويرحلون كومضة في الفجر، كنقطة دم، ثم يومضون في الليل كشهاب على عتبات البحر
أخي..يا إبن أمي وأبي ويا مهجة روحي:
منذ رحيلك وأنا أحاول مجاهدا تطويع اللغة، ووضعها في سياقها الموازي للصدمة..للحدث الجلل.إننّي مواجه بهذا الإستعصاء، بهذا الشلل الداخلي لقول الكلمات الموازية، أو المقاربة لرحيل القمر والدخول في المحاق.
لكن الدّمع ينهمر نزيفا كلّما انبجس- عطرك -من منعطفات الثنايا..بل من أزقة باريس..تلك العاصمة التي إلتهمت الكثير من مجاييلك ممن ركبوا زوارق الموت، بحثا عن رغيف دسم في الضفة الجنوبية من المتوسط.
ماذا تعني كلمات أو مفردات: منكوب أو مفجوع أو مدمّى أو منكسر؟
لا شيءسوى الفراغ الذي كنت تملأه في ما مضى. يتسع بك ويضاء بالبهاء الإنساني والغنى الروحي الحزين جراء فساد العالم وخرابه.
الآن بعد رحيلك- القَدَري- أعيد النظر في مفاهيم كثيرة، ربما كانت بالأمس قناعات راسخة، الآن تبدو لي الحياة بكل مباهجها كأنّها مهزلة وجودية مفرغة من أي معنى سوى الألم والدموع.
عبد المجيد
الزّمان الغض،المضاء بشموس النصر والتحدي.الزمان المفعم بإشراقات القصيد، ما قبل إدراك الخديعة، بغتة الصدمة وضربة الأقدار.
تطاوين الجاثمة على تخوم الجرح ترثيك. فرحة هي النوارس بمغادرتك عالم البشر إلى الماوراء حيث نهر الأبدية ودموع بني البشر أجمعين.
أنت الآن في رحاب الله، بمنأى عن عالم الغبار والقتلة وشذّاذ الآفاق، والتردّي إلى مسوخية ما قبل الحيوان.
نائم هناك على التخوم الأبدية، وروحك تعلو في الضياء الأثيري، طائرا أو سمكة أو سحابة أو لحنا في موسيقى. لقد غادرت المهزلة الكونية للعبور البشري فوق سطح الأرض.
في الزمان الحُلمي،كما في رؤيا سريالية، سأحملك على محفة من الريحان، بعد تطهيرك بمياه الوديان، من مصبات الأنهار والمنحدرات الصخرية بإتجاه البحر..سيسألني العابرون :إلى أين؟
في السماء نجمة أهتدي بها.أعرفها .تشير دوما إلى الجنوب. أنت أشرت إليها ذات غسق وهي الآن فوق- مقبرة قرية الرقبة الشامخة- تضيئ القبور بلمعانها المميز عن بقية الكواكب.وهي تشير كذلك إلى المرقد والمغيب فوق أفق البحر في أواخر المساءات.أحملك نحوها لتغطيك وتحميك بنورها الأسطوري لتدخل في ذرّاتها وخلودها الضوئي.
قبل هذا الإحتفال الأخير سأطوف بك حول أزقة- وشوارع مدينة تطاوين تلك التي أحببتها،حيث يرثيك أبناء حييك ومجاييلك من الفتيان أمثالك بدمع حارق يحزّ شغاف القلب..
يسألني العابرون أو أسأل نفسي: هل محاولة إستعادة نبض الحياة الماضية يخفّف من وطأة صدمة الموت؟..لا أعرف شيئا.
عندما تبهت الأيّام، وتنطفئ في عين النّهار إبتسامة حاولت كثيرا أن أغذيها بدمي، يتعالى صراخ من هنا، أو نحيب من هناك، وتتوالد حول الأحداق أحزان كثيرة وعابثة الشعور، تذكّر أنّ الإنتهاء قد اقترن بكل شيء.
في عمق اللجة استقرّ عبد المجيد بعد أن ركب قارب الموت أملا في غد مشرق في الضفة الجنوبية للمتوسط - مات عبد المجيد المؤدب- بكل حتمية.. مات وهو يتوسّد أحلامه وآمانيه.
لقد تجرّأ الموت وسأل - شقيقي عبد المجيد-لماذا يعيش؟! ولا بدّ أن يكون المرء سخيفا ليسأل الموت عن علاقته بشقيقي.غير أنّي صرت سخيفا لحظة من زمن.
وفي تلك اللحظة عندما نظرت إليه يستلقي في استقرارة أبدية بلا عيون،سألت لماذا تنكسر البراعم قبل أن تزهر. ولماذا تولَد مصادفة في الزّمن الخطأ، وترحل كومضة في الفجر، كنقطة دم، ثم تومض في الليل كشهاب على عتبات البحر ؟!
وأدركت أنّ السؤال قدريّـ ، وأدركت أيضا أنّ الدموع لا تمسح تراب الأسى. إلا أنّ الألحان العذبة التي عزفها لي شقيقي عبد المجيد عبر رحلة لم تكتمل،.ستظل تحلّق في الأقاصي ويتغنى بها القادمون في موكب الآتي الجليل.
وهذا عزائي في المصاب الجلل.
(الصورة للشاب الراحل عبدالمجيد المؤدب).
 
* شاعر، ناقد وإعلامي تونسي.