باية محيي الدين رسامة جزائرية أعجب بها بيكاسو واحتفى بها غوغل

احتفي محرك البحث الأشهر #غوغل الأربعاء 12 ديسمبر،

بالذكرى الـ87 لميلاد #الفنانة_التشكيلية الجزائرية #باية_محيي_الدين التي أصبحت واحدة من أشهر الرسامين في العالم، رغم أنها لم تدخل المدرسة، وبدأت الرسم قبل أن تشاهد أي معرض فني، لتصنع بذلك تجربتها بفطرة وبراءة وتلقائية طفولية تشهد عليها أعمالها، مما جعلها تؤسس مدرسة جديدة في الفن التشكيلي الجزائري والعربي هي مدرسة الفن البدائي.

صفات عدة رسمت شخصيتها.. البساطة، العفوية، الحس المرهف، الخجل وشيء من الانطوائية، فضلا عن التميز والإبداع ولمسة حظ وصدفة قادتها لتكون واحدة من بين أهم الشخصيات في العالم.

اسمها الحقيقي فاطمة حداد، وتعرف باسم "باية محيي الدين"، ولدت في 12 ديسمبر 1931 في برج الكيفان بضواحي العاصمة الجزائر.
كانت حياة باية، وفق ما قرأته وجمعته "العربية.نت" من عدة مصادر أرشفت لحياتها، بائسة كأي فتاة يتيمة الوالدين ترزح تحت سلطة احتلال، فقيرة ومحرومة، تعيش مع جدتها التي تعمل في حقول يسيطر عليها المستعمرون الفرنسيون.
 
صدفة صنعها الطين
بيد أن هذا البؤس انتهى بصدفة وهي في ربيعها الثاني عشر، كانت ترافق جدتها في العمل، بينما كانت أخت صاحب المزرعة الفرنسية مارغريت كامينا، تجلس في الشمس تتابع الفلاحين، فلاحظت الطفلة (باية) وهي تلهو بالطين وتشكل به تحفا فنية، أعجبت كامينا بالفتاة، واصطحبتها معها إلى بيتها بالجزائر العاصمة لتساعدها في أعمال البيت، ولتعتني بموهبتها، ثم تبنتها في ما بعد.
في بيت مارغريت كامينا، وجدت باية الفرصة كاملة لتتعرف على عالم جديد، هو في الحقيقة عالمها الذي كانت تبحث عنه ربما لا شعوريا، ففي هذا البيت كان الفن يسيطر على كل جوانبه، مارغريت فنانة ترسم على الحرير، وتقوم بعمل المنمنمات، وزوجها فنان إنجليزي يرسم البورتريه.
ولجت الفتاة الصغيرة هذا العالم وانبهرت به، حيث وجدت فيه ضالتها من تشجيع وأقلام وفرش وألوان، عادت الطفلة إلى حكايات الجدة في الحقل، وما صنعته في خيالها من أشكال لحيوانات وأزهار وشخوص وعصافير، لم تستطع الفتاة المقاومة فاستغلت الفرصة ورسمت أولى لوحاتها خلسة، معتمدة على حكايات جدتها، حين اطلعت أمها بالتبني (مارغريت) على الرسومات وانبهرت وشجعتها.
حتى هذه الفترة كان اسمها ما زال فاطمة، غير أنه مع انتشار فنها وشهرتها لقبت بباية، وهو نسبة إلى "باي" على غرار "داي"، وهو رتبة تركية كانت تمنح لحكام الولايات أثناء الحكم العثماني للجزائر، ولقبت بهذا اللقب لما ظهر من موهبة لدى الطفلة بأنها ستكون باية الرسم الجزائري.
 
من الريف إلى باريس
سنة 1947، كانت باية قد وصلت إلى السادسة عشرة من عمرها، وأصبحت تحتل مكانة لافتة في الفن التشكيلي الجزائري، في هذه الفترة زار الجزائر تاجر الفن الفرنسي والنحات والمنتج السينمائي، إيمي ماغ، وقدم له الرسام جون بايريسياك، صديق عائلة (مارغريت) أعمال باية الفنية فانبهر بها، ووجدها تتميز عن غيرها بالبدائية والعفوية، وفي نفس العام نظم ماغ لباية أول معرض بمؤسسة ماغ الفنية في باريس، ودعمها الشاعر السريالي الفرنسي أندري بروتون بكتابة مقدمة في مطوية خاصة بمعرضها، وكتب عنها الأديب ياسين كاتب وغيرهما.
بعد أقل من عام على معرضها الأول دعاها الرسام الإسباني العالمي بابلو بيكاسو إلى ورشته بجنوب فرنسا، لتقضي عدة أشهر رفقته، وأنجزت تحفا فنية من الفخار، ورسمت العديد من اللوحات التي من بينها لوحات "السيراميك" الشهيرة.
 
لقاؤها ببيكاسو
أعجب بيكاسو بفن باية وألوانها الزاهية، وتعاونا في إنجاز عدة تحف جميلة، ولم يكن بيكاسو وحده الذي أعجب بأعمالها، ففي باريس انفتحت أمامها آفاق واسعة، وأصبحت وجها بارزا للفن المعاصر الجزائري والعالمي، هناك التقت جورج براك، وهو من مؤسسي المدرسة التكعيبية، وكتبت عنها مجلة "Vogue الفرنسية ونشرت صورتها، واعترف بها الوسط السوريالي.
رغم أنها تركت الجزائر في سن صغيرة إلا أنها كانت عنصرا مؤثرا في جميع أعمالها، ويظهر ذلك في اعتمادها على عناصر بيئتها الريفية في أعمالها ،كالأزهار والأشجار ودوالي العنب والمزهريات، وكذلك النساء اللاتي يتميزن بأزيائهن الجميلة الزاهية، ووجوههن التي تشبه المسرح لا يخفي علامات الخجل والفرح.
وقد أغرم بيكاسو برسومات باية بشكل يفوق الوصف، وطلب منها العمل معه في اتولييه السيراميك، لم ترد باية إغضاب بابلو رغم أنها لم تكن مقتنعة بفن السيراميك، لكنها أبدعت في عملها المشترك الذي بقي في فرنسا في متحف فالوريس.. بعد الزمالة، أتت الصداقة فكان بيكاسو للهرب من صخب الحياة يزور باية لتناول "الكسكسي" الذي كانت تجيد تحضيره، وكان يطلق عليها لقب "البربرية".
وكانت هذه العلاقة المهنية وراء لوحة بيكاسو المثيرة للجدل "نساء الجزائر" والتي حطمت الرقم القياسي كأغلى لوحة في العالم على الإطلاق وقتها بـ179 مليون دولار في مزاد كريسيتي.
رغم شهرتها بقيت باية وفية لأصالتها، ولم تكن ترتدي من موضة شانيل أو ديور، بل تلبس بفخر السروال العاصمي والبابوش المطرز بالذهب مما كان يزيد من إعجاب النقاد لها، فقد قال عنها الناقد الفرنسي إدموند شارل رو:"“كانت باية ولوحاتها شخصا واحدا وكأنها شخصية اسطورية، نصف امرأة ونصف عصفور هارب من أكواريل".
شاركت باية في عدة معارض جماعية ببلدها الأصلي والدول العربية وأوروبا واليابان وكوبا والولايات المتحدة الأميركية، وتوجد تحفها في متاحف شهيرة حول العالم، واعتمدت الجزائر لوحاتها على طوابع البريد.
عادت باية إلى الجزائر وتزوجت من محفوظ محيي الدين، أحد أبرز مغنيي موشحات المالوف الأندلسي في الجزائر، الذي تحمل اسمه، إذ أصبحت توقع باسم "باية محيي الدين"، بعد سنة من زواجها انطلقت الثورة التحريرية، في الجزائر، وجمد الزوجان نشاطهما لعشر سنوات، وعادت باية إلى مزاولة فنها سنة 1963، حتى وافتها المنية في 1998.
فبعد الاستقلال وبالتحديد عام 1963 أقنعها محافظ متحف الجزائر للفنون الجميلة آنذاك جون ميزونسول بالعودة للرسم، فلم تخفت موهبتها، بل زادتها السنين والتجربة خيالا فأدخلت الآلات الموسيقية تيمنا بزوجها المطرب، وأضافت التفاصيل التي أضحت اللمسة التي تعرف بها لوحة الفنانة الموهوبة باية البربرية.. رسمها لعيون المرأة الجزائرية كحبة لوز أدهش النقاد، وتدلي عناقيد العنب من لوحاتها أفحم الرسامين، ورسمها للنبات والجماد من زاوية جديدة أدخل فن باية إلى أكاديمية الفن بفلورنس وبرلين وايشي باليابان.
يدرج اسم الرسامة الجزائرية باية محيي الدين بين أشهر رسامات الفن الحديث في العالم مثل فريدا كالو وتمارا دي لمبيكا، كيف لا وهي من زينت لوحاتها أكبر دور عرض في العالم من الجزائر وباريس وهافانا وطوكيو والكويت وتونس وبروكسل وواشنطن.
 
أغلى لوحات
وصلت العديد من لوحات الراحلة باية محيي الدين إلى أسعار خيالية، فلوحتها المشهورة "راقصات وعازفات" التي رسمتها سنة 1976 وصل ثمنها في المزاد العلني إلى 30 ألف يورو، فيما اشترى ثري فرنسي لوحة المرأة الطائر بـ21 ألف يورو، ووصل ثمن لوحة الراقصات والطاووس إلى 34 ألف يورو، حسب موقع الخبرة الفنية "اجوت"، لتصبح من أكثر الرسامات إيرادا في تاريخ الرسم الجزائري، والقائمة طويلة.
 
عن "العربية نت".