"امبراطورية الثعابين" لأحمد الجنديل.. رواية السرد المتميزة وحكاية غواية لا تنتهي 

شوقي متولي *

 
تتوخى الرواية في مُجمَل فعلِها السَّردي دعوة المتلقي للدخول إلى عوالم حيوات انسانية تترجَّل في واقع تتجلى تضاريسه الزمكانية، بوصفها حاضنة تجسد تفاصيل تلك الحيوات وجزئياتها .. وتغدو الشخوص المراد ادخالها الى ميدان الفعل متحولةً من شخوص مخيالية مفترضة إلى هياكل بدنية تفكِّر وتتكلَّم ، تعمل وتنجز، تُعلن وتخبّىء .. وهي في كل هذا تنوجد كشيفرات حيوية تتواصل مع المتلقي وتدخل معه في حوارية واقعية تتجاوز الاحتمال إلى التمثُّل ، مُنطلقةً من فكرةٍ أنَّ مَن نلتقيهم مِن الشخوص في قراءاتِنا ينبغي لها أنْ تكون مُستلَّةً من الواقعِ المعاش (1) لا الافتراض الذي يبقى افتراضاً لا يمكن تجاوزه ، وغير مسموح أن يقفز على المألوف ليدخل دائرة التجلّي والتجسيد ... 
أسوقُ هذا القول وأنا أدخلُ الى عوالم " امبراطورية الثعابين " للروائي العراقي أحمد الجنديل التي ارادها عوالمَ تخترقُ المسكوت عنه في الخطاب السردي العراقي لتترجمِه بكل تفاصيله وحيثياته، وتدفع المتلقي الى ادراكِ تجربةِ كاتبٍ توخَّى الاعلانَ الصريحَ لحالةٍ صارت تستشري في واقعٍ اجتماعيٍّ يشكِّل حاضنةً لنموِّها (الحالة) ، واعني بها استغلال الجسد الانثوي ،لإشباع رغبات أرادَ منها أصحابُها التعويض عمِّا فاتَهم من تلبيةِ نزوعِ كانوا محرومين منه، في زمنِ الفقرِ والفاقة اللتين كانت تضرب اطنابها في حياتهم البائسة ..وبالمقابل ثمَّة العنصرُ الضعيف المهمَّش الذي يقع عليه ثقل الواقع ، ونقصد به المرأة .. تلك المخلوقة التي اريد لها ان تكون تابعاً خَدوماً ومُشبِعاً للرغبة .
وعادة ما يقع ثقل الواقع على أولئك اللاتي يَحيَين في القاع الاجتماعي، ويعانين الفقر وقلة الحيلة في استمرارية العيش، فيكونَّنَ صيداً سهلا بيد مَن يمتلكون وسائل التعويض .. وتلك واحدة من ثيمات هذا الخطاب السردي ، فما حدث لـ" ساجدة " ، الشابة الجميلة التي تستدرجها صديقتها "جنان" لتدخلها الى عالم السقوط في هوّةٍ لا قرار لها  تشكل فاتحة لحياة رمادية الايقاع ، تتنقل من مستغلٍ لمُستغِل، أي من ضبع بشري لضبع آخر وسط ألم الأم التي تكتشف بعين الحدَس الثاقب أنَّ ابنتها تنحو صوب واقع سيءٍ مقابل غواية الورق الاخضر / شيفرة الاغراء / شهادة السقوط  بينما يجد الأب الذي يتخذ من الأوراق وسيلة لتصريف حياته وشعوره بلا جدوى الحفاظ على النزعة الانسانية المتمثلة بالفضيلة والكبرياء وسط واقع وضع اصابعه على مَجسّاته فوجدَه يسير بالمقلوب .. فلا فضيلةٌ وسطَ الهوان  ولا كرامةٌ في واقعٍ أشبِع فَساداً .
تدخل ساجدة الواقع المريض متنقلة من اسم تمويهي لاسم آخر، حتى لتصل إلى حدِّ أنها توشك على نسيان اسمها الحقيقي، فمرة اسمُها رولا، ومرَّةً همسات، ومرة فيفيان ، وأخرى عطارد ، ومتوالية من الاسماء التي تغيّب الشخصية وتجعلها هامشاً انسانياً منهوشاً وممزَّقاً .
 
الخطاب .. سيرة داعرة
يتمثل الخطاب الروائي بسردٍ يأتي بلسان الراوية ( الصوت الأول ) الذي يعلم بكلِّ شيء ويروي كلَ شيء ؛ فلا يستعين بمن يذكره ، ولا يطلب العون ممن يعيده إلى احداث وشخصيات لتعددها ووفرتها قد تتسرب من الذاكرة . إنَّ الراوي العليم هنا مطعونٌ بخنجر فَتحَ جُرحَاً لا يشفى. لذلك يبقى توهج الذاكرة متِّقِداً على امتداد صفحات الخطاب الذي بـ 206 صفحة من القطع المتوسط .
فساجدة  التي تتلظى على نار الاستغلال، وتكتشف مسلسل الخيانة من لدن صديقتها ، ونهم مَن ادعى أنه يحبُّها حبّاً نقياً لا شائبة فيه وعليه  تتخذ القرار دفيناً ، غير آبهة لكل البهرجة التي تعرض عليها وتعيش ساعاتها وهي تشعر أن ذلك ليس عالمَها، وإن بدا مُترفاً يسيل المال من بين أناملها، وتتحرك على ايقاع الارتداء الجميل لأنفس الفساتين .
تقيس ألم إمِّها فتحزنُ، وتتحسس وجعَ الأبِ  فتشعرُ بالتمزِّق. وعندما تنظر إلى نفسها في المرآة لا ترى ببوصلةِ مشاعرها ساجدةَ البراءة والنقاء، ساجدة الجمال العفيف، فتقرر عدم الاستكانة للواقع الرديء، مصمِّمَةً على التخلّى عن الخنوع . إنها تفكر كيف تعيد لواقعها الأُسري صفاءه وبراءته ،هذا التفكير الذي تشرع بتجسيده من أجل العودة إلى عالم البراءة وإنْ هي تقدِّم الكثير من الفقد في مضمار الكثير من اقرانها من الفتيات اللاتي يتقدَّمن في الحياة عفيفات واثقات، يسحقن المغريات بأقدامهن ، ويندفعنَ بكبرياء الانسانة التي تعتز بشخصِها فتتقدم كلافتةٍ خفاقة تعلن عن تساويها في الكرامة مع الرجل وتوازيها في الحقوق معه .
 
شهادة الالم الانساني
كثيرة هي الحكايات المنبثقة من واقع يمثل قاعاً أو حضيضاً وإن أظهرَ بهرجةً ، وبانت الاضواء مشعة فيه وحوله ، ذلك الواقع الذي حين تراه العين عن بعد تظنه عالم هناء وسرور، وتحسب أدواتَه مخلوقاتٍ يعشن الرفل على ايقاع اعجاب القادمين من تضاريس الرغبة العارمة والشهوة المتأججة، ناثرين المال بسخاء، وساكبين كلمات الاعجاب والوله من منهل القواميس الثرة بغية تقريب الضحية للسقوط في الشباك اللزجة كما يُسقط العنكبوت فريسته .
فمقدم الخطاب الروائي يريد في واحدة من شيفرات خطابه الاشارة إلى مسعى الانتهازيين - في غمرة الفوضى التي اعقبت الاحتلال وصراع القوى من أجل حيازة مثلى من كعكة الوطن - للقفز على المبادىء التي توشح الوطن والتخطيط لربح ما يمكن ربحه ، لكن ثمة عوائق تقف بوجههم وتعيق توجهاتهم ، ومنها الشهادة العلمية التي لا يحملونها فقد عاشوا خارج الوطن في الغربة والتشرد والضياع. ومن هنا اتخذوا مبدأ ميكافيللي " الغاية تبرر الوسيلة " فاستخرجوا من أحد مكاتب التزوير أعلى الشهادات الدراسية فنال " سميع " شهادة الدراسة الاعدادية التي لم ينلها بالطرق القانونية، ثم سعى فاستخرج شهادة جامعية عُليا فاصبح يعرف بالدكتور سمعان . وهكذا مع الدكتور السامون وغيره . وهاتيك الشهادات كانت اللافتة التي  صاروا يرفعونها في مسار  التجارة التي  اختطوها حرفة لهم ( انظر ص129)... وأي تجارة ستكون اذا كان التاجر وضيعاً وخائناً ومَزَوِّراً ؟! انها التجارة التي تنزُّ من منافذ جسدِها رائحة الفساد . فكانت الصفقات التجارية  لاستيراد البضائع الرديئة ، والادوية منتهية الصلاحية ، والشاي الممزوج بنشارة الحديد الناعم ، والمقالب المدمِّرَة لشريحة من البسطاء الذين من السهولة خداعهم بالتعامل مثلا مع شركات لم تكن إلّا وهمية منحتهم في البدء الارباح المُغرية ، ما لبثت أن توارت واختفت كالومض (ص132) لتظهر على شكل عقارات في عدد من العواصم العربية والاجنبية  مُسجَّلة بأسماءِ المحتالين المتوارين . 
ولم تكتف اصابع الفساد بالسرقة بل امتدت على المناصب الوظيفية. فأحدهم الاستاذ نجاح " سمعتُ أنه عُيِّنَ ملحقاً ثقافياً في احدى الدول " (ص134 ) ، واخترعت لها الألقاب :" قال لي راشد أنَّ لقب السامون أنا اخترعته لسميع ، بينما سميع اخترع لي لقب الأزعر ." (ص137) 
 
المال .. فعل تغيير الحال
ومثلما كان طارق الأغا الذي كان " يعمل في بيع الملابس المستعملة ولديه مكوى صغير"ص174 قد صار الرجل الثري الذي يلعب بالمال ويوظفه لشهواته ، ومثل غيره وغيره فإنَّ ساجدة  وعلى خطاهم ووسائلهم، اتجهت  اعتماداً على الغاية تبرر الوسيلة ، الى جعل نسبها يعود الى اثرى اثرياء البلاد عبر شجرة عائلة مزيفة استخرجتها على يدِ رجلٍ عارفِ انسابٍ بعدما نفحته بالمال المُغري، وهدَّمت بيتها المتهالك لتعيد بناءه وفق خارطةٍ مميزة .. وتلك اشارة الى ان المال له قدرة تغيير الانظار، وتحويل اللون الرمادي الداكن الى الابيض الناصع ، وانه يخرس الألسن ويجعل الانامل التي تمر على الوبر الخشن كأنها تمر على حرير ناعمٍ طيِّعٍ ، وبهيٍ .. لا ازدراء ، ولا نظرة دونية ، انما اعجاب وانبهار، ورغبة في تعرف ومصاحبة  " عيون الآخرين التي كانت تنظر الينا بازدراء شملها التغيير فأصبحت تضعنا موضع الاهتمام والاعجاب ؛ والالسن التي كانت تتناولنا بسوء شملها التنظيف واصبحت طاهرة وهي تتحدث عن مجد البركان وتشير اليه باحترام . " 178
إن خطاب الجنديل الروائي يتمثل في ادانة لواقع تراجعت فيه الاخلاق وعمّت السلبية ، وهي حالة تستدعي شجاعة اعلان التغيير الجذري لحركة اجتماعية ان استمرت ستطيح بهيبة الفرد الذي هو اللبنة الاساسية في المجتمع . 
 
يقدم الجنديل خطابه الروائي هذا برؤية واقعية اجتماعية تنأى عن الخطاب الرمزي أو التاريخي ، وحتى الحداثي أو التجريبي الذي هو " البحث عن أساليب بنائية جديدة ، يتجاوز فيها الكاتب الاشكال السائدة إلى اختراع أشكال جديدة ، أو التوليف بين أشكال قديمة وأخرى مستحدثة" 1 ، معتمداً السير التقليدي في عرض الاحداث وتناميها ، وتطور فعل الشخصية المركزية في الخطاب ... انظر " بنية النص الروائي ، ابراهيم خليل ، الدار العربية للعلوم ناشرون ، ط1  2010 ، ص289 ".

* أديب من مصر.