الهـا تــف

عبدالله زغلي*

 

 
ضربت المجاعة البلد،  وتعطل كل شيء ، هزلت الأجسام ، شحبت الوجوه ، وفكر الجميع في الهجـرة في اتجاه الغرب ،  أو الشرق .
من هناك ترد بعض الأخبار السارة، فالناس هناك يجدون بعض القوت، ولايموتون جوعا  وقد يصادفون أكثر من ذلك .
غادر" بورعدة " القرية  رفقة بعض أقاربه  في اتجاه الشرق ، وقد تجاوز العشرين من عمره ، وفقد والده منذ زمن . 
ترك والدته وإخوته . قرر ذلك لأن جل أقرانه غادروا المنطقة ، ولا يريد أن يموت جوعا ، وتموت معه عائلته.
حمل آمال الجميع  تخطى الحدود التي لايحرسها أحد ، وذهب بعيدا .
استقر الفتية في مسكن أجّروه وسط حيّ شعبي  تتوسطه ساحة دائرية، تحيط بها بعض المقاهي الشعبية  ، الغاصة بالرواد ، وبعض الدكاكبن التي توفر سلعا لقاطني الحي .
يقطع الساحة جيئة وذهابا  "  فُـتـُوّات  "  يخطون أرضيتها بعصيهم ،  مستعدين لإشعال حرب في أي وقت ، ولأتفه الأسباب .
كان لابد للجماعة أن تبحث عن عمل لتوفر قوت يومها ، ولتحقيق ذلك  كان ينبغي أن تخرج خارج المدينة ، وتلتحق بضيعات المعمرين، لتعمل حسب المواسم ، في الحرث والحصاد وقطف العنب  ورعي الماعز والأغنام ، وحتى الخنازير.
انخرط "بورعدة " في العمل ، وأصبح يحصل على بعض الفرنكات، التي كانت شيئا عظيما بالنسبة له . وهو الذي كان يشتاق إلى رؤية الفرنك في بلده .
بدأ عمله جادا وحازما . كان يفكر في جمع بعض المال ، والعودة إلى والدته ، وإخوته ، وبلده. كان يحس بحالهم ، ويتألم لوضعهم ، وهو ما عبر عنه مرارا لأقاربه .
إلا أن الأمر لم يستمر كذلك ، وجرت الرياح بما لا تشتهي السفـن،  فقد انغمس " بورعدة " في حياة جديدة ، واستطاب جو الحي وأهله ، يتنقل من مقهى إلى مقهى ، يتلذذ بأغاني الشيخ " حمادة "          و " المدني " ، والشيخة " الرميتي "، الأغاني التي دوخت يومها أجيالا بكاملها . يتنقل بين بعض دور الحي ليلا ، للسهـر والعربدة ، يجر عصاه خلفه ، ويخط بها في الأزقة ، مُلوّحا بإشعال " حرب عالمية  "  أذا لم تُلبّ رغباته وطلباته. وَضْعٌ غير مجرى حياته ، وأنساه البلد  ومن فيه . 
مرّ على مغادرته القرية  أكثرمن خمس سنوات ، لم يعد إليها مطلقا ، وحتى الأخبار التي كانت نادرا ما تصل ،  انقطعت.
عانت والدته ، وجاهدت، وتجرعت العلقم من أجل المحافظة على حياة إخوته: تنقلت بين الدور مستجدية ، وبعد أن تحسن الوضع قليلا اشتغلت في الفلاحة ، وتنقلت بين أسواق المنطقة تبيع لاشيء، علّها تحصل على شيء ، تسد به رمقها ، ورمق أبنائها .تتنقل بين السهل والجبل ، تصارع الزمن  وتتأرجح بين الحياة والموت .
طالت الفرقة ، واشتاقت الأم لإبنها . بكت كثيرا ، واشتكت لجاراتها حرقة كبدها .
كانت ، كلما سمعت بعودة " مُشرِّق " إلى قريته ، سارعت إلى ملاقاته . مستفسرة عن إبنها ، عله يحمل خبرا يطفئ حرقتها ، ويطمئن قلبها ، فهي لاتدري ، أحيٌّ هو أم ميِّت ، وكلما مر يوم ، ازدادت أحزانها وآلامها وتعاظمت .
خرجت ذات أمسية من دارها، اعتلت مرتفعا ، واقتعدت صخرة ، استقبلت المشرق بكل جسمها النحيف المقوس ، وضعت يدها اليمنى على أُذنها ، أدارت جزءا منها إلى فمها ، وانطلقت منادية :
ــ آآروَّحْ أبورعدااا...  
ــ آآروَّحْ أبورعدااا....
كرّرتها مرارا والدموع تنهمر من عينيها ، وعادت إلى منزلها . 
استمرت على هذا الحال  ثلاثة أيام . وفي اليوم الرابع ، تسابق الصبية إليها وهم يصيحون : 
ــ عَّمي بورعدة  جااا...واللّه إلاَ جااا...   
خرجت المسكينة تمشي على أربع ، وهي لاتصدق ما تسمع ، والتفّــت حولها نساء القرية .  
    أطلقت عينيها مع الطريق الملتوية .
التقطت شبحا قادما  ــ فقد ضعف البصر ، وقلت الرؤية ــ  لكنه هو .
لقد رأته بقلبها . 
•    أديب من المغرب.