النقد المُتَمَوقِع والمُسائِل.. حول كتاب أبو حشيش عن أحمد مطر (شهادة)

حسن عبادي*

 

 يقول المؤلف  جهاد أبو حشيش في مقدمة كتابه" ارجاف الذاكرة عند أبواب أحمد أبو مطر" :"لست ناقدًا ولا أريد فالخوازيق/النياشين التي يُصَنِّعها نقادنا تقتلك في الحالتين، مرة لأنها تشعرك بضحالة الأوصياء ومرة لأنها تشعرك بارتزاقهم، حيث لا يمنحونك سوى العمى لترى ألوانَهم، وحين يحاول أحدهم أن ينفض الغبار عن عينيه سرعان ما يكتشف ألف مقصلة ومقصلة في انتظاره".
وهنا أختلف معه، واختلاف الرأي لا يفسد للودّ قضية. في حينه كتبت مقالة حول ديوان محليّ أغاظ صاحبتَهُ وصرّحت بأنها كرهتني لما كتبته عن ديوانها، ولكن فوجئتُ حين اتصلت بي بعد حوالي سنتين قائلة : كرهتك في حينه ولكن حين كتبتُ ديواني الجديد كانت صورتك وكلماتك ماثلتين أمام ناظري في أغلب قصائدي وتعلّمت الكثير الكثير، شكرًا لك. وعليه، فتيمّنًا بما قاله عمر المختار :"ان الضربات التي لا تقصم ظهرك تقوّيك".
"ارتجاف الذاكرة عند أبواب أحمد مطر" للكاتب جهاد أبو حشيش (الصادر عن دار فضاءات للنشر والتوزيع والطباعة، 75 صفحة. صدرت له دواوين شعرية: مدي الأرض، اعترافات إرهابي، جسد بلا نوافذ، امرأة في بلاد الحريم، لأنها تأخرت، ما غاب من جسد السيدة، وروايتان : بَيمان، درب الليمون وذئب الله) عبارة عن دراسة نقدية تقليدية  حول أشعار "أحمد مطر"  وقد غاص جهاد في مكنوناته محاولًا كشف أسراره وما يدور خلف كلماته وبين سطوره ، من شاعر إلى شاعر،  "ابن بطني بفهم ع رطني"، بعيدًا عن الغوص في متاهات الشعر.
جاءت هذه الدراسة حفرًا معرفيًا عميقًا يستهدف جلاء المعاني في سياقاتها ومقاصدها الكامنة حيث نجد تنوع المصطلحات وانفتاحها على بعضها البعض. ما يجعل بالإمكان قراءتها في أكثر من معنى.
تحت عنوان "ارتجاف الذاكرة عند أبواب أحمد مطر" يقول الكاتب: "في البدء كانت الحياة/ الحرية/ اللامحدود/ بدائية الرغبات. كانت الروح، كان همس المدى والفضاءات المفتوحة يغري بسبر المجاهيل واكتشاف مكنونات الغامض المنفتح، بعض الأرواح لا تحب اللامتناهي، تتعب كثيراً حينما تبحر في اللامحدود".
تحدّث النّاقد إدوارد سعيد في كتابه "العالم والنّصّ والنّاقد" عن مهمّة النّاقد، فيلخّصها بقوله: "مهمّة النّاقد بادئ ذي بدء أن يفهم الكيفيّة الّتي صيغ ويصاغ بها النّصّ (مع العلم أنّ الفهم في هذه الحالة فعل تخيّليّ). فما من تفصيل من التّفصيلات بالغ التّفاهة شريطة أن تكون دراسة المرء موجّهة بمنتهى العناية نحو النّصّ ككلّ ثقافيّ وفنّيّ حيويّ. لذلك فإن الناقد يقلد أو يكرر النص في تمديده له منذ البدء إلى أن يصبح كلا متكاملا". (ص180).  
وبما أنّ النّقد فعل تخيّلي، خاضع للرّأي والذّوق واختلاف الرّؤى ووجهات النّظر المتعدّدة، فمن الطبيعي أن تثير كل كتابة نقديّة تساؤلات وتحفّظات واختلافات . 
ومن هنا فالنّاقد بين مهمّتين إحداهما أصعب من الأخرى، الأولى يجب عليه  فيها أن يفهم البنية النّصّيّة الّذي سيتوجّه إليها بالتّحليل والنّقد، وهكذا تطغي عليها انطباعيته، فلا بدّ من أن يتأثّر النّاقد سلبًا أو إيجابًا، بالعمل الأدبيّ موضع الكتابة عنه، وإلّا أصبح النّقد أكاديميّا خاليا من الحياة، يتوجّه فقط لبنية نصّيّة حسب مقاييس حادّة، وهذا ما يجعل النّقد جافّا ينفّر المرء من قراءته والاستفادة منه، سواء  كان قارئا عاديّا أم كاتبا إبداعيّا أو ناقدا أدبيّاً، خاصّة إذا ما تحوّلت القراءة النّقديّة إلى مخطوطات وطلاسم تستعصى على الإدراك وتبعد عن النّصّ وأفكاره، وربّما كانت المهمّة الثّانية أصعب، فإنّ تحليل النّصّ ليس هو الشّرح المدرسيّ، مع أنّ إدوارد سعيد نفسه يعتبر النّاقد معلّما وقارئا جيّدا (ص267)  
والكشف عن جماليّات النّصّ من لغة وتراكيب وأدوات فنّيّة موظّفة جيّدا في البناء الكلّيّ للعمل الأدبيّ، فليس كلّ رواية فيها عناصر الرّواية هي رواية ناجحة فنّيًا، وليس كلّ قصيدة يتوفّر فيها الوزن والصّورة هي قصيدة مؤثّرة، ثمّة خبرة، أو إبداع، أو بصمة، يجب أن تظهر في العمل الأدبيّ، وهذه البصمة تخترق إحساس القارئ ووجدانه وفكره، ليقف عاجزا عن تفسيرها، فقط هو يشعر بها، وينفعل بجماليّاتها، فيأتي النّاقد ليفسّرها، ولكنّه، بالتأكيد، لن يصل إلى اليقين في تفسيره أو تأويله للعمل الأدبيّ.
من موقعي، كقارئ انطباعيّ، أميل إلى النّقد العمليّ الّذي نجده في مراجعات الكتب والمجلات الأدبيّة، والمقالة هي وجهة نظر موضوعيّة مختلطة بذاتيّة النّاقد، وإن حاول النّاقد أن يكون حياديّا، منهجيّا، مدرسيّا، أكاديميّا، لن تغني بأيّ حال من الأحوال عن العمل الأدبيّ، تمثّل وجهة نظر كاتبها، ويجب ألّا تصادر وجهات نظر الآخرين حيال ذلك العمل، مهما كانت درجة كاتبها وتعمّقه في البحث والتّحليل.
"يُقال إن النقد عبارة عن إعادة كتابة النص"، هذا ما كتبه جهاد في كتابه، فالقارئ الناقد يتحول إلى كاتبٍ يتفاعل مع النص ويملأ فجواته ليُحييه من جديد وفق تجربته، وطالما تقيّد بمعطيات نصّه الأساسية، يحق له أن يقترح دلالاته ويراها كما يشاء، ويكتب النص من جديد! أنا كقارئ أتوخى من الناقد ألّا يكتب تلخيصًا للكتاب المتناوَل بل يغوص في عمق ما وراء النص وخباياه، ما بين السطور وما ورائها، وليس من دوره أن يكتب تلخيصًا للكتاب الذي بين يديه، فليترك ذلك للقارئ!
تناول الكاتب قصيدة "أحاديث الأبواب" بقراءة نقديّة عَنونَها :"إرتجاف الذاكرة عند أبواب أحمد مطر" ليقول :"وحدها الذاكرة تُخبّئ عشاقنا، أطفالنا، حزننا، ضحكنا، لتمنحنا إياه ساعة نشاء، وتبني لنا مدنًا من ذكريات الطفولة والبدء، تغلق ما مات في عتمة الروح"، ليفكّك لنا الذاكرة الخفيّة التي تختفي خلف الصمت، ذاكرة تحس تتألم تشعر بالحرقة!؟! ويوضح الصراع في أتم تجلياته من خلال الثنائيات الضدية:
"صدرُهُ المقرور بالشّتاء
يحسُدُ  ظهرَهُ الدافئ.
صدرُهُ المُشتعِل بالصيف
يحسدُ ظهرهُ المُبترد.
ظهرُهُ، الغافلُ عن مسرّات الداخل،
يحسُدُ صدرَهُ
فقط
لأنّهُ مقيمٌ في الخارِج!" 
فيجعل للباب ذاكرتين تحاول كلٌّ منهما الرغبة في مكان الآخر فالصدر المقرور بالشتاء يحسد الظهر الدافئ على دفئه، وذاته الصدر المشتعل بالصيف يحسد الظهر المبترد ولكن الظهر الذي دخل في عبودية مغلقة يتوق إلى الخارج، إلى الحريّة!
وعندما يقول مطر :
"الأبواب تعرفُ الحكايةَ كُلَّها
من طَقْ طَقْ
إلى السَّلام عليكم"
يراها جهاد إغلاقًا للنص فأي حكاية هي؟ أهي الأبواب التي قالت أحاديثها عبر النص؟ أم الأبواب التي اختفت خلف كل هذا ولم تقل شيئا بعد؟ أم هو تحذيريٌّ من احتمال ململة ما أو محادثة لتذكير الأبواب أن دمها مهدور لأنها تعرف الحكاية كلها ولذا لا بد من فعل ما، تُرى ما هو؟! هل تملك الأبواب أن تقرأ لتفتش عما لم يقله الكلام...! لغة شاعر لشاعر!
تناول كذلك قصيدة "الحسن أسفر بالحجاب" بقراءة نقديّة عَنونها :"أنا الشرق وغرب الآخر في قصيدة الحسن أسفر بالحجاب"
"قمر توشحَ بالسحاب
غَبَش توغل، حالمًا، بفجاجِ غابْ.
فجر تحمم بالندى
وأطل من خلف الهضابْ.
الورد في أكمامه...
تنبض بالنقاء العذبِ من خلف الضبابْ." 
 يرى المؤلف أن أحمد مطر يدخلنا منذ بداية النص إلى عوالم السحر والتألق، حالة من النقاء الأنثوي الذي لا نرى فيه الجسد كتشكّل فيزيائي، بل كحالة تنبعث منها أنوثة مؤنسنة لا تغيّب الجسد كفيزيائي لتلغيه بل لتشعله في دواخلنا عالما خرافيًا لأنوثة هي الجمال والبدء والاشتعال، لكنها ليست مهيأة لرغبة الآخر العابر.
يشير إلى القمر ودلالاته الأقوى، من جمالية اعتيادية إلى التعالي والكبرياء، خاصة حين توشح بالسحاب، فتكتمل دائرة التعالي والكبرياء المتواشجة علائقيا بغزارة العطاء (توشح بالسحاب). كيف لا تعتلي عرش الكبرياء وهي آخر الليل(غبش) وأول الضوء(فجر) والشاعر لا يرى فيها السالب المجرد من الفعل، والذي يقف متحالفا مع الظلمة، بل هو غبش فاعل (توغّل) وهو يحتضن حلمه في اتجاه اتساع الضوء وانبثاقه على الحد الذي يلد فيه الفجر ليكونه وهو لا يرضى أن يكون فجرًا خاملًا ميتًا، بل يدخل في حالة الولادة إلى الحد الذي تجرحنا فيه شفافية اللحظة (فجر تحمم بالندى) هنا يصبح الشعور حادًا، وتتسع مساحة الجسد المستحم بالندى (جسد الفجر)، إنه الفجر الذي لا يأتي إلا محملا بعبق الداخل وألق الخارج، فهو يحمل (الورد في أكمامه) لكنه ليس ذلك الورد الذي ينثره صاحبه على الطرقات فتدوسه أقدام العابرين، نقطة الضوء في غيمة فارهة، قبل بكر في زمن صارت فيه للشفاه حوانيتها وأسعارها الخاضعة للمناقشة والتنزيلات.
حين يقول أحمد مطر :
"هي كلها ميراثُكِ المسروقُ: 
.....
هي كلها أملاك جدكِ
في مراكشَ
أو دمشقَ
أو الجزائرْ!
هي كلها ميراثكِ المغصوبُ
فاغتصبي كنوزَ الإغتصابْ.
زاد الحسابُ على الحسابِ
وآنَ تسديدُ الحسابْ.
فإذا ارتضتْ.. أهلًا
وإن لم ترضَ
فلترحل فرنسا عن فرنسا نفسِها
إن كانَ يُزعجُها الحجابْ!
فلترحل فرنسا عن فرنسا نفسِها
إن كانَ يُزعجُها الحجابْ!"
يجدها  المؤلف جهاد تحريضًا على المواجهة والبقاء، فليس للآخر من "أناه" شيئا فتفاصيله كلها مسروقة ومشوهة، تذكره أن لا ملامح له سوى الدم والاغتصاب فليكن الحساب ولتكن المواجهة!
كتب جهاد أبو حشيش عن أحمد مطر، شاعر كان أيقونة في حينه، ما رآه مناسبًا دونَ خوفٍ أو وَجَلٍ أو مُراءاةٍ .
    * ناقد ومحامً من فلسطين. أصلُ المقال مداخلةٌ  في النّدوة التي أقامها نادي حيفا الثقافي بتاريخ 15/03/2018 احتفاءً بالكاتب جهاد أبو حشيش.