الموت بين الأصدقاء نزهة

خالد الكبير*

كانت الساعة تشير للحادية عشرة ليلا  من يوم الجمعة عندما رن جـرس هاتفه،تناولـه لكي يتفحص المتصل،كان اسم أحد أعز أصدقائه الذي يدعى"سعيد " يومض بأحرفه على شاشة هاتفـه،أجابه في الحال فإذا به يكلمه  بصوت خافت جدا بالكاد يسمع، قال له :ما بك صديقي كلمني بصوت مرتفع،أجبني إني لا أسمعك بوضوح، وما هي إلا لحظة حتى انفجر صديقه بالبكاء،ما زال جهيشه يدوي في أذنه إلى وقت كتابة هذه الأسطر،طلب منه الهدوء ليستفهم عن سبب البكاء، توسل إليه أن يصمت ولو قليلا ليستفسر عن الأمر،فإذا به يخبره أنه يرقد بإحدى مستشفـيات المدينة، وأنه مصاب بإحدى الأمراض الفتاكة اللعينة، ارتجف ساعتها جسده، واقشعر بدنه، كاد يسقـط حينها من طوله،أصبح قلبه يرتعـش من هـول الخبر الذي تلقاه على فم صديقه العزيز، جلس على حافة السرير لبيت نومه، استلقى بعدها على ظهره فلم يكن ليستسغ الخبر برمته، نزل عليه مثل صاعقة هدته ،كان بمثـابة الصدمة له، تسمرت عيناه اتجاه سقف الغرفة وظل على هذا الحال متجمـداً دون حراك إلى أن استفاق صباحا على صوت هاتفه يرن من جديد باسم صديق آخر وهو من مدينة أخرى يدعى" كريم"فبعـد ما تبادلنا التحية فلم يجرؤ أن أخبره عن مرض صديقهم "سعيد" وذلك احتراما لرغبـة صديقه المريض الذي طلب منه بإصرار عن عدم الإفصاح عن مرضه لأي شخص آخر، لكنه تفاجئ بان صديقه كريم بأنه يعلم بالخبر ويطلب منه تحديد موعد بأقصى سرعة للسفر معا لزيارة صديقهم المريض بالمستشفى.
بالساعة العاشرة من صباح يوم السبت الثلاثين من مارس، خرج مـن بيته، ركب سيارة أجرة، كان عليه أن يقطع مسافة تزيد على الخمس كيلومترات للوصـــول إلى محطة القطار، كانت السماء زرقاء صافية والشمس تبعث بأشعتها القـرمزية الفاترة، وكان الجـو جميلاً منعشــــاً يميـــل إلى الحرارة بعد موجـة من أيام باردة مرت عليه بمدينته، كانت سيارة الأجرة تلتهم شوارع المدينة بينما كان هو يفكــــر دون تريث في صديقـــه المريض سعيد.
تزامن وصوله لمحطة القطار مع قدوم القطار المتوجه إلى المدينة الذي يرقد بمستشفاها صديقه،حاول أن يختار ركناً فارغا من الركـاب لإحدى مقطورات القطار تجنبا لأي محادثة مع أي شخص هو ليس راغب فيها، وطمعاً في الهـدوء طول مسافة السفر. كلم صديقه كريم أثناءها مخبراً إياه بموعد انطلاق قطاره ليكون هو على استعداد ليلتحق به على متن القطار نفسه من مدينة أخرى.
راح القطار يطوي المسافات  يسير ويتوقف بمختلف محطات المدن المختلفة، الى أن التحق به صديقه كريم لم .يفلح حديثه مع صديقه كريم طول مسافة السفر أن يتجاوز إطار مـرض صديقهم المشتـرك سعيد، كـونهما  قد صدما وتأثرا كثيرا لحاله،إلى أن وصلا نهاية محطتهم، غادرا القطار، ثم اجتازا الشارع الكبير وامتطيا إحدى سيارات الأجرة مباشرة إلى المستشفى حيث كان صديقهم الثالث عمر في انتظارهم بباب المستشفى فهو لم يغفل يوماً عن مقابلة صديقه المريض سعيد منذ أن علم بمرضه هو وصديقته "بسمة"  ما يجعلك تستشعر نعمة الصداقة وحلاوتها .
أخذهم مباشرة إلى غرفة المـريض، وما أن دخل عليه ورآه في تلك الحـالة من الضعف وهو الذي عهداه ذلك القوي الصلب الذي لا يهد عنفوانه وعفته وكبريائه شيء،أجهش بالبكاء ،كانت خيوط جهاز الأوكسجين تنسدل من أنفه، يا لجسده الذي أنهكـه المـرض بسرعة البرق حيث وهنت قـوته وقدرته على مقاومة المرض،عانقه بحرارة وأمسك يـده،وقال له أصبـر وما صبرك إلا بالله ليس عليك الآن سوى الامتثال لابتلاء الله والدعاء بالشفاء.
لم يجدا وقتئذ ما يقولاه أو يتحدثا به هم الثلاثة وصديقهم المريض، لقد خلص الكلام وهم الذين ما يكادوا يلتقوا إلا ويحضر كل كلام الكون.كان أنين المريض الذي يتقاسم معه غرفة العيادة يكسر بين الفينة والأخرى الصمت المطبق لحظتها، ظلوا يتبادلوا نظرات المواساة بينهم وفجأة طلب منهم صديقهم المريض سعيد بأن يغادروا المستشفى ليتوجهوا الى بيته ليرتاحوا من تعـــــب السفــــــر على أمل عودتهم لزيارته في صباح الغد. لم يكــــن يريد مفارقته، لكــــــن لم يكن بإمكانهم المكوث عنده طول الليل خاصة وأن المستشفى كان حكوميا فصديقه الثالث كان ينام معه خلسة من حراس الليل. 
كان الليل قد أسدل ستائره،والظلام الحالك يسود كل أزقة المدينة، عندما امتطيا من جديد سيارة أجرة صغيرة متوجهين لبيت صديقهم المريض، عندما وصلا ودخلاه وكأنهم يلجاه لأول مرة، إحساس غريب، وشعور عجيب لم يحـسا به من قبل وهما اللذان زاراه مرارا وتكرارا،معه وبدونه،بدأ يتطلعا لكل الموجود بكمد فدعوا لصديقهم بالشفاء العاجل وان يقومه من مرضته هذه بالسلامة وعافية.
خلدا بعدها مباشرة للنوم دون أكل أو شرب،كل في مكانه منشغل ومنهمك بنفسه يفكر في ما حصل مع صديقهم.وفي الصباح الباكر قررا أن  يأخذا معهما وهم في طريقهم للمستشفى بعض ما يلزم لوجبة الإفطار، ليتناولاها صحبة صديقهم المريض بالمستشفى قصد التخفيف عنه وإراحته ، وقـبل أن يهـما بالذهاب ،صادفا سيارة صديقهم المريض مركونة بالرصيف المحاذي لباب العمارة التي يقطن بها ، تطلعا إليها في تحسر وكأنهم يسألونها عن صاحبها ويتوسلا منها الدعاء له، وعندما وصلا المستشفى ودخلا على صديقهما  وجـداه جالسا على كــرسي بلاستيكي،صحـبة صديقهم الثالث عمر،وهو يعتـدل في جلسـته بصعـوبة استعدادا للتيمم لأداء صلاة الصبح ،ماسكا بيـده حجرة التيمم،لاحظ نظراته المستغربة اتجاه حجرة التيمم فاخبـره أن هناك أناس كثر تبحث عن فعل الخير بشتى الطرق وبأبسط الوسائل، حجرة التيمم سلمه إياها رجل مر بالمستشفى وهو يوزع أحجار التيمم،يشجع المرضى على تأدية الصلاة ويشجعهم على الدعاء وقراءة القران، كما حكى لهم أن هناك من يوزع قارورات المياه المعدنية وأخر مر يبحث عن من يحتاج لشراء الأدوية للمرضى،الحمد لله على وجود مثل هؤلاء الأشخاص الذين يفكرون في الآخرة ويسعون لفعل الخير.
جلس أصدقاؤه الثلاثة صحبته يتناولا إفطارهم، وبعد الانتهاء  فارقهم عمر لبعض الوقت متوجها لبيت المريض ليجـلب له بعض الأغراض الضرورية  واللازمة لمكـوثه بالمستشفى،عمر هذا بلسم تنطبق عليه كل أوصاف ومعاني الصداقة الحقيقية.
كـانت نفسية صديقهم المريض قد بدا يظهر عليها بعض الارتياح رغم انه لم يتخلص من استعمال  جهاز الأوكسجين، فتقبله للمرض ربما هو نصف العلاج وصار يحدثهما بارتياح وراحا يتذكران الأيام الجميلة وراحت ترتسم معالم الارتياح  على محياه،  وفجأة خطر لأصدقائه أن يطلبوا منه أن يخبر إخوته بمرضه لأنه كان يتيم الأبوين لم يشأ ساعتها أن يرد على طلبهم، كما أنهما لم يحرجاه في الجواب.  
ومع عودة صديقهم عمر مباشرة، رماه صديقه كريم بنظرة تحمل بين طياتها حلول موعد العودة إلى ديارهم، نظراً لطول المسافة التي تنتظرهم. لم يقويا على توديعه ومفارقته لكنهما كانا مضطرين نظرا لالتزاماتهما ومسؤولياتهما، غادرا المستشفى صحبة صديقهم عمر الذي رافقهما إلى باب المستشفى في حـالة نفسية محطمة من جراء طقوس الوداع القاتلة في مثل هذه المواقف. 
طلب هو من عمر أن يحاول إقناعه لأخبار عائلته ،فمهما كان سيتقبلون مرضه وسيأتون لزيارته وسيمكنه هذا  من الثماتل نفسياً للشفاء، فأجابه عمر بأنه حاول معه مرارا وتكرارا، فهو رافض تماما ذلك فهو يقول إن أصدقاءه هم عائلته بينما كل إخوانه منشغلون في متاهاتهم .
امتطيا أول سيارة أجرة ظهرت لهم، وما كادت أن تصل المحطة حتى كان صديقهم عمر يهاتفهم مخبراً إياهم بوفاته فور عودته للغرفة من بعد توديعهم بباب المستشفى، لكن المحزن في هذا هو قراءتهم لرسالة نصية كان قد بعث بها سعيد المريض قبل وفاته لعمر ولم ينتبه اليها ساعتها إلا بعد الجنازة، كان يطلب منه المسامحة من كل التعب الذي قاساه معه وهو يعتني به خلال مرضه بالمستشفى وختم رسالته بقوله : الموت بين الأصدقاء نزهة . 
 
* كاتب من المغرب.