المعلوم والمجهول في مسيرة غـوتـه

Printer-friendly versionSend to friend
د. عبدالقادر حسين ياسين*
 
في الثامن والعشرين من أغسطس المـاضي ، إحتفـل الألـمـان بـذكرى ميلاد يـوهـانـس ولـفـغـانـغ فـون غـوتـه Johannes Wolfgang von Goethe. .  وقد نظمت بهذه المناسبة العـديد من النشاطات الثقافية للتعـريف بإنتاجـه الإبـداعي .
مثل كل العظماء ، كان يـوهـانـس ولـفـغـانـغ فـون غـوتـه يحب التخفي. لذا كان يتعمد أن يظهر فى كل مرة فى صورة جديدة. فهو مرة شاعر ، ومرة كاتب مسرحي ومرة روائي ومرة رسَّام ومرة مفكر ، ومرة هو يهتم بالتاريخ والفلسفة والعلوم والرياضيات والموسيقى.  ومرة هو محاور للثقافات واللغات والآداب الأخرى مستنبطا منها ما يمكن أن يثرى عالمه الإبداعي .
وحتى هذه الساعة، هو ما زال لغزاً محيّراً، وما زالت أعماله التي تربو على الخمسين مجلداً، ورسائله التي ما زالت عشرات الآلاف منها محفوظة في خزائن "فايمار"، وبالتالي مجهولة المحتوى تثير جدلا ساخناً بين الباحثين والأكاديميين والفلاسفة والشعراء والمفكرين في ألمانيا وفي جميع أنحاء العالم..
"في الثامن والعشرين من آب 1749، جئت إلى العالم. وكان ذلك في فرانكفورت".  بهذه الكلمات البسيطة الواضحة، أعلن غـوته عن مجيئه إلى العالم. في ذلك الوقت، كانت فرانكفورت من أهم المدن الألمانية على المستوى السياسي والاقتصادي. 
وفـي رسالة بتاريخ 24 تموز 1775 يقول: "علينا أن ننتظر حتى تتمكن الطبيعة من توليد عباقرة حقيقيين. إن الأرض التي أنجبت لايبنيتس يمكن أن تنجب آخرين أمثاله. لن يكون باستطاعتي أن أرى هذه الأيام الجميلة في وطني غير أنني أحدس قدومها. بالنسبة لي، أواسى نفسي بأنني عشت في عصر فولتير. وهذا يكفيني.." وكان الامبراطور فريدريك الثاني عاشقا للأدب الفرنسي. وكان يردد دائما بأن ألمانيا ليست قادرة على أن تنجب أديبا أو شاعرا واحدا له مكانة أديب أو شاعر فرنسي. غير أن غوته سوف يدحض هذا الرأي منذ صدور أول عمل ابداعي له "آلام فرتر". 
عـاش غوته طفولة سعيدة فى البيت العائلي. ومبكرا تعلم اللاتينية واليونانية والانجليزية وحضر دروساً في الموسيقى والرسم وتدرب على التزلج والفروسية.  وكثيرا ما كان يقف منبهراً أمام لوحات جلبها أبوه من ايطاليا ليزيّن بها صالون البيت.  ومبكرا أيضا اهتم بالمسرح وكان يقرأ بنهم الأساطير والقصص الالمانية القديمة. ومن المؤكد أن غوته تابع باهتمام وحرص كبيرين الأحداث الثقافية التى عرفتها المانيا في ذلك الوقت. وفى مذكراته أشار إلى أنه فـتـن بأعمال موسيقيين كبار من أمثال باخ وهاندل وموتزارت وبيتهوفن . كما أنه تأثر بأعمال أدباء من أمثال كلوبستوك ، ويبرز هذا التأثير في عمله الابداعي الأول "آلام فرتر".
فى عام 1759، احتل الجيش الفرنسي مدينة فرانكفورت وقرر قائده الكونت تورانك الاستقرار فى بيت والد غـوته. ولم يهتم الفتى غـوته بغضب والده من جراء ذلك، بل وجد الفرصة سانحة لتعلم اللغة الفرنسية وذلك بمساعدة الجنود والخدم .
في عـام 1770 ، قـرَّر التوجه إلى سترازبورغ لإنهاء دراسته فى الحقوق،  وأيضاً لكي يكون قريباً من الثقافة الفرنسية التى أحبها كثيراً منذ أن قرأ راسين فى مكتبة والده.
فى سترازبورغ، التقى غوته هـردر الذى كان يكبره بخمسة أعوام فقط غير أنه كان قد كتب كثيرا فى اللغة والأدب. ومنذ اللحظة الأولى، أحس أنه عثر أخيراً على الرجل الذي سوف يضيء أمامه الطريق نحو الشعر والمعرفة. ولم يخب ظنه، فقد تمكن هـردر الذي كان يمتلك شخصية قوية وثقافة واسعة من أن يساعده على كشف أسرار الشعر والأدب واللغة. وها هو يكتب قائلا: "لقد بدأت أعـرف الشعر من جانب مختلف وفى معنى آخر غير المعنى السابق. إن هـردر هو أول من أطلعني على أعمال هامان التى لها قيمة كبيرة بالنسبة له". وبفضل هـردر أيضا اكتشف غوته أعمال الاغـريق القدماء خصوصا هوميروس ، وبنصيحة منه قرأ أعمال شكسبير التي سوف تؤثر فيه تأثيرا هائلا فى ما بعد، بل ستجعله يفكر بأن يكون "شكسبير" بلاده.
في أواخر العام 1775 سـافـر إلى فايمار بدعوة من حاكمها شارل أوغست، وكان فى نيته أن يمضى هناك بضعة أشهر ، غير أن القدر شاء أن يظل في فايمار حتى اللحظة الأخيرة من حياته.
كـلـفـه شـارل أوغـست بـالإشـراف على إدارة حكومة الامارة... أظهر غـوته براعة وحنكة فى مجال الشؤون الاجتماعية والاقتصادية والمالية. وقد مكنه عمله الجديد من اكتساب صداقات سوف يكون لها كبير الأثر على عمله الأدبي. 
فى أواخـر العام 1777 استعاد هدوءه وسكينته ، وانصرف إلى الاهتمام بعائلته الصغيرة وبحديقـته. وفى مذكراته كتب يقول: "يبدو لي أن هناك تحولا بدأ يطرأ عليّ ، غير أنه ليس باستطاعتي أن أفسره" ... لكن هذا التحول سرعان ما يتضح ويكتشف غـوته أنه عليه أن يولى اهتماما أكبر لعمله الابداعى حتى "يكون متساوياً مع عظماء الرجال" ، كما يكتشف أيضا أن الزمن يمضي بسرعة لذا يتحتم عليه أن يتحاشى تأخير ما يأمل فى انجازه من أعمال،  قبل أن "يهدم الموت كل شيء ويظل صرح بابل غير مكتمل".
فى عام 1788، وهربا من الإدارة ومن الجو العائلي الذى بدأ يخنقه، ويحد من حريته الشخصية سافر إلى ايطاليا، وعند وصوله إلى الـبـنـدقـيـة كتب يقول: "هكذا، كان مرسوماً فى كتاب القدر في الصفحة الخاصة بي أن أكون يوم 28 ايلول في الـبـنـدقـيـة...بعدها أجوب وأزور هذه المدينة الساحرة. شكرا لله.. ومن الـبـنـدقـيـة إلى روما "عاصمة العالم القديم" .
وعند وقوفه أمام لوحات ميكائيل أنجلو كتب يقول: "أنا الآن جد ممتلئ بميكائيل أنجلو إلى درجة أنني بعده لن أتذوق منذ الآن نفس الطبيعة نفسها ، ذلك أنني لست قادراً ان أراها بعينين واسعتين مثل عـينيه". وفى نهاية الرحلة الايطالية كتب يقول:"لقد شفيتُ من مرض عـنيف لكى أشرع فى الاستمتاع بالحياة، بالتاريخ ، بالشعر، بالأشياء القديمة ، وأن أخشى السنوات التي سأنفقها في الإعداد والتهيئة".
لقد كانت الرحلة إلى ايطاليا منعرجاً جديداً فى حياة غـوته ، بل يمكن القول بأنها كانت بمثابة "الولادة الجديدة" بالنسبة له. ومن وحيها كتب عمله الذائع الصيت: "أناشيد رومانية" وفيها عبر عن حنينه إلى الضوء المتوسطي وإلى المعابد والمسارح القديمة ، وإلى الألوان الصارخة والليالي المضاءة بالنجوم ، وإلى القصر الذى يبدو أكثر صفاء من نهار الشمال". 
وفي فايمار بدأت ذكريات الرحلة الايطالية تختلط بأحداث الواقع: "الآن أشعر بحماس فياض فوق الأرض الكلاسيكية. عالم الأمس وعالم اليوم يتحدثان إليّ بصوت أكثر علواً وبأكثر سحر وجمال"
غـوته يحظى الآن بشهرة واسعة وأعماله الإبداعية تملأ الدنيا وتشغل الناس ، غير أن ذلك لم يكن يعنيه كثيرا. ما كان يعنيه هو أن "يستكمل بناء ذاته" وأن ينجز تلك المشاريع التى كانت تتزاحم فى ذهنه. وكان على هذا الحال عندما اندلعت الثورة الفرنسية. وقد تابع أحداثها لحظة بلحظة ، وساعة بساعة ، ويوما بيوم. 
فى ما بعد، أسرَّ إلى ايكرمان ، صاحب مؤلف: "محاورات غـوته"، قائلا: "لم يكن باستطاعتي أن أكون صديقا للثورة الفرنسية، ذلك أن فظائعها وأهوالها كانت جد قريبة مني، في حين أن نتائجها الايجابية لم تكن قد توضحت بعد. ولم يكن باستطاعتي أن أظل لا مبالياً أمام الذين حاولوا بصورة مصطنعة إثارة أحداث فى ألمانيا ، فى حين أن هذه الأحداث في فرنسا كانت نتيجة ضرورة كبيرة. لكن لابد لي أن أشير إلى أنني لم أكن صديقا للاستبداد وللنظم التعسفية ، وكنت على اقتناع تام بأن أية ثورة كبيرة ليست أبدا خطأ الشعب، وإنما خطأ الحكومة. إن الثورات مستحيلة إذا ما كانت الحكومات عادلة ومتيقظة وقادرة على تلافيها باجراء الاصلاحات اللازمة".
في الـعـام 1794 ارتبط بعلاقة صداقة قوية وحميمة مع شيللر الذي كان قد غادر لايبتزيج ليقيم فى فايمار. وفى البداية لم يكن شيللر يرتاح كثيرا لغوته ، بل كان يرى فيه الحاجز الذى يعيقه عن الحصول على النجاح والشهرة. وأما غـوته فـقـد اكتشف بعـد عودته من ايطاليا حيث كان يبحث عن "صفاء فى جميع فروع المعرفة والفن" أعمالا مهمة صدرت خلال غـيابه. 
وكانت مسرحية "اللصوص" لشيللر من بين هذه الأعمال . وحال انتهائه من قراءتها، أحس برغبة جامحة في التعرف على صاحبها. وقد تم اللقاء الأول بين الأديبين الكبيرين فى بيت غـوته. ودار حوار ساخن وممتع بينهما حول الفلسفة والأدب ليفضي في النهاية إلى نشوء علاقة صداقة نادرة فى تاريخ الآداب العالمية.
وفى بداية العام 1805 سقط كل من غـوته وشيللر مريضين. وفى التاسع من آيار من العام نفسه توفى شيللر. ولما عـلم غـوته بذلك كتب يقول: "كنت أعـتقـد أنني أنا الذي سأموت ، وها أنا أفـقـد صديقا ، وبفقدانه أفـقـد نصف وجودي". .
عـقـب شفائه أنهى غـوته رائعـته "سنوات تدرب فيلهالم مايستر" التي سيعتبرها النقاد أول رواية المانية حديثة بالمفهوم الحقيقي للكلمة. بعدها أنهى رائعته الأخرى "فاوست" التي كان قد نشر أجزاء منها عام 1790. وقبل إنهائها التقى فى مدينة ارفورت فى الثانى من تشرين الأول 1808، نابليون بونابرت. 
والحوار الذى دار بين الفنان والامبراطور ظل طيّ الكتمان إلى أن كشف غـوته عن جوانب منه وذلك عام 1824 في حواره مع ايكرمان: "كان الامبراطور جالسا إلى طاولة كبيرة مدورة ، وكان يتناول غداءه، على يمينه، واقفا بعيدا إلى حد ما عن الطاولة، كان هناك تالايران. قريباً منه على يساره دارا الذي كان يتحادث معه حول شؤون المساهمات. أشار إليّ الامبراطور أن اقترب. بقيت واقفا أمامه على مسافة مناسبة ... بعد أن نظر إليّ ملياً قال لى بالفرنسية: "أنت رجل!" انحنيت. سألني: "كم عمرك؟" ستون عاما، أجبت. رد هـو: "لقد حافظت جيدا على صحتك. هل كتبت مسرحيات؟" أجبت بما هو ضروري. وهنا أخذ دارا الكلمة. تحدث عني تقريبا مثلما يمكن أن يتحدث عني رعاة شؤوني فى برلين وأضاف بأنني ترجمت من الفرنسية كثيرا من الأعمال بينها "محمد" لفولتير ، وعـلـَّـق الامبراطور على ذلك قائلا: "هذه ليست مسرحية جيدة ، ووضح بالتفصيل رأيه فى الموضوع. بعدها تحدثنا عن "آلام فرتر" التى يبدو أنه قرأها جيدا".
غادرت القوات الفرنسية المانيا عام 1814 ، وحلَ السلام من جديد. وكان غـوته الذى أنهى عملا ابداعيا آخر هو "الأنساب المختارة" قد عانى كثيرا من الأحداث التي عاشتها بلاده خلال الحرب ... ولأنه كان منذ فترة طويلة منشغلا بآداب الشرق، وكان قد قرأ القرآن الكريم والعديد من الأعمال لشعراء عـرب وفـرس ، فإنه شرع في كتابة مؤلف جديد حمل عنوان "الديوان الشرقي للمؤلف الغربي" والذي سيكون من بين الأعمال التي سوف تخلده على مدى العصور. 
فى العـام 1816 تـوفـيـت زوجة غـوته وتزوج ابنه. وللتخفيف من متاعب الشيخوخة ومن الأزمات الصحية الخطيرة التى أخذت تنتابه من حين لآخر، قـرر أن يمضى فترة استشفاء فى "مارينباد" وهناك أحب فتاة فائقة الجمال تدعى أولريك فـون ليفيتزوف. 
كان هو في الرابعة والسبعين وكانت هي في التاسعة عشرة ، غير أن الشاعر العجوز الذى عاش للحب منذ أن فتح عينيه على الحياة، تحدى الزمن، محاولا استعادة اشراقة الشباب. وعندما كان عائدا من "مارينباد" كتب يقول: "والآن ما الذى آمله من اللقاء؟ من زهرة هذا النهار التي لم تتفتح بعد؟ الجنة والنار تتفتحان أمامى... يا له من هيجان،  يا له من اضطراب فى الروح! لم يعد هناك أى شك! إنها تتقدم من باب السماء،  وترتفع إلى أن تبلغ ذراعيه. لقد قبلت إذن ... هي الجنة كما لو أنك تستحق الحياة الجميلة دائما. لم تعد لك أمنية ولا أمل ولا رغبة. وهنا هـدف اندفاعك الأعمق ، وفى تأمل هذا الجمال الذي لا مثيل له ينضب في الحين ينبوع دموع الحنين".
في 22 آذار 1832 تـوفي يـوهـانـس ولـفـغـانـغ فـون غـوتـه ، وكانت آخر كلمة قالها : "لم يعـد هناك ضوء!" ... وقبل أسابيع من وفاته، قال لأحد أصدقائه: 
"من أنا؟ لـقـد تـقـبـلـت واسـتـقـبـلـت ،واستوعـبـت كل ما كان فى مـتـنـاولي. 
أعـمالي هي أعـمال كائن جماعي، يحمل هذا الاسم: غـوته".
 
* كاتب وأكاديمي فلسطيني مقيم في السويد.