المتاحف.. اختزال الصيرورة في تجليات المادة

شعيب الصديقي*

 
في الزمن القديم الذي لا يبعد عنا سوى بالقليل، كان لكل أسرة صندوق أشيائها البالية و القديمة، تكتنز فيه أغراض ماضيها القريب أو البعيد، مقتنياته تتجاوز ملكية الأفراد الأحياء لتضم ما يعود لأجداد رحلوا أو ينتظرون الرحيل. و بالمثل، فإن الصناديق تنفتح على الحوائج الشخصية سواء للفرد، أو صعودا نحو العائلة و العشيرة و ربما القبيلة، على حسب نمط العيش الاجتماعي. و لكل ما يخزن فيه ذكرياته الماضية التي تنبعث بمجرد انفتاح الصندوق على العالم المتحول، و تثاؤبه بقطع أخشاب مهترئة، و ربما مدعمة بصفائح معدنية في أحسن الأحوال، أو على حسب شكل هذا المتحف الصغير. و بقدر ما كانت هذه الأشياء تثير الحنين و تستدعي الماضي بكل حمولاته، بقدر ما كانت إرثا تتوارثه الأجيال، و عقد بيعة تتجاوز ما هو فردي نحو الدم و العائلة، ومتى دنا الزمن تتشارك العائلة بأجيالها المختلفة لحظة البيعة تلك، في طقوس استثنائية؛ يفتح الجد الصندوق (المتحف الصغير) في حضرة الأبناء  الأحفاد، هذا يرنو للماضي وذا يتطلع للقادم. على أن توالي السنوات يعني تراكم المخلفات، وبالتالي التأسيس – في طريق الاستقلال و الاستقرار العائلي للفرد- لمتحف خاص تتقاسمه أسرة جديدة.
في القديم أيضا كان لهذه الأشياء قيمة أكبر  أثر وأعمقه، نظرا لكون الباعث الوحيد (أو ربما الوحيد) على الذكرى و الاستذكار، وكذا لأن الظروف تجعلها قليلة ونادرة، وفي طريقها نحو الاندثار، زد على ذلك ارتباطها بحيوات بسيطة ومعيشة تقليدية لدى أصحابها، على خلاف اليوم.
مع تطور السنين غدت هذه الأشياء من قبيل الحظ العاثر الذي لم يطله النسيان، و قايا أكثر مدعاة للحنين و التأمل، صار الفرد لا يحتفظ بأشيائه إلا لماما، والعائلة ترمي في طريق الخردة أكثر مما تدخله للمنزل، أي أن أزبالها (ومن ضمنها كل ما هو قديم) تتكاثر وتتراكم، علاوة على ذلك فقد تقلصت مساحات المنازل، وصار الفناء و البهو .. في خبر كان، بل تزاحمت الغرف وخضع الدرج لحمية أفقدته بعضا من بدانته ، كما فقد المنزل طوله وشساعته، مما انعكس سلبا على الأحياز الهامشية سابقا، والتي لم يعد لها وجود حاليا، من قبيل المخازن الصغيرة والفناءات. وبالتالي مما لا يدع مجالا للبحث عن بديل، رمي كل ما هو قديم، و القديم ليس بالضرورة عمره عقد أو اثنان..، بل قد يكون أسبوعا أو ربما أياما. لكن الأكثر من ذلك يكمن في التحولات الأخرى التي طالت تمكّن الإنسان من سبل العيش، فهي على قدر المستطاع حتى لأبسط الأسر دخلا، مما يعني تراكم الحوائج شهريا و تقادمها بوتيرة متسارعة، يستحيل معها الاحتفاظ بالكل. لكن الأهم هو أن الصور الفوتوغرافية والتسجيلات نابت اليوم عن كل ما من شأنه اكتناز ذكريات ماضية، تسترد الماضي وتحشر الذكرى على رصيف الحاضر التأملي، فصورة واحدة تحتمل أشخاصا عديدين، بأشيائهم ومظاهرهم وخلفياتهم.. مما لا يقدر صندوق على احتوائه. بالإضافة إلى أن الحيوات الناجمة عن نمط العيش، وجموع العلاقات التي قد يظفر بها الإنسان من واقعه الموضوعي، قد تغيرت وتبدلت؛ فاستحالت الجماعة فردا، والفرد أفرادا، والسنتيم دراهما.. .
جراء كل هذه التحولات الاقتصادية (القدرة على مراكمة الأشياء) والاجتماعية (تفكك الروابط البعيدة دمويا، و تصدع القريبة. تحول الأسرة نحو التشكلات النووية) والقيمية (انتصار الفردانية ..) اقْتِيدَ الماضي عنوة وقهرا نحو جبال الخردة، ليأخذ الصف على طريق التدوير وإعادة التصنيع. بيد أن التحول النوعي يتمثل في بروز المتاحف؛ هذه البنايات الفنية و المزخرفة التي تحتفي بكل ما هو قديم و يشدنا للوراء، استذكارا واسترجاعا. فتكاثرت ونمت، كما حظيت بالاهتمام. إلا أن كثرة أشياء الماضي حال دون احتواء المتاحف لها جميعا، على أن ما يحظى بالعناية هو القليل والنادر والنوعي، متوزعا على الآلات بمختلف أحجامها، والصور، والمقتنيات والوثائق.. . ما يجمع بينها متمثل في قيمتها وحجم أهميتها؛ فهي لم تعد تخص أفرادا بعينهم أو عائلات، بل صارت تهم الجماعة الموسعة (الدولة والشعب)، أو على الأقل تهم جماعة ثقافية، جغرافية، دينية، لغوية.. معينة. وتتبدى شاهدا ماديا على لحظات تاريخية أكثر مدعاة للنظر.
وبهذا فإن متاحف اليوم هي مقالع جماعية ليس لذكريات الأجداد فقط، بل - وبقيمة أكبر- لإمارات الأزمنة الغابرة والبعيدة على مستوى الزمن النفسي، نتيجة للغربة الشاملة والحركة الزمنية شبه اللامتناهية، التي تجعل الإنسان متباعدا مهما ملأت أعداده الغفيرة هذه القرية الصغيرة. هي أيضا مشترك جمعي لأفراد وجماعات. و بقدر ما تستعبدهم الصيرورة مخضعة إياهم (بشكل مباشرة أو بتمكين الآخر منهم) في صيرورتها، بقدر ما ينتقمون هم باختزالها في أشياء مادية، غير مبالين بالزمن، أو فاقدين للشعور به. ومن يعرف، قد تكون هذه الأشياء بحجم رقاقة الكترونية، لكنها تحيل على سنوات وعقود، وربما لها من قدرة الاستيعاب ما يمكنها من اختزال تاريخ الإنسان برمته.
 
(الصورة : باحة متحف مراكش).
 
* كاتب من المغرب/ مراكش.