الماء

Printer-friendly versionSend to friend
محمد نجيب بوجناح*
 
مرة أخرى يفقد البروفسور أعصابه وينهال على زوجته سباً وشتماً، بل كاد يضربها.
كان شديد التوتر في الأشهر الأخيرة لتعثّر ابحاثه عن فيروس عنيد.
وكانت في كل مرة تحاول تهدئته أو تلزم غرفتها إلى أن يأتي ليعتذر أو يقدم لها هدية.
أما في تلك المرّة فقد تسمّرت في مكانها، شاحبة الوجه، كأن كلماته قد حنّطتها.
لاحظ أنها ستنهار، فمدّدها على الأريكة باكيا ومعتذرا، لكن يديها تصلبتا، واسودّ وجهها وغطّته التجاعيد، كما لو أنها كبرت عشرين سنة في لحظات.
إرتبك أمام تلك التغيرات في جسدها، فناولها بعض المسكنات واطمأن عليها ،ثم غادر البيت لا يفهم ما جرى.
قصد مخبره، وهنالك تملّكته نوبة عصبية أخرى، فكسّر وبعثر كل ما اعترضه ثم جلس على كرسي، يلعن العلم والفيروسات، ويلقي بشتائمه في كل إتجاه.
كانت هنالك كاس ماء على مصطبة العمل، في مجال نظره، تتشرب تلك الشتائم والإهانات، فبدأ لون الماء يتغير حتى اسودّ. إنتبه البروفسور لما جرى. أخذ الكأس وقربها من أنفه فكانت نتنة.
ملأ كأسا أخرى ووضعها أمامه، يلعن الماء ويهينه، فاسود وتعفن. أعاد التجربة  مرات فكانت النتيجة نفسها. عاد إلى الكأس الأولى ومسّد عليها معتذرا، معدّدا محاسن الماء ومزاياه على الإنسانية، فعاد الماء تدريجيا إلى صفائه وزالت رائحته الكريهة.
وضع البروفسور رأسه بين يديه مفكّراً ثم إنتفض من مكانه وجرى إلى بيته.
تذكر زوجته وتحوّل سحنتها، واستعاد حقيقة أنّ ثلاثة أرباع جسم الإنسان ماء.
 
ملاحظة: القصة مستوحاة من تجارب لعالم ياباني، ماسارو إيميتو، ضمنها كتابه Messages of water، وقد قدمته تيريزا خليل على اليوتوب.
 
24/07/2017
 
nejib.boujnah@gnet.tn
 
* أديب من تونس.