الليل في روايات زيد الشهيد

صالح الرزوق*

يقدم الكاتب العراقي زيد الشهيد في ثلاثيته "الليل في نعمائه"، و"الليل في بهائه"، و"الليل في عليائه"*، ثلاث دوائر متداخلة، كلها تعيد الذاكرة الأدبية إلى الماضي.وإذا كان يصعب تلخيص أحداث ثلاث روايات متقاطعة ومنفصلة، يمكن الإشارة إلى همها العام. وهو عاطفة الحب العفيف، أو الحب المقموع. ففي كل رواية قصة غرام ضمن حبكة بسيطة مع أقل عدد ممكن من الشخصيات، جريا على تقاليد فرانسواز ساغان في معظم أعمالها الصغيرة ومنها "سحابات رائعة" و"صباح الخير أيها الحزن" و"الوداع مجددا" وغيرها....

لكن الشهيد يعارض الحب المدنس. ويكتفي بمتابعة المشاكل الاجتماعية، التي تطال جيل الأبناء، من المثلث الأوديبي. فالنساء هنا عذراوات ومحبات بالسر، والرجال عشاق متحفظون لا يذيعون تفاصيل حياتهم العاطفية، أو أنهم غافلون عن مبدأ الرغبة. فهم ضحايا لمشكلة التصعيد الفرويدي، ويستهلكون حياتهم بالانكفاء على الذات والتفكير بمشاكل روتينية  منها الملبس والمأكل، ونادرا ما يفكرون بالمأوى. ويهتم أبطال الشهيد كثيرا بالمنغصات (العوائق بلغة الناقد الروسي بروب) ومعنى الاستسلام للقدر الغاشم الذي تقول عنه شهرزاد هادم اللذات ومفرق الجماعات. والواقع إنه بين هذه الثلاثية وشهرزاد أكثر من وشيجة وصلة قرابة. فحكاياتها تتطور في الليل، وهو التوقيت الذي اختاره زيد الشهيد لثلاثيته. وهذا واضح من العنوان. لكن الصلة لا تتوقف عند العناوين،  فهناك أيضا علاقة في المنطق أو البنية. 
كانت شهرزاد تسلي شهريار الجائر بمجموعة من القصص المتوالية، وتسمح لكل قصة أن تتفرع فجأة دون تمهيد، وأحيانا تحتل القصة الفرعية مساحة أكبر من الأساسية. وقد اتبع زيد الشهيد هذا الأسلوب دون تردد (مثلا حكاية حمامة معشوقة حزين) ولكن لغاية مختلفة.
فشهرزاد تهدف لجذب انتباه شهريار بالتشويق والغرائب. في حين استعمل الشهيد هذه الحيلة للتعريف بماضي الشخصيات (فحكاية حمامة تبدأ قبل الأحداث بخمسة عشر عاما – ص 26).  ولا شك أن التذكر واحدة من أهم وسائط السرد في أعمال الشهيد. ويقول بهذا المعنى: "الذكرى بقدر ما هي لذيذة حين تتسلل من دهاليز الذاكرة وتدخل بستان الوعي فإنها بلا شك تثير الشجون وتقض مضاجع الهجوع" . ص 33.
وقد أدى ذلك لأن تنقسم رواياته على نفسها. فقد كانت الحكايات الفرعية بضمير المتكلم وبصيغة حوار، بينما حكاياته الأساسية بضمير الغائب وبأسلوب الوصف والمتابعة. وهذا لم يكن ليعفيه من التدخل ومن رفع صوته الداخلي بتعليقات ومداخلات طويلة نسبيا، وبلغة يمكن القول إنها لغة مثقف أو ناقد أدبي.  وعلى سبيل المثال مداخلاته المسهبة عن الفن الانطباعي ص 52، وعن الرومنسية في الأدب ص 62، وعن الحكمة المرجوة من التحليل النفسي. هذا إذا تناسينا تحليله المطول لسيرة حياة أخماتوفا وشعريتها وعلاقتها الملتبسة مع الدولة السوفييتية. لقد أسقط ذلك على السرد، ويمكن القول إنه أضافه، أو أقحمه عنوة. وهذا شيء معروف في البدايات. فقد كان صوت الراوي يرتفع في أعمالنا الأدبية القديمة لإلقاء موعظة أو لتعليمنا درسا في الأخلاق (مثلاً مونولوجات شكيب الجابري في رواياته المبكرة "قوس قزح" و"نهم"" و"قدر يلهو"،  فهو يلقي دروسا طويلة عن أهمية العفة ودور الحضارة الروحية لأهل المشرق ودائما – أو غالبا، من وراء حدود القصة، ومن خارج ضرورات البناء الفني، وكلامه لم يكن يضيف شيئا لمعلوماتنا عن الشخصيات).
ولكن في حالة زيد الشهيد ليست هناك دروس تربوية، إنما مجرد أفكار عن الموسيقا والرسم واتجاهات الأدب كالشعر وخلافه. وهذا فرق هام. نعم، إنه إسقاط أو استطراد ويلقي عبئا إضافيا على الأحداث، لكنه لا يحمل عصا ليضرب القارىء بها. كان شكيب الجابري يعذب شخصياته بصوت ضميره الشخصي، ليذكرهم بعاقبة الحرية دون مسؤولية، وأنهم ليسوا في إجازة ولكن لديهم واجب. أما الشهيد فيسترسل موضوعيا، ولم  يسع أن يفرض رأيه ، ولكن أعرب عنه من خلال شخصياته فقط. وليس بالوسع إدانته على ذلك. فشخصياته هي من فئة البورجوازية الصغيرة. متعلمة إن لم تكن مثقفة. ويحق لها أن تدلي برأيها. وقد عمد لمثل هذا الأسلوب علي بدر في معظم أعماله المتوسطة والأخيرة. وروايته "الركض مع الذئاب" ثم "أساتذة الوهم" مثقلتان بأفكار وتهويمات عن الثقافة ودورها في الوعي وتنمية الحواس،  ناهيك عن تحليلات رفيعة المستوى للواقعية في الأدب وعلاقتها بالماركسية.
إنما لا بد من تسجيل نقطة نظام.
هذا الأسلوب يعمد لتعويم الوصف، ويكشف مرجعيات الكاتب، التي يستحسن تغليفها وتعليبها بأدوات غير مباشرة (بتعبير الناقد الأدبي حمزة عليوي). فالرواية يجب أن لا تتعدى قوانين السرد والسرد فقط (بتعبيره أيضا). لكن كان علي بدر يعرب عن حقيقة رواياته. بتعبير آخر كلامه لم يخرج عن فنية العمل الذي أمامنا كأنه يكتب عن الدوافع، وآليات الحبكة ولماذا اختار لرواياته هذا الأسلوب دون غيره.
أما الشهيد فقد راوح بين تقنية الأصوات وحديث النفس. لقد كانت شخصياته مترددة في رأيها مثلما هي مترددة في حياتها، واختيار نهاية لقصص الغرام الذي تورطت به. وكان يحدوه المفارقة أكثر من المتابعة. وبلغة أوضح، لقد اختار أن ينفصل عن موضوعه، وفرض السفر في "الليل في نعمائه" على حزين (بطل الرواية). وفرض على نعيمة بطلة "الليل في عليائه" العودة إلى مسقط رأسها، ولم يقدم تبريرا. لماذا يفصل بين العاشقين مع أن كل الظروف مواتية للمّ الشمل؟. هل كان يهرب من نقطة المصالحة، ويرى أنه لم يئن أوانها، وما زالت معركتنا مستمرة مع الطبيعة الموحشة (وهي هنا الليل- بعفاريته ولونه الأسود ومخاطره) ص 129.
لقد أراد تمرير هذه الرسالة، ولا سيما أنه توجد نقطة بنيوية في تكوين هذه الشخصيات، فهناك حالة كعب آخيل، أو جزء مكشوف من أبطال الرواية في علاقاتهم مع أنفسهم وواقعهم. فمع أنهم من المثقفين فإنهم لا يدينون للأنتلجنسيا بأية صلة. وبالعكس هم جزء من نظام العمالة اليدوية. ومرتبطون بظرف الصراع مع الواقع بدافع البقاء وليس بدافع التطور. إنهم شخصيات يسعدهم الاحتفاظ بالمكاسب التي باليد، ولا يفكرون بتوسيع رقعة هذه المكاسب. وهذه أقوى علاقة يمكن أن تربط هذه الرواية بحقيقة شهرزاد. لقد كانت تكافح بحكاياتها ضد الليل، وقانون الحاكم الجائر، لتبقى على قيد الحياة.
 
(صدرت الثلاثية عن دار الأمل الجديدة بدمشق عام 2016. وأرقام الصفحات تشير للجزء الأول).
 
* أديب من سورية.