الليلةُ الأولى بعد الحياة

تامر سعيد*

 

 

إنّها خُلوةٌ شاسعة
وصحراءُ محنطةٌ للتأملِ ،
يدايَ ريشتانِ في الخيالِ العميقِ
وهذا النسغُ العابرُ من رأسي إلى قدميَّ
باردٌ وشفيف .
لم تبقَ نجمةٌ في الوضوحِ
إلا ومسحتْ بفضتِها جبيني
فلِمَ الأيادي التي تلوحُ ورائي
موشحةٌ بالذبول 
والغرانيقُ التي تتبعني الآنَ
نسيتْ عند الشطِّ زعيقَها
وحلقتْ دائخة ؟
كلُّ شيءٍ هادئٌ وأليف
فلماذا يصلّون صلاةَ الفقدِ من أجلي
أو يكرعونَ كؤوسَ الغياب ؟

 

 

كلُّ الشواهدِ تشي الليلةَ
بأنَّ التقاويمَ مفتوحةٌ
ولا سلطةَ للمعاجمِ على ترانيمِ القلب
حيثُ لا يدَ تمسكُ بأعِنَّةِ الوقتِ غيري
والبوصلاتُ رهنَ جهاتي
لكنَّ سريرَ الترابِ لم يكن مريحاً
بما يكفي ..
منضدةُ الخشبِ الصغيرةُ ليستْ في مكانِها المألوف
كوبُ الشاي الساخنُ ، علبةُ التبغِ
ولا منفضَة الرماد
فكيف سأكملُ قصائدي المبتورةَ في الحياة ؟

 

 

الذي طيَّرَ نارَ القطربِ على الطرقاتِ
كان أول من زارني بقدمهِ التي أكلَها السُكريُ
وراحَ يسألني عن جديدِ القصائدِ وجسرِ العبيد
مقاهينا العتيقةِ في أم البروم وما بقيَ من الشرفاتِ
في شناشيلِ نظرانَ .
أما جامعُ دموعَ الأرضِ 
فقد كانَ منشغلاً بالبحثِ عن قبعتهِ
في سطرٍ متخمٍ بالتفاعيلِ .
لم يكنْ شايَ الليلةِ الأولى مرّاً وباهتاً
مثلُ شاي الحصار 
وكلّما بَردَ سخنّاهُ بسُكرِ الحنينِ
كيلا يغدرُ النسيانُ بالتذكرِ .
كنّا نراقبُ المعتزلَ الذي غادرنا
في أولِ أيامِ الحوتِ وآخرِ أيامِ الطاغية
يحطمُ أصنامَ الشعرِ على حافةِ العالمِ
بصخورهِ التي حبستْ كآبةَ الخلود ،
وبوب مارلي وهو يحلقُ شَعرَهُ النيكرو
ويكسّرُ قيثارتَهُ
ولا يدري أيّ ماريغوانا ستنسيه
غاباتِ أفريقيا
وقد تحولت إلى مقابر ،
الذي شيّدَ جنائنَ آدمَ بالأغنيات
ما أنفكَ يصوبُ قلبه
إلى أجراسِ ملائكتهِ الناشجة
فلا يرى سوى طائرٍ آخرَ يتهاوى
في المدنِ المفتوحةِ في المجدِ
فيُجلسُ إلى مائدتِهِ مجنوناً 
من أقاصي النحيبِ
ليعكران ليلَ الموتى ، ثم يعيدانِ الوردِ
إلى أجناسهِ .

 

 

 
سأشعلُ الليلة قمرين للغناءِ
وأبحثُ في بيوت النملِ
عن شبكةٍ جديدةٍ لل wi-fi
فثمة كلامٌ كثيرٌ بيننا 
ما زالَ عالقاً في الهواء
وجملةٌ شعثاءُ لمْ أمشط جنونَها
في قصيدتكِ الأخيرة .

 

 

نسيتُ أن أقولَ لكِ :
لا تصدقي نوايا الصحف التي ترثيني الآنَ
فطالما كانت تنشر قصائدي التي تعرفينها
في زوايا منسية تحت سماجات بعض الجميلات 
ولا هذا الذي ينشرُ نعيي على صفحتهِ الشخصية
فقد كان يجفُّ ريقُهُ 
كلّما تفجّرَ نهرٌ في قصائدي
ويزرقُّ وجهُهُ
حينَ يرقصُ العشبُ بين حروفي .
لا تخدعنكِ هذه المذيعة اللعوب
وهي تدوزن حروف أسمي في نشرةِ الأخبار
بحزنٍ شاهقٍ
على تجاعيد شفتيها المنفوختين بطاقة البوداكس
فقد كانتْ تقضُّ عليَّ ليلي برسائلَ شَبقةٍ
وحينَ أشحتُ بقلبيَ عنها
حظرتني من قائمة الأصدقاء .

 

 

 هي ليلتي الأولى بعد الحياة
إلى الآن لم أحظَ بمرتبةِ ميّتٍ
أو لنقلْ : أنا لم أمتْ بعد
كل ما في الأمر
أني تنحيتُ قليلاً
كي أحرسَ الحياةَ من الموتى ! 
 
* شاعر من العراق.