اللغة بين إبداع مارك أنتوني وألفا (شهادة)

آن الصافي*

مارك انتوني أميركي من مواليد نييورك لأبوين من بورتريكا، يعتبر من الأصوات التي اكتسحت عالمياً عبر أغاني الصالصا والبوب. توّج في العقود الثلاثة الأخيرة بلقب ملك الصالصا. غنى بالإنجليزية والإسبانية وشارك بالتمثيل في عدد من الأفلام منها فيلم Man on Fire -2004 مع الممثل العالمي دنزل واشنطون.

أغاني مارك انتوني بالأسبانية  يفهمها من يجيدون هذه اللغة، وكاتبة هذه السطور ليست من بينهم، لكن بمقدوري الاستماع إليها لساعات دون كلل لجمال الصوت وتفرد الموسيقى. بالطبع من الممكن اللجوء لأدوات الترجمة المتاحة والعثور على معاني الكلمات التي يشدو بها.

في بعض نصوصي الروائية استخدمت أسماء مبتكرة لا أصل لها في أي لغة كما فعلت في رواية "توالي" (ابتكرت اسماء شخوص مثل: زيزيان، الترناغ ،المورنانا..)  بينما في رواية "قافية الراوي" و رواية "جميل نادون" فقد  اطلقت على مدينة اسم (نادوند). بالطبع العديد من الكتاب قديماً وحديثاً قد لجأوا لهذا الأمر في بعض نصوصهم ،آملين أن تؤدي غرضا معينا من ذلك ، قد يكون فقط التشويق وربما إضفاء صبغة من الابتكار في لغة السرد.

تعرض  دورالسينما الكبرى في هذه الآونة ومنذ 18 أغسطس 2018 فيلم مغامرة أميركي من المتخيل التاريخي عنوانه الفا Alpha يبدأ الفيلم بحديث الراوي وباللغة الإنجليزية الذي يبلغ المشاهدين أن  احداث القصة  التي سنشاهدها   جرت قبل 20 ألف عام في اوروبا.  بعدها يختفي صوت الراوي ونستغرق في مشاهد الفيلم ومتابعةالأحداث، لننتبه الى أن اللغة المستخدمة في الفيلم ليست بالإنجليزية، وهناك شريط أسفل الشاشة يتضمن ترجمة بالإنجليزية والفرنسية والعربية، ومع نهاية أحداث الفيلم يعود صوت الراوي ليتحدث بالإنجليزية مرة أخرى. عموماً، سيجد المشاهد أنه يستغرق جل وقته في التركيز على الأحداث ربما بشيء من المتعة والتشويق، وهو متورط تماماً ليصل لحل عقدة قصة الفيلم متجاوزاً مسألة اللغة التي يتم بها  حوار أبطال الفيلم.  في الغالب  هذا الأمر قد يحدث لكل من اعتاد قراءة ماعلى شريط الترجمة أسفل الشاشة أمام أي فيلم  يعرض بلغة يجهلها.

المفاجأة في فيلم "الفا" أن اللغة البدائية التي تحدث بها شخوص الفيلم هي من نسج خيال صناع الفيلم فقط. أي أنها صنعت وركبت بحروفها وكلماتها وجملها كلغة، ونسج بها الحوار بين أبطال  هذا العمل الفني.

 إن جاز الوصف فإن هذه اللغة  المستخدمة في نص سردي أو سينمائي هي لغة مُنشأة ومتخيلة  لغرض سردي  أو هي لغة روائية متخيلة ربما. عموماً من المتعارف عليه في السينما والقصص المرسومة والأعمال السردية استعمال لغة من متخيل الكاتب  وتقدم كما ذكرت آنفاً أسماء، أو لغة حوار جزئية أو حتى كاملة في نص روائي /عمل متخيل.

وتتضمن هذه اللغات المبتكرة في السرد قواعد بسيطة ويعتمد نجاحها على خدمتها للغرض المستخدمة لأجله ، وعلى تقبل المتلقي لها والذي  يعتمد بكل تأكيد على ذائقته وثقافته. 

كما نعلم عبر التاريخ البشري مرت اللغات بمراحل، فمن الأثر الذي تركه الإنسان على الأرض رسومات تؤرخ لأحداث حياتية تتعلق بالصيد والحروب؛ كما فعل إنسان الكهف. ومن ثم استدل الإنسان لطريقه لتدوين لغته عبر الرموز والحروف. 

إن رحلة الإنسان مع اللغة وتطورها حفظها لنا بالتدوين، والأثر الذي تركه القدماء. وفي الحضارات الحديثة ساعدتنا أدوات العصر والدراسات والبحوث في فك الكثير من الطلاسم ،وأصبحنا ندون ما نشاء باللغة التي نجيد ونتواصل مع الآخرين، حتى وإن لم نعرف لغتهم عبر أدوات وأجهزة الترجمة، وبمعاونة المترجمين وتحويل النصوص بالشكل الذي نشاء صوتاً وصورة وكتابة.

في العقدين الأخيرين ومع استخدامنا للتقنيات الذكية عبر تطبيقات التواصل أصبحنا نختصر الرسائل باللغات التي نجيد؛ كما نسرد باقتضاب ما نشاء عبر الحرف والصور والرسومات المعبرة، منها الثابتة وهي الإيموجي (Emoji)  والصور المتحركة بصيغة الجيف(GIF) وليس هذا فحسب  إذ يمكن أيضاً وضع تسجيل فيديو قصير جداً ليعبر عما نود أن نقوله. 

إذا  نظرنا لتدرج الإنسان في تدوين اللغة من الصورة  الى الرمز ثم الحرف، والآن فإننا نعود الى الصورة والرمز وبكامل إرادتنا.

على خارطة إقليمنا،  هناك عدد من اللغات المتداولة ومنها العربية بلهجاتها التي توافق سكان كل منطقة، وهناك لغات خاصة بمجموعات تعيش على أراضي بعض دولنا، ما وجدت إلا للتواصل والتخاطب شفاهة وكتابة. وبكل تأكيد  فإن توثيقها وتعلمها بغرض الحفظ والدراسة سيضفي على تراثنا المحلي مصدراً للتميز والقوة. من جانب آخر ومع زحف لغات عالمية نحو أجيالنا الحديثة وما يلم بإقليمنا من تغيرات وتحولات جيوثقافية  فإن ذلك يستدعي وقفة للتفكر إلى أين نسير بثقافتنا، وكيف نستطيع الإستفادة من معطيات عصرنا الحالي لمصلحة الإنسان والأرض وما سنورثه لأجيال المستقبل.

الإبداع الذي يتضمن الإبتكار يشكل بيئة تنافسية لإستخراج كنوز حضاراتنا ، بشكل قد ترغب الأجيال الناشئة في تداوله ، وربما سيمهد طريقها نحو عالمية التدوال إن شئنا، أو على أقل تقدير لربما اضافت متعة في التلقي. 

 

7 سبتمبر 2018 - أبوظبي  

* اديبة من السودان مقيمة في الإمارات.