الكوخ

حسن بوفوس*

الغيوم تركض في أطراف السماء كأنها الحِسَان حين تلعب على ساحل النهر، تتراشق برش الماء، تتعرى ثم ترتمي في أحضان مياه صافية كالمرآة.
تتلبد السماء شيئا فشيئا ثم تتوارى أشعة الشمس كأنما إلى الأبد؛ كما لو أنها سجين ارتكب جرما في حق الإنسانية جمعاء. لكن يبقى مع ذلك أثر نورها منتشرا في أرجاء الفضاء.
 هبت الرياح فجأة وحركت الأشجار المحيطة بالكوخ، وتساقطت بعض الأوراق بجنباته. هبت الرياح بقوة حتى زعزعت كيانه. الأشجار التي تحميه عادة من غوائل الطبيعة، انتابها الخوف، فلولا أن جذورها ضاربة في أعماق الأرض لسقطت مهزومة أو لفضلت الهرب وتخلت عن رفيقها الحميم.
يميل الكوخ إلى اليمين قليلا، وسرعان ما يستوي واقفا متحديا حين تتوقف العاصفة. ثم يميل إلى الشمال حين تستأنف الرياح هبوبها ثانية.
لأشبه ما يكون بجندي، مثخن بالجراح، يشرف على الهلاك، تتلاعب بمشاعره طلقات نيران عدو يتربص به. لا يريد أن يستسلم، وإن استسلم… فمصيره لامحالة هو العذاب.
 لا. سيقاوم ليس خوفا من الموت بل حفاظا على كرامة النفس. 
تسربت الرياح إلى قلب الكوخ بعد أن كسرت قفل الباب. تمايل لكنه لم يتهدم كلية. ما زال يرتبط إطاره ببعض المسامير وبعض لوح معضد.
أزيز الباب ينذر بكارثة ستصيب الكوخ ويفصح أيضا عن حالته المزرية وعما يعانيه من تردد بين الصمود والانهدام.
ثم هطلت الأمطار لتضع حدّاً لألاعيب الرياح البهلوانية ولهجماتها المتقطعة، المباغتة والمزلزلة. لقد صادفت الكوخ فريداً فأرادت التباهي. كتباهي إعصار يبرز عضلاته بحركات فرعونية.
 انهمرت الأمطار بشدة لتحول كالحكم بين معتد ومعتدى عليه، أو ربما لتدافع عن الكوخ الأبله ولتقضي على جحافل زوبعة عاتية.
تحت وطأة الأعاصير وثقل زخات الأمطار أو طوفان أدمع لجفن ممطر، هوى ما تبقى من الكوخ كشخص مغمى عليه.
 
طنجة 1983

* أديب من المغرب.