الكاتب يمتدح ذاته: ثقة ووعي أم نرجسية وغرور؟

أحمد مجدي همام

 

 على صفحته في موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، كتب الروائي المصري علاء فرغلي، صاحب رواية «خيرالله الجبل»: «عزيزي الكاتب، إحذر كلمات الثناء الكبرى، فإنها فخاخ مشرعة تبتلع من يصدقها».
أردت محاججة صاحب المنشور، وتفنيد مقولته، مستشهداً بمجموعة من فطاحل الشعراء العرب، فالبحتري مثلاً قال: «عليّ نظم القوافي من مقاطعها… وما عليّ إن لم تفهم البقرُ». بينما كتب جرير: «أعد الله للشعراء مني… صواعق يخضعون لها الرقابا». فيما قال المتنبي بيته الشهير: «الخيل والليل والبيداء تعرفني… والسيف والرمح والقرطاس والقلم».
قلت لنفسي إن لم يكن هذا هو الغرور والزهو، فبالله ما هو الغرور والزهو؟ وإن لم يتعاطَ هؤلاء كلمات الإشادة والمديح فمن يستحقها؟
طرحت وجهة نظري على صاحب المنشور، فجاء رده كالآتي: «هؤلاء امتلكوا ناصية الشعر ودخلوا بلاط الملوك والأمراء وكان هذا النوع من شعر الفخر سائداً ويعتبر مجال تنافس. 
وفوق ذلك كله الشعر يختلف اختلافاً كلياً عن الرواية، الشعر موهبة وسليقة وفطرة قبل الصنعة والمهارة، وبالتالي لو أن الروائي اقتنع بأنه عظيم لن يتعب نفسه ويجتهد، خاصة إن كان شاباً». وجدت الرد منطقياً، واعيا بفروق نوعية بين صنعتي الشعر والسرد، خاصة الرواية، لكنني ـ وفي ضوء هذا الرد ـ لم أجد تبريراً منطقياً لتباهي وزهو بعض الروائيين العرب، ممن لا يتوانون عن المباهاة بمشروعهم الكتابي وكيل الإشــــادة لأنفسهم ـ على المستويين الفني والإنساني ـ ومن مثال ذلك ما قاله المصري أشرف الخمايسي في حواره مع الصحافية نسرين البخشونجي في 2014 حول روايته «منافي الرب»: «أريد أن أثبت بها أن «الخمايسي» سارد عبقري، وأنه، وكما قال «حسين عيد» في قراءته لهذه الرواية «الخمايسي واحدا من أعظم الرواة الذين تواردوا على مر التاريخ»، أريد منها صناعة مجدي الخاص، ومجد أدبي عام يتمثل في أن يشير كل هذا العالم لمصر والوطن العربي على أن هذه المنطقة من العالم قد قررت أخيراً إيفاد إله سردي سيبجله الغرب، أقول: كفانا ككتاب ومبدعين الانبهار بآلهة الغرب من الكتاب، لقد بزغ في «منافي الرَّب» مجد السارد العظيم «أشرف الخمايسي».
وبقدر ما يبدو تصريح صاحب «ضارب الطبل» و«انحراف حاد» مضحكاً، فهو في النهاية تصريح حقيقي وموثّق، يحمل قدراً هائلاً من «الإيغو» والزهو والثقة والتباهي. أما الروائي والقاص والناقد المصري محمود الغيطاني، فقد سبق له في حوار أجراه معه أسامة الرحيمي في «الأهرام»، وصف مجهوداته النقدية والكتابية قائلاً: «أنا هنا أواجه منطقة عربية بالكامل معظمها يعمل على التزييف من أجل علاقاته ومصالحه ومكتسباته مهملا فى ذلك التاريخ الثقافي، والإطاحة بثقافة عربية يسعون بها إلى التنميط. أنا هنا أقوم بدور صعب، فى محاولة لإعادة الثقافة إلى مسارها الجاد والحقيقي، أعرف أني وحيد فى مواجهة شرسة، لكنني أفعل ما يرضاه ضميري». وبعيداً من التعميم الرهيب الذي قدّمه مؤلف «كادرات بصرية» و«زيف النقد ونقد الزيف»، يكفينا أن نتأمل تلك النظرة الرسولية التي يكنّها الكاتب لنفسه لنشير بوضوح إلى حالة الغرور التي قصدناها في عنوان هذه المادة.
«القدس العربي» تطرح في هذه المساحة مادة تتناول غرور الأدباء والكتّاب، أو ما يحلو لهم أن يصفوه بـ«الثقة»، عبر أربعة أسئلة وجهناها للكاتب أشرف الخمايسي والكاتب محمود الغيطاني:
1 ـ ينحو بعض الكتّاب ـ وأنت منهم ـ إلى المباهاة بمشروعهم الأدبي.. فما الذي يدعوه لإشهار غروره على الملأ بدلاً من الاحتفاظ برأيه بينه وبين دائرته المقربة؟
2 ـ هل ظاهرة كهذه خاصة بالثقافة العربية والشرقية فقط؟ أم إنها ظاهرة عالمية؟ وهل هي حاضرة في الثقافة العربية كموروث عن قصائد الفخر والحماسة القديمة؟
3 ـ لماذا لا يترك الكاتب ـ الذي يزعم أنه ضمن الأفضل ـ الفرصة للنقاد والقراء ليقرّوا بذلك نيابةً عنه؟
4 ـ ألا يعكس رأي كاتب ما بكونه الأفضل أو من ضمن الأفضل، نظرة ضيقة للفنون بوصفها تنافسية كالرياضة، في حين أن الفنون تكاملية في المقام الأول وليست تنافسية؟
الغيطاني: أنا ظاهرة قد لا تتكرر
أولا بالنسبة للدائرة المقربة، التي تقصد بها الأصدقاء، فأنا في الحقيقة لا صداقات حقيقية لي، وأنا أكثر الناس تشككا وريبة حتى في نفسي؛ لذلك لا صداقات لي. كل ما في الأمر أن لدي شبكة معارف، أو علاقات تختلف من شخص لآخر في درجة القرب أو البعد، أما صداقات بالمفهوم الواقعي للصداقة فهو غير موجود، اللهم إلا الأردني جهاد أبو حشيش، الذي أراه شقيقي أو توأمي، ورغم هذا الاعتبار فمن الممكن في يوم من الأيام ألا نكون كذلك؛ فالحياة ليست ثابتة وفي حالة تحول دائم، لكنه يظل حتى الآن على الأقل الوحيد الأقرب لنفسي والأكثر اطمئنانا له مع الناقد عصام زكريا. أما المباهاة بمشروعي الأدبي أو النقدي فهو حقي الوحيد الذي أمتلكه، هو الحقيقة الوحيدة في حياتي التي لا أمتلك سواها، فكيف تحاسبني على ما أمتلكه ولا أمتلك غيره؟ أجل في الحقيقة إنني لا أمتلك سوى مشروعي الأدبي الذي كنت صادقا فيه وسأظل فيه على صدقي، فهل تكون صادقا في شيء ولا تبالي به الأمم؟ فليذهب الجميع للجحيم مقابل توازني وصدقي مع نفسي.. الآخر لا يمثل لي شيئا، لكنني أمثل لنفسي أمام نفسي كل شيء؛ لهذا أباهي الجميع بما أنا عليه.
دعك من الظواهر القديمة أو الجديدة؛ فأنا في حقيقة الأمر ظاهرة في حد ذاتها قد لا تتكرر، وليس معنى قولي إنني متعاظم لدرجة الجنون بذاتي، فمعرفتي بقدر ما أقدمه، ومدى حقيقيته يظل عبئا لا يحتمل عليّ، أي أنني أحمل ذاتي ما لا أحتمله في النهاية، إن ظني بأني ظاهرة مختلفة عن الآخرين يجعلني حريصا لدرجة التشكيك في كل ما أكتبه؛ لأنني في مثل هذا الموقف أضع نفسي في وضعية الكمال، وعدم احتمال الخطأ أو تقوّل الجاهلين عني، وهذا يجعلني محتشدا احتشادا لا تتخيله كلما واجهت الورق من أجل الكتابة، وكأنني أكتب للمرة الأولى، بل تنتابني خشية من الكتابة لا يتخيلها غيري، وأعيد مراجعة ما كتبته، العديد من المرات، وكثيرا ما أكون غير راض عما كتبته وألغيه كأنه لم يكن. أنا في النهاية هدفي الكمال الحقيقي وهذا ما جعلني أطلق على نفسي الإله؛ فأنا إله بالفعل في ما أفعله، وهذا لا يعني انتفاء غيري من الآلهة الذين من الممكن لهم أن يجاوروني، لكن لا بد أن يكونوا قد أسسوا لأنفسهم أولا قبل ادعاء الألوهية، أما الماضي أو الحاضر مثل المتنبي؛ وغيره فهم لا يعنونني في شيء.
لست في حاجة للآخرين ولا لأي رأي كي يقول: إنني الأفضل، والحقيقة إنني لا يعنيني رأي الآخرين سواء بالسلب أو الإيجاب. ما لا يفهمه المحيطون بي إن لي عالمي الذي يخصني، وهو العالم الذي يجعلني أبتسم ساخرا، حينما أقرأ ما يقوله الآخرون سواء بالسلب أو بالإيجاب. فليذهب الجميع برأيهم فيّ إلى الجحيم، المهم رأيي أنا في ما أقدمه. أنا الأكثر حرصا على صناعة اسمي وأسطورتي بجدية ما أكتب، أما غيري فهو ليس حريصا على اسمي، وأنا أحترم ما أقدمه وأقدره؛ لذلك لست في حاجة لأقوال وكتابات الآخرين ودعاياتهم. لست أرى أن هناك من ينافسني، ولم أنافس أحدا سوى نفسي من قبل. أنا بالفعل شخص لم يشعر يوما بالغيرة من الآخرين، ولم أشعر بأن هناك من هو أفضل مني، أو من هو في حاجة لمنافستي. أنا مكتف بذاتي تماما ولا أرى سواي؛ فليس هناك من يستحق أن أراه أمامي. بالفعل الكتابة تكاملية، وهي تاريخ متراكم بعضه فوق بعض، وأنا لا بد أن أضيف إلى ما تركه من هم قبلي ليأتي الآخرون ويضيفون إلى ما تركته، لكنني أرى أن إضافتي أكثر جدية واختلافا، وأنا حريص على عدم وجود ثغرة أو سقطة في إنتاجي، وهذا يجعلني أشطب ما كتبته في سنين طويلة في ثانية واحدة؛ في النهاية اسمي لن يبقى إلا بما قدمته من كتابة جدية وحقيقية
الخمايسي: ما الذي يمنعني من الإعجاب بأعمالي؟
أنا أُفرِّق بين «الغرور» و«الثِّقة»؛ الأَوَّل حالة مَرضيَّة لشخص ضعيف الدَّوافع والعطاء، مع ذلك لا يَكفّ عن محاولة إظهار نفسه بقيمة أعلى كثيرًا من قيمة منتجه. فيما الثِّقة هي اعتداد بذات تعرف قدراتها جَيِّدًا، لا من خلال الاعتماد الكُلِّي على التَّقييم الذَّاتيّ، بل عبر تقييم الآخرين لما تُقدِّمه. ولأنَّنا بشر مختلفون فإنَّ كُلًّا مِنَّا يختلف في تعامله مع «ثقته» بنفسه. هناك من لا يثير حفيظة الآخرين بالكلام عن نفسه مطلقًا، مع ذلك فهو يعمل جميع ما يعكس ثقته الشَّديدة بنفسه حَدّ المغالاة. هناك من يُظهِر التَّواضع عمدًا ليُمنَح الثَّناء، الثَّناء نفسه الذي يداعب «ثقته» بنفسه. 
بخصوصي؛ إذا كنتَ قلتها صراحة «أنتَ منهم»، تقصد مِمَّن يباهون بمشروعهم الأَدبيّ. دعني أسألك: ما الَّذي يمنعني من المباهاة والإعجاب بأعمالي، إذا كانت قد لاقت بالفعل إعجاب العديد من النُّقَّاد والقُرَّاء المحترمين؟ خصوصًا وأنَّ مباهاتي ليست مُوجَّهة لإخصاء الرُّوح الإبدَاعيَّة عند الآخرين. أو إزاحة كاتب حَقيقيّ. فلا أحد يستطيع إخصاء مبدع أو إزاحة حَقيقيّ. فقط هي تعبير صاخب عن فرحة صادقة باحترام المحترمين لكتاباتي. وأنا إنسان بطبيعته يُحبّ الصَّخب. يتواءم مع الضَّجيج. قَضيَّته مَحبَّة الحياة التي لو نُزِع منها الصَّخب والضَّجيج صارت أقرب إلى الموت. لكن إخش عَليّ لو أنِّني، في ما بيني وبين نفسي، صَدَّقت مثلًا أنَّني «إله السَّرد»! أو أنَّني أكتب كما لم ولن يكتب أحد! أو لو وجدتني أجلس على منضدة من مناضد قهاوي وسط البلد، واضعًا ساقا على ساق، وأُكلِّم النَّاس من فتحتي منخار متسام يُظنّ صاحبه أنَّه المبدع الذي لم تلد مثله وَلَّادة! بالعكس؛ أجلس مع الأصدقاء واستمع إلى نقدهم، وأجعله نصب عَينَيّ. أتَقبَّل رؤاهم، النَّاقدة بما لا أُحبّ أحيانا، وأضعها على حسابي الإلِكترونيّ محتفيًا بها، بل إنني أُمزِّق رواية كاملة لعدم رضائي عنها. ولا أرى أن مباهاتي بكتاباتي مُعوِّقة للنُّقاد أو المُهتمِّين إذا رغبوا في تناول كتابتي بالمديح إن استَحقَّت ذلك؛ فالنَّاقد الأمين، المخلص، المحترم، الحَقيقيّ، الذي ليس في نفسه إحن، يضع فَنِّيَّات النَّصّ مَحلًّا لاهتمامه، لا شَخصيَّة صاحب النَّصّ. ما يعني أنَّ الفرصة متاحة له، كاملة، لإبداء الإعجاب حتَّى لو ملأ الكاتب الدُّنيا هتافًا معجبًا بذاته. المشكلة تكمن في قليلي الحيلة، أعتقد أنَّهم هم وحدهم من يَستفزّهم إعجاب المبدع بذاته، فيبدأون في التَّربُّص به سلبًا أو إيجابًا. فيَتعمَّدون تجاهله، أو المشاركة في تعطيله، وهو ما لن يكون إذا كان المبدع يمضي في «حماية قلمه»، حسب تعبير إحدى الصَّديقات. 
وأتَّفق معك تمامًا في أنَّ الفنون تَكامليَّة، مع ذلك فإنَّ قدرات الإنسان لم تَتطوَّر إِلَّا بروحه العَدائيَّة، التَّنافسيَّة! إنَّ المُوسيقيَّ، في أعمق أعماقه، يسعى إلى تلحين قطعة مُوسيقيَّة لم يسبقه إليها أحد. هكذا الرَّسَّام والنَّحات والأديب. أنا أعيش على أمل كتابة رواية لم يكتبها، ولن يكتبها، أحد. وأَظنُّه حَقِّي المشروع إذا كنت لن أقود دَبَّابة أَميركيَّة داهسًا بها غيري من المبدعين والكُتَّاب الحَقيقيِّين.
 
عن "القدس العربي"