القارب الصغير

حسن بوفوس*

لو  أن القارب كان أكثر ثقلا مما هو عليه الآن، لما استطاعت أمواج البحر أن تزعزعه بمثل هذه السهولة. يبدو ضخما على الرغم من صغره وهو يراقص أمواجا تعلوه أمتارا وأمتارا، يتسلق الأمواج كما لو أنها جبال شاهقة العلو، ثم يتدحرج نازلا كقطعة ثلج مكومة يزداد حجمها تباعا.

حينما تهدأ الريح الصرصار يصبح ذا حجم متلائم مع زرقة البحر والسماء، ينساب مع الهواء الرطب في تناغم وانسجام. أما حينما تستيقظ العاصفة، ويتعكر الجو يضحى وضعه أشبه ما يكون بشريد لا مأوى له، أو كأنَّ البحر لا يطيق حمله، فيحاول التخلص منه بلا رحمة أو شفقة.
فكأنما للقارب الصغير شعور، طفق يبتعد رويدا رويدا إلى جهة الشمال حيث الأمواج تبدو أقل صخبا. أو ربما لبعدها، لا تظهر نقمتها وشراستها.
لم يخلق لمثل هذا الهيجان، ومع ذلك يغُوص بزهو وكبرياء في لججه. لن يتراجع. سيغوص في أعماق ظلماته حتى يحقق أهدافه. ترتفع به الأمواج حتى يكاد يتحطم بين جدرانها، يرتطم بها فتتطاير مياه البحر كأنها الطوفان. ثم يبتعد إلى الشمال مجددا حيث يحمله البحر. لا قدرة له على ضبط اتجاهه كسجين مطوق العنق.
 وبينما يتزايد امتداد البحر، يتضاءل بالمقابل حجم القارب.     
ترافقه في موكبه النوارس حينا، وتتركه لوحده حينا آخر، قافلة إلى اليابسة. أما هو، فينغمس دائما إلى الأمام مخترقا المخاطر والعقبات.
يتضاءل حجمه، يقل وزنه، يصبح شيئا تافها في مواجهة الطبيعة: الرياح، الأمواج، الأمطار... لا شيء ينال منه... إلى أن يتوارى عن الأنظار بعض الوقت؛ يطفو إلى السطح ثم يختفي ثانية.
لا ترحمه الطبيعة في أوج ثورتها. أيكون اختفى إلى الأبد؟ لا. مستحيل. لكثرة ما ابتعد، ولضالة حجمه ولكثرة اضطراب الطقس.. ظننته اختفى أو تحطم.
ولكن!؟
ها هو ذا يطفو من جديد على سطح البحر!
 
* أديب من المغرب/ طنجة.