الفن الموازي

ميموزا العراوي*

 
الفن الملتزم

اللوحات التي أبدعها التشكيلي الفلسطيني الرائد إسماعيل شموط هي من الأعمال الفنية التي تنتمي بشكل قاطع إلى الفن المُلتزم بقضايا الشعب الفلسطيني، بعضها لوحات تُعتبر إيحائية/رمزية من بينها تلك التي تصوّر “توالد” شعب يخرج من أرحام النساء البطلات، وبعضها الآخر هو أكثر مباشرة وإشارة إلى النضال الفلسطيني بنسائه ورجاله وأطفاله وتتضمن مشاهد نابضة بحَمَلة السلاح، فرادى أو جماعة في وجه المحتل.

لست بصدد استعادة تلك اللوحات البديعة، ولا في معرض التأمل باللوحات العالمية التي حملت عبر الزمن أخبار المعارك والثورات وكانت عنصرا فاعلا في إدخال التغيير إلى المجتمعات قاطبة.
ربما اليوم، وأكثر من أي زمن مضى نحن أمام ضرورة أن نمدّ صنفا ثانيا من الفن الفلسطيني الهوى، الذي أود أن أسميه بـ”الفن البديل”، بكل ما يحتاجه من تبصر في منطق ولادته اليسيرة من رحم أرض حُرثت ومنذ سنة 1948 بعمق النوى المبلل بالدم والدمع.
أقصد بالفن البديل، أو الأصح القول، بالفن الموازي للواقع هذا المنبثق من الذي جرى الاتفاق على تسميته عالميا وذلك منذ أواخر القرن التاسع عشر بـ”الفن الملتزم”.
فن  ما زال مُتصلا بقضاياه
هذا “الفن الموازي” لا يزال مُتصلا بقضاياه، ولكن بشكل مختلف إذ تغيب أو تخفت فيه حدة العناصر البصرية المتعلقة بمواجهة القتالية المُباشرة، ليفيض بالمشاهد “الإيتوبية” عن فلسطين مُخضبة بالسكون وبفرح عميق يُلامس حزنا أعمق لا شكل مثله على كوكب الأرض.
حتى لا نقع في فخ العموميات، وبغض النظر عن التباين الذي يباعد ما بين الفنانين أذكر أسماء لمن يُمكن اعتبارهم من أرباب هذا “الفن الموازي” المشبع بأجواء فانتازية أو سريالية، أذكر الفنان سليمان منصور والفنان ماهر ناجي والفنانة إيرينا ناجي والفنان نبيل عناني والفنان عماد أشتية.
هؤلاء استطاعوا أن يقدّموا صيغة أخرى ونافذة للنضال الفلسطيني مُخالفة لنظرة فئة من الفنانين والمهتمين بالفن “النضالي” الذين يعتبرون أن الأجواء الغرائبية لتلك الأعمال، والتي يغلبها سكون قدريّ تتناقض بشكل تام مع الغليان الذي تعيشه فلسطين، حتى أن البعض منهم يرى في تلك الأعمال خذلانا مكروها وهروبا من واقع نحو عالم خيالي تظهر فيه فلسطين بمدنها وقراها كجنان أرضية لا صراع داميا فيها.
جنان يسكنها حينا أهلها بملابسهم الفلسطينية التقليدية ويعمها سلام عجائبي تكلله أشجار الزيتون التي تحوّلت حقولها تحت أشعة شمس العصر إلى أماكن خارج الوقت يكاد الناظر إليها أن يستنشق عطرها البري، وأحيانا أخرى تترقرق فيها شفافية استثنائية تتصدع بنور داخلي يلم شمل بيوتها التراثية الحريصة على أسرارها وعلى حمرة أقحوانها.
قد تكون تلك الأعمال الفنية مُغرقة في المثالية أو “الخيالية”، ولكنها لا تبقى كذلك إن نحن نظرنا إليها من منظار معاصر نعيش تسارع فصوله على وقع التكنولوجيا المتطورة، تكنولوجيا تضعنا تحت رحمة سلطة الصورة المُستنسخة وتمدنا بالتباس الرؤية كيفما نظرنا في تلاقح غير مسبوق ما بين الافتراضي/المُضاعف والواقع الصرف.
ولعل من أبرز الأمثال التي تلقي الضوء على التلاقح ما بين الواقع والافتراضي حادثة تسمية القدس “بعاصمة إسرائيل”، فتسميتها كذلك ومن هذا المنظار لا تجعل منها فعليا عاصمتها وخصوصا في قرارة نفس مغتصبيها وهم من أشد العلماء بهيكلية ما يُسمى بالواقع الافتراضي، تماما كما أن إطلاق صفة “واقع″ على أي ظاهرة لا يجعل منها فعليا “واقعا” بما تعني الكلمة من فصل ما بين الشك واليقين.
ثورة “الفن الموازي”، هي ثورة غير بديلة، بل إضافية تنهل من صلب الصراع الفلسطيني/الإسرائيلي ذاته، لكن قد أخذت شكلا مُختلفا.
هذه الأفكار تجعلنا نتساءل: أحقا لا يدرك المتربصون بفلسطين أن فلسطين/الأرض هي اليوم ومن خلال “الفن الموازي” أكثر ترسخا عما قبل في صورتها الإيتوبية المتمثلة بتلك اللوحات؟
فلسطين اليوم هي فلسطين مرتين، هي إشارة نصر ثنائية الدعائم، لها واقعان اثنان: واقع الصراع بأشكاله المعهودة، وواقع أثيري يفيض من تفسخات نوافذ مراسم الفنانين بصور خيالية عن أرض باتت تشبه ذاتها أكثر فأكثر.
 
* ناقدة لبنانية ، المقال عن " العرب" اللندنية.