الفضاء الروائي بين المشاكلة والمشابهة "الذاكرة المنسية" للزهرة رميج نموذجا

بوزيان موساوي*

 
أقترح من باب التمهيد أن نقرأ هذا التصريح للكاتبة الزهرة رميج في توطئة روايتها هذه "الذاكرة المنسية"(ص.8): 
"استغربت أكثر، لكون حياتي بسيطة للغاية. فطفولتي التي يرغب في التركيز عليها، كانت طفولة عادية ليست فيها أي إثارة، ومراهقتي مرت بسلام، ولم تعرف لا هزات عنيفة، ولا مغامرات خطيرة، ولا تضحيات جساما. كان طريقي مرسوما منذ البداية، وكانت حياتي تتدفق تدفق الماء في النهر لا يحيد عن مجراه أبدا... هكذا كنت أتصور حياتي، وبناء على هذا التصور، لم أوافق على فكرة إنجاز فيلم وثائقي، لأنه في اعتقادي، لن يضيف إلى القارئ المهتم بتجربتي الإبداعية شيئا ذا قيمة."
هو التصريح الذي جعلني أتساءل:
ما أهمية أن نقرأ لكاتب(ة) يحكي لنا سيرته الذاتية، إن لم يكن في ما تم وصفه وسرده إضافة؟ إضافة معرفية، وإضافة فنية. خصوصا أننا أصبحنا نعيش في زمن عالم براغماتي لا يؤمن إلا بما هو نفعي هنا الآن، ولو كان الاستنفاع منه معنويا لاستخلاص الدروس والعبر، أو لمجرد المتعة.
جديد إبداع الزهرة رميج من خلال روايتها قيد القراءة هنا "الذاكرة المنسية"، إضافات جديدة في تقنية كتابة السيرة الذاتية، حاملة لمؤشرات جديدة واعدة ومحمسة مضمونا وتقنيا وفنيا من حيث القضايا والإشكالات المطروحة، مؤطرة في بعديها الزماني والمكاني.. نقتصر لضيق الحيز والمجال على رافعة أساسية: 
تصورها "المتفرد؟" والجريء للمكان/ الفضاء الروائي بين المعلوم والموهوم، بين المشابهة والخيال.
كتابة السيرة الذاتية واستحضار الذاكرة بتقنيات "المشابهة" La vraisemblance:
متى تصبح الذاكرة رهينة مكان؟ 
منذ البدء، أول كلمة تفتتح الرواية هي "المكان"، وكأنه "بطل الرواية"، نقرأ: "المكان الذي يوجد فيه البيت الذي ترعرعت فيه.." (ص. 15)... "انهمرت علي الذكريات دفعة واحدة، انهمار شلال عظيم.. استيقظ المكان فجأة، من سباته العميق" (ص. 25 ).
الذاكرة إذن رهينة مكان، لأن المكان في روايتنا هنا يكتسب أهميته القصوى، لا لأنه أحد عناصرها الفنية ـكما تنبه لذلك الباحث أحمد زياد محبك في سياق مشابه، أو لأنه المكان الذي تجرى فيه الأحداث، وتتحرك خلاله الشخصيات فحسب، بل لأنه يتحول في هذه السيرة الذاتية إلى فضاء يحتوي كل العناصر الروائية وصفا، وسردا، وحوارا، وأحداثا، وحبكة... وحاملا لرؤية البطلة، ولمنظور المؤلفة. هي ذاكرة "موشومة" بالفضاء الروائي/ المكان: ("المغرب"، الموطن الجغرافي لقبيلة "بني يخلف"، ضواحي مدينة "خريبكة"، مسقط الرأس "البراج"، البيت الذي قضت فيه البطلة طفولتها "لبّيرات"، مدينة "وادي زم"، ومدينة "الدار البيضاء"...).
هي أسماء أمكنة حقيقية وموثقة جغرافيا وتاريخيا إما لأنها معروفة، أو تم التقصي عن حقيقتها كما "البَيرات" و"السد"/"البراج" وموطن قبيلة "بني يخلف"... " ولعل تسمية المكان ـ كما كتب الباحث أحمد زياد محبك، هي أول السبل إلى بناء المكان. فتسمية المكان في الرواية تحيل القارئ على المكان الذي يحمل الاسم نفسه في الواقع، وإن كان المكان في الرواية ليس هو المكان نفسه في الواقع، ومن هنا تنشأ المفارقة، لأن التسمية محض وسيلة أولية باهتة، لا يمكن أن تقوم وحدها ببناء المكان الروائي". وبما أن كاتبة السيرة الذاتية تعتمد في سردها للأحداث على الذاكرة، والذاكرة معرضة للنسيان والخلط:
"ورغم أن ميلادي كان هناك، إلا أن ذاكرتي لا تحتفظ بأي ذكريات تتعلق به. (ص. 29)"
العودة للمكان، أم البحث عن الزمن المفقود؟
هي عودة تشبه "الحج" إلى مكان مقدس، نقرأ:
"سنة 2015: عندما رافقني في رحلة "حج" إلى كل أماكن الطفولة..." (ص. 31 ) لكن التلاقي، قابلته خيبة أمل. نقرأ: "خرجت من بيتنا القديم منكسرة النفس، شديدة الحزن. أين هذا البيت من ذلك البيت الذي يسكنني؟ أين فضاءاته الكئيبة هذه من تلك الفضاءات الآسرة؟ أين "طاحونة الماء" والصهريج الذي تصب فيه؟ أين تلك المياه المتدفقة، وتلك البرك المعشوشبة؟ (...) بل أين هي البادية التي كنت أحن إليها؟" (ص. 28).
فقرة معبرة على أكثر من صعيد، هي رحلة لتفقد مكان حميمي يؤرخ لطفولة، ولحياة، ولنمط عيش، ولعادات وتقاليد وأعراف، ولوطن بين زمنين: زمن الاستعمار الفرنسي، وزمن ما بعد الاستقلال، ولأحلام... وكأننا نقرأ من جديد رواية "البحث عن الزمن المفقود" (A la recherche du temps perdu) لمارسيل بروست، عبر ومضات (Réminiscences) "ذاكرة موشومة" (La Mémoire tatouée ) كما قرأناها لعبد الكبير الخطيبي..
هو الحنين.. هو البكاء على الأطلال، لكن ليس على معمار وأشياء في حد ذاتها. هو الحنين إلى الزمن "الجميل"، نقرأ: " مرة أخرى، انفجرت بالبكاء! أدركت أني لا أبكي الطين والحجر، وإنما من أثثه من البشر. أبكي عوالم وحيوات سادت هذا الفضاء ذات زمن، ثم بادت، وكأنها لم تكن !..." (ص. 28 )
ذاكرة مكان، أم البحث عن الينابيع، والأصول، والهوية؟
نقرأ:" وإذا كانت قبيلة بين يخلف هي القبيلة التي أنتمي إليها، وولدت بها حسب ما هو متداول، إلا أنها غير واردة في سجل الحالة المدنية (...) وهذا ما دفعني للبحث عنها وأنا أكتب هذه السيرة (...) وسواء أكان أصل القبيلة عربيا أو أمازيغيا، فإنها في جميع الأحوال، تعكس حقيقة المجتمع المغربي الذي انصهر فيه هذان المكونان من قرون طويلة..." (ص. 17 و18).
قد يعد هذا الإفشاء الخليق برواية الزهرة رميج تقنية متهالكة من فرط ما لاكها الأدب المغربي المعاصر (المكتوب منه بالفرنسية على الخصوص، كما رواية "الماضي البسيط" (Le passé simple ) لإدريس الشرايبي، و"الذاكرة الموشومة" (La Mémoire tatouée ) لعبد الكبير الخطيبي، وغيرهما... غير أنه يعكس هنا، في هذه الرواية، موقف الكاتبة من مكونات الشعب المغربي: تعددية أعراق في إطار وطن موحد: المغرب، وموقفها من هشاشة أماكن تحاول الصمود، وتعيد ترميم نفسها، طوبة فوق طوبة، وذكرى بعد ذكرى، إثر دمار محيق بفعل التعرية وإهمال الانسان. 
كما تسترجع بالذاكرة الحمولة الثقافية والحضارية لمكان (البيت، القرية، المدينة، موطن قبيلة، وطن)، من خلال عاداته وتقاليده وأعرافه، ومعتقداته، نقرأ على سبيل المثال لا الحصر تذكير ومواقف:
-  الموقف الأول من "قص الشعر" و"العين"، نقرأ:
"لم أصدق يوما، علاقة قص الشعر بالموت. لا شك أن صورة المرأة الفرنسية التي تحدثت عنها كان عاملا مهما في عدم تصديقي، إذ لو كان الأمر كذلك، لمات كل أبناء الفرنسيات، هكذا كنت أفكر. ولهذه الصورة أيضا دور، في عدم تصديقي للعين. فقد كان الفرنسيون يبدون لي بما يتميزون به من جمال وصحة، وحياة رغدة، أكثر عرضة للعين ممن يخشونها من الناس البسطاء والفقراء، ويقاومونها بوضع حلي العقارب السوداء في معاصم الرضع، أو الأحجبة الواقية في أعناق الكبار والصغار، أو تعليق صفائح الخيل على مداخل البيوت، أو رسم اليد بالحناء على الأبواب..." (ص. 45).
- الموقف الثاني، على سبيل المثال كذلك، حول "الزواج"، نقرأ:
" أذكر أن أخي هذا، مازحني ذات يوم، وهو يشير إلى دجاجة كبيرة كانت تتقدم كتاكيتها الصغار، متمايلة ببطء: "ستتزوجين، وستنجبين اثني عشر طفلا، وسيتضخم جسدك، فتصيرين سمينة مثل هذه الدجاجة!" (...) كنت منذ الطفولة أرفض الزواج المبكر، وإنجاب عدد كبير من الأطفال(...) أعتقد اليوم، أن تمردي على واقع المرأة في ذلك الوقت المبكر، يعود إلى الصورة النموذجية في الكتب الفرنسية... " (ص. 40).
- ما علاقة المكان بتشكل شخصيات أبطال الرواية؟
" إن صورة البطل في الرواية -كتب الباحث بن علي لونيس- هي وليدة سياقات اجتماعية وسياسية وثقافية، وليست وليدة مزاج فني أو خيار تقني بحت يلجأ إليه الروائي لتأثيث عالمه السردي. كما أن البطل ليس مجرد بورتريه يرسمه الروائي يضيفه إلى متحف بورتريهات الشخصيات الروائية (...) فالبطل ليس اسما فقط، بل هو كذلك وظيفة (...). وللكاتبة الزهرة رميج رأي في الموضوع من خلال روايتها قيد القراءة هنا "الذاكرة المنسية"، نقرأ في توطئة الرواية (ص. 13):
" لقد تأكدت لي صحة النظرية العلمية التي تقول بأن ملامح شخصية الانسان تتشكل في طفولته المبكرة نتيجة تفاعله مع محيطه."
ونقرأ (ص. 22): "لم يكن حنيني يقتصر على بيتنا فقط، وإنما يشمل أيضا، تلك الفضاءات الواسعة المحيطة به"...
ونقرأ. (ص. 33): "أعتقد أن أول مكان تتفتح عليه أعيننا بعد خروجنا من الرحم، وندمن رؤيته خلال سنوات عمرنا الأولى يظل راسخا في لاوعينا، لقد ظللت أحمل هذا المكان في أعماقي دون أن أدري..."
ويستنتج ليسكور في هذا السياق: "الفنان لا يبتدع أسلوب حياته، بل يعيش بالأسلوب الذي يبدِع به [...] إن المكان الذي ينجذب نحوه الخيال لا يمكن أن يبقى مكانًا لامباليًا، ذا أبعاد هندسية وحسب، فهو مكان قد عاش فيه بشر ليس بشكل موضوعي فقط، بل بكل ما في الخيال من تحيز. إننا ننجذب نحوه لأنه يكثف الوجود في حدود تتسم بالحماية [...] إن مكان الكراهية والصراع لا يمكن دراسته إلا في سياق الموضوعات الملتهبة انفعاليًا والصور الكابوسية. حين نتذكر البيوت والحجرات فإننا نتعلم أن نسكن داخل أنفسنا."
ونستنتج كما فعل الباحثان مصطفى الضبع وحسن بحراوي، "إن الروائي حين يعمد إلى إسقاط مجموعة من الصفات الطوبوغرافية على الفضاء أو المكان الروائي (...)، إنما يفعل ذلك بغية البرهنة على العلاقة بين المكان والشخصية في النص الروائي. كما أن اختلاف هذه الصفات وتنوعها من مكان لآخر في الفضاء الروائي، يمكن أن يعكس لنا الفروق الاجتماعية والنفسية والايديولوجية لدى شخوص الرواية...".
 
2 - ذاكرة مكان والخيال الروائي:
و بما أن كاتبة السيرة الذاتية تعتمد في سردها للأحداث على الذاكرة، والذاكرة معرضة للنسيان والخلط: ("و رغم أن ميلادي كان هناك، إلا أن ذاكرتي لا تحتفظ بأي ذكريات تتعلق به" (ص. 29)، فغالبا ما يتم إما انتقاء الأمكنة (تفضيلها للقرية على المدينة)، أو تأثيثها باستعارة مكونات خارجية (الصفصافة)، أو إطلاق العنان لخيال مؤلفة... بما أن السيرة الذاتية عمل أدبي فني وليست وثيقة تاريخية، ولا ما يطلق عليه "فن الاعتراف"، فكاتبتها تطلق لخيالها العنان لتفيدنا معرفيا من جهة بتحري الصدق والصراحة والمصداقية، اعتمادا على الذاكرة، أو الشهود، أو المراجع، ولتجعلنا من جهة أخرى نستمتع كقراء داخل فضاء قالب فني خاص برواية السيرة الذاتية يتعارض فيه الخيال والحقيقة، والذاكرة والحلم، والمعلوم والموهوم، والمعرفي الوثائقي والجمالي الفني، بتقنيات أهمها المشابهة، نقرأ:
"أعتقد أن تصويري للبحيرة نابع من رؤيتي لبحيرة وادي زم، وانبهاري بجمالها خاصة، وأني استعرت منها تلك الصفصافة الباكية التي كانت تتوسطها، وكانت أغصانها المتدلية تثير خيالي، والتي لا وجود لها في السد... (ص. 33)"... لهذه التقنية "وظيفة إيهامية" كما سماها الباحث برهان الخطيب، وهي من أهم الوظائف وأخطرها، حيث تقاس درجة الإبداع والخلق من خلال مدى نجاح الروائي في إقناع المتلقي بواقعية ما يوصف له فيشعر القارئ أنه يعيش في عالم الواقع لا عالم الخيال ويخلق انطباعا بالحقيقة أو تأثيرا بالواقع. وهذا الايهام هو ما يطلق عليه بعض النقاد مصطلح "المشابهة" la vraisemblance. وهو ما انتبهت له الكاتبة بصوت الأنا الساردة والواصفة والمحللة، لما وظفت مصطلح "اللاوعي" و"الخيال" بدل "الإيهام" أو "المشابهة... 
نقرأ. (ص. 34): "إن اللاوعي هو الخزان الأعظم الذي ينهل منه المبدع، وهو الذي يوسع خياله باستمرار".
وكأن اللاوعي مرادف للحلم، نقرأ، (ص23):
"عندما كنت أتنقل من مدينة إلى أخرى، لاستكمال تعليمي الثانوي والجامعي، وأشتاق لأهلي، لا أجد سوى الحلم ليطفئ لواعج الشوق. لكن الغريب أن الأحلام كانت دوما، تصر على اختيار بيت القرية وفضاءاته مسرحا لها".
الحلم أو الخيال عند الزهرة رميج، على لسان الذات الساردة الأنا يمتزج بومضات الذاكرة، يصبح وصفا، يصبح سردا، يصبح كتابة. وهذه الكتابة تنفخ الحياة في الأمكنة التي واراها النسيان، لتبعث بها للحياة ـ كما الفينيق الذي يبعث من رماد، ليس لأهمية الأمكنة في حد ذاتها ولذاتها، بل حتى لا تموت ذكرى كل الكائنات التي عاشت في هذه الفاضاءات حتى أصبحت جزءا من جغرافيتها وتاريخها، نقرأ:
"... ورحت أتأمل فضاءاته بدقة أكبر، حتى طفت مجددا، ذكريات الطفولة إلى السطح، فعادت إليه الحياة كمن كان في غيبوبة خمسين عاما، فاستيقظ فجأة..." (ص. 28) لم يستيقظ المكان، بل استيقظ الوعي بهـ هي ليست قصة أهل الكهف تعيد نفسها، بل هي صرخة رسالتها إنقاذ ما يمكن إنقاذه، ليس من مكونات الماضي أمكنة كانت أو بشرا، فليست الرواية تحيي الموتى والأنقاض، وإنما لما قد يصلح الحاضر، ويستمر لأجل مستقبل أفضل...
كتب الباحثة آسية البوعلي من سلطنة عمان في السياق نفسه:
"إن الصورة الفنية تتعدى حدود الرؤية للمكان بعناصره الفيزيائية إلى المشاركة الوجدانية، وهو ما يؤكد لنا أن الصورة الفنية لا تثير في ذهن المتلقي صورا بصرية فحسب، بل تثير صورا لها صلة بكل الاحساسات الممكنة التي يتكون بها نسيج الإدراك الإنساني ذاته... وهنا تكمن عبقرية اللغة الروائية حيث تتمكن من إعطاء أبعاد حسية لما لا وجود له إلا بالوعي وفيه، وفي إضفاء صفة الواقعية على ما هو تصوري محض".
ولنا عودة لرواية "الذاكرة المنسية"،رواية تستحق أكثر من قراءة... قبعتي أرفعها لك سيدتي الكاتبة المبدعة الزهرة رميج.  
 
* ناقد من المغرب.