الفرج

راضي الضميري*

أخيرا باعت الديك كي تشتري لزوجها علبة سجائر، ومع هذا  الديك ثمة ذكريات لا تنسى، لكنها كانت مضطرة،  كاضطرارها لحبس لجام دموعها لحظة نادت عليه، فجاءها مسرعا  واستسلم ليديها؛ إنه من ريحة أغلى الناس على قلبها، لكنها مجبرة ولا  تملك خيارا آخر،  فهو لم يعد يطيق الانتظار، كان يتململ على كرسيه كطفل رضيع.

"أيهما سيقضي عليه أولا: الزهايمر، أم هذا التبغ الرديء" تتساءل في سرها، لكنها لم تبد قط أي انزعاج، لأنها كانت تقدس الحياة الزوجية.
وهي منذ  ولادتها بدت متميزة عن غيرها، وشهدت لها بذلك داية ( قابلة) الحي التي رحلت قبل ثلاثة عقود ،  ومازال الناس يذكرونها بخير لغاية الآن، إذ كانت تقول كلما رأتها أو ذكرت في حضورها" لم أر مثلها في حياتي، فتاة رشيقة القوام. باسمة الثغر. منشرحة الوجه، لو قالت للقمر قم؛ لابتسم ولم يعقب".
 ثم تزوجت زواجا تقليدا،  لكن الأمور سارت  على خير ما يرام. وساهمت في تأسيس أسرة جميلة، كانت طموحاتها متواضعة، ومنسجمة مع واقع الحال لكن الأمل لم يبارح خيالها البتة " لا بأس، الخير قادم لا محالة،  والبركة في هؤلاء الصغار".
لقد كانت سيدة محترفة في تسيير أمورها - تقول جارتها المقربة-  وتعرف كيف تسرق الوقت من فضاء التعب لتنام، سويعات قليلة جدا، ومتقطعة، فذلك الزهايمر لا يؤتمن جانبه- كما أكد لها الطبيب  الذي شخّص حالته- وعليها أن تكون حذرة على مدار الساعة، فقد تصدر عنه تصرفات لا يمكن توقعها. وما زالت ذكريات ذلك اليوم الذي خرج فيه من المنزل بدون علمها لا تبارح خيالها، إذ داخت السبع دوخات حتى عثرت عليه "من أين جاءه هذا المرض اللعين؟" تقول في سرها كلما جلست أمامه، تطعمه وتسقيه، أو تقوده إلى الحمّام في ظل انقطاع تام للكهرباء، ثم تراجع المصائب والصدمات التي حلت عليهم، فتكتم آهاتها مخافة أن يشعر بها؛ مع أنه لم يعد يشعر بشيء.
 وهي خبيرة لا يشق لها غبار في فن السياسة؛  إذ كانت تهدهد الجوع بين راحتيها حتى ينام، وتروي له أحيانا قصة تحمل اسم (الفرج) ،  كتبها رجل كان يعمل مؤذنا  متطوعا في مسجد القرية،  وعتّالا ( حمّالاً)  في سوق الخضار، ثم صار بين عشية وضحاها محط ثقة حكواتي القرية،  بعدما أعاد له ليرة ذهبية كانت سقطت منه في السوق، ومع أن الحكواتي روادته الشكوك حياله، وحدثته نفسه بأنه سرق الليرة منه لما سلم عليه وحضنه،  ثم ادعى أنه رآها  تسقط من جيبه، لكنه تناسى الأمر؛ فقد كان العتال يجله ويحترمه،  وهكذا توسط له عند المختار وعينه  حارساً ليلياً في زريبته.
تقول القصة"
يحكى أن المختار خرج ذات ليلة مكفهر الوجه، حاسر الرأس، والشرر يتطاير من بين عينيه.
وسار على غير هدى حتى قادته خطاه إلى الزريبة، وصادف إن إحدى البقرات كانت تعاني آلام المخاض، فسارع وشمر عن ساعديه، وظل يطبطب عليها، ويقرأ ما تيسر له من الشعر، حتى أنجبت فحلا شديد السواد، فقام وغسل يديه، وطفق يتأملهما حتى اغرورقت عيناه بالدموع.
ثم جاشت به العاطفة، فأصدر قرارا بتوزيع دجاجة  بياضة على كل بيت محتاج.
وصار كلما ضاق خلقه أو شعر بالضجر، يذهب إلى الزريبة، فإن صادف حالة ولادة لبقرة أو شاة أو معزاة يصدر قرارا شبيها بالذي سبقه،  وهكذا دواليك".
 وبعدما تروي القصة- على ذمة أحد  العسس والذي اعترف بملء إرادته في ساعة سكر جامحة- كانت تقف وتخاطب القمر" قل له، طالما أنك بخير، فنحن بخير". وفي ليالي الشتاء الباردة، حيث يغيب القمر لبعض شأنه، كانت تخاطب المطر المتسلل من بين الشقوق المتناثرة في كل مكان" قل له؛ لا تقلق نحن في أحسن حال"
كانت سيدة  بمئة رجل- تقول موظفة في جمعية تُعنى بتقديم المساعدات للأسر العفيفة والمنكوبة-  ورغم أن جمعيتنا حجبت عنها أي مساعدة بحجة أن من يشتري التبغ لا يستحق المعونة، كانت تعمل بلا كلل أو ملل؛ تعجن الطحين الذي تحصل عليه بشق الأنفس، وتخبزه، وتذهب إلى سوق الخضار، وتلم من على الأرض كل شيء صالح للحياة، ثم توزع ما تيسر لها على كل محتاج يسكن في محيط بيتها، وكانوا قلة، نعم كانوا كذلك؛ لأن الجيران الملاصقين لبيتها هجروا المكان، بعدما سقط صاروخ صغير على البيت لكنه لم ينفجر، وظل مغروزا على سطح الدار الذي تصدع بشدة، وكم مرة نصحوها بمغادرة البيت، لكنها لم تفعل، كانت تقول" هو لن يفعل شيئا من تلقاء نفسه" ثم تشير بيدها إلى السماء، ترفع ذراعيها وتدعو" حفظك الله،  وحماك من كل مكروه".
كانت سيدة صابرة- تقول ممرضة الحي- لا تعرف اليأس، تزور المقبرة كل يوم،  وتدعو ليل نهار لابنها الذي نجا من بين إخوته من الفوضى التي ابتلعت البلاد،  وركب البحر وانقطعت أخباره...
 
* قاص من الأردن.