الفارس.. قصة من بولندا

أولغا توكارشوك*

ترجمة: صالح الرزوق**
 
في البداية حاولت جهدها مع القفلين،  لكن يبدو أنها لم تكن متوافقة، لأنها بعد أن تمكنت من تدوير المفتاح في أحدها، بقي الثاني مغلقا- والعكس صحيح. وعندما هبت الرياح من البحر، التف وشاحها حول وجهها. وفي النهاية ألقى هو الحقيبتين على أرض الممر وأخذ منها المفتاحين. ونجح في فتح الباب فورا.
كان الكوخ الذي يكتريانه باستمرار بجوار البحر مباشرة، وبين أكواخ الاستجمام التي تشبهه. فالصيف مزدحم وصاخب هنا، والمكان مفتوح لاستقبال الهواء، وتحيط به المظلات ومقاعد البلاستيك، والطاولات الصغيرة المجهزة بالمذياع و الصحف- والآن كلها مغلقة، ومشدودة على بعضها بعضا مثل الطبل، وغارقة في غيبوبة الشتاء. لكن هذا الكوخ كان أكثر جاهزية،  له موقد نار ومنصة كبيرة تشرف على الشاطئ. و الشرفة يغطيها الرمل، ولذلك ما أن دخلا حتى حملت المقشة وبدأت بالتنظيف.
قال:"لماذا تفعلين ذلك؟. لا يمكن أن نجلس في هذا الوقت من العام على الشرفة".
أخرج الطعام من إحدى الحقيبتين وأودعه في الثلاجة. ثم أشعل التلفزيون فاحتجت.  قالت:" كلا من فضلك. ليس التلفزيون".
كانت على وشك أن تضيف شيئا. لكن منعت نفسها. كان معهما كلبة، صيادة ثعالب، وهي رشيقة  نشيطة ، لا تهدأ. حينما كان يضرم النار بالموقد، جرت الكلبة عدة قطع من الحطب من السلة، وألقتها في الهواء ثم قفزت نحوها مجددا.
قالت:" إنها تشعر بالبرد. و تفعل ذلك لتدفئة نفسها. هذا مؤكد و يجب علي أن أعتني بنظافتها".
"ولكنها كلبة فقط".
"إنها تثير أعصابي سواء كانت مجرد كلبة أو لا، أقصد أنها لا تهدأ. وهي مفرطة النشاط. ربما علينا أن نضع المهدئات في طعامها. برومين، ليومينال، شيء من هذا النوع؟".
"لكن لم تكن تثير أعصابك".
"حسنا هذا ما يحصل الآن".
حملت حقيبتها إلى الطابق العلوي، إلى غرفة النوم الصغيرة المتجلدة، وجلست على السرير، كان مغطى بملاءة. تبعتها تلك الكلبة "ريناتا"، وقفزت على الملاءة. نظرت لعيني الكلبة البراقتين البنيتين.  شعرت بلقمة تسد بلعومها، مع تيار من الألم، نفذ في كل أرجاء جسمها، ألم عابر  لكنه فادح.
فكرت: الحال تتغير مع الزمن. وهذا شيء غير مقبول. نحن نتفكك ولا نستمر ونتقشر.؟ كأن الإنسان شريحتان من الزمن الفلكي تتداعيان وتتباعدان مع فوضى كئيبة، وتلقيان ظلا يباعد ما بين "الآن" و "اللاحق" و هذا يستمر لملايين السنوات. "الآن" صامت، و بأطراف مسننة - النوم العميق في الليل، وبقايا التوتر الذي يظهر عند الاستيقاظ. كما لو أن حربا اندلعت خلال النوم. "اللاحق" يبدو متواصلا و له إيقاع تراه من زاوية نظره فقط، وللضوء صوت مثل كرات البينغ بونغ حين تطرق طاولة مستوية، هناك ثوب من اللحظات و كل خيط منه جزء من نسيج أوسع.
أدركت أن أبسط طريقة لفتح حوار أن تبدأ بـ "هل تذكر حينما"... فهناك شيء ميكانيكي بهذا الكلام، مثل حركة يد تلاطف طفلا، مثل فتح محطة إذاعة تعزف موسيقا هادئة فقط- وكل تلك الأصوات التي تشبه زقزقة العصافير وشلالات الماء و الحيتان. " هل تذكر حينما" حملتهما معا لمكان واحد من الماضي، . وهو لحظة عاطفية دائما، كأنك تطلب من شخص أن يرقص معك، ويأتي الرد بإشعاع وبريق من العينين. نعم هيا نرقص. كان من الواضح أنهما يتبادلان كلاما بنسخ مستقرة عن الماضي البعيد، بسرد مألوف جدا،  أمكن تذكره عدة مرات من قبل، وهو آمن تماما. الماضي مستقرلا يمكن تبديله. والماضي تجربة تتعلمها بروحك، فأساسات الذاكرة محبوكة بقصص قصيرة ،مرحة ومستعادة. مثل كيف اعتاد أن يقطف البندق من أجلها ويضعه على أوراق نباتات في الحديقة. أو حينما اشترى كلاهما الجينز الأبيض نفسه- هذا من فترة بعيدة، و لكنه الآن أصغر من حجمهما بنمرتين أو ثلاثة. أو عن شعرها الأحمر، بالتصفيفة المتموجة  التي كانت موضة سائدة. أو حينما كان يطارد قطاره وهو يودعها.  كلما ذهبت لمسافة أبعد في الماضي تجد قصصا أكثر- من الواضح أنه بمرور الوقت أنت تفقد قدرتك على أسطرة الأشياء العادية اليومية، وتسجن الواقع بمكان شائع برفقة التفاهات.
ذات مرة كانت النار ملتهبة، وبدءا بتحضير الغداء مثل ثنائي منسجم، كانت تقشر الثوم وهو يغسل الخس ويهيئ الصلصة. ثم  جهزت هي الطاولة، هو فتح زجاجة نبيذ- كأنهما يرقصان رقصة مثالية وكانت حركات شريكك مألوفة جدا لا تشد انتباهك، ثم اختفى شريكك،  هكذا بدأت ترقص بمفردك.
ثم نامت ريناتا عند الموقد، وكان بريق اللهب البرتقالي يسطع على شعر جلدها. فجأة تحول المساء إلى شيء لا يطاق وثقيل مثل وجبة عشاء ثقيلة قبل النوم. انتقلت نظراته دون إرادة منه إلى التلفزيون، لكنها شعرت برغبة عارمة للاستحمام، وباعتبار أنها ليلة خاصة، أول ليلة لهما، كان أمامهما متسع لتنفيذ امنياتهما. غير أنه لم يهتم.
سألها:"هل يمكنني فتح زجاجة أخرى؟".  أدرك فورا أن المزيد من النبيذ قد يفسد ترتيب الأشياء التي تستقر بمكانها بالتدريج، فبعد الشراب يحل وقت الشعور المعروف بالارتخاء، والإحساس بالهبوط، والجو المكبوت، وفراغ الكلام الإنساني من معناه، والرغبة بالهرب. والحاجة للحوار تتوقف عن أن يكون لها جدوى بعد عدة عبارات، لأن عليهما تعريف الكلمات التي يتكرر استعمالها. كما لو أن لغتيهما تفترقان. 
ردت بنغمة سعادة مزيفة:"أعتقد أنني اكتفيت". هكذا أخرج رقعة الشطرنج، وشعر بالغبطة لوجودها، بين بعض الكتب القديمة المرصوصة على الرف قرب التلفزيون. الشطرنج، أيضا، ينتمي لجو عبارة " هل تذكر حينما".
كانا يلعبان باستمرار بصمت، بدم بارد،  بلا تعجل، وتتشابك اللعبة في الأيام الأخيرة. كان يختار الأسود- دائما يختاره- وهي تشعل سيجارة. شعر بإبرة الغضب الحادة تنفذ من خلاله: كان يكرهها حينما تدخن في الغرفة.  لكنه لم يعترض. فليس هناك أي خطأ. أبدا، أول لعبة تكون روتينية، وأتوماتيكية، وكلاهما يعرف الخطوة التالية. وقد فطنت أنها تعلم كيف يفكر، وكان هذا يصدمها.  انتابها دوار خفيف - فالربح مضجر ومُر. هكذا سمحت له أن يربح، فتثاءب.
قالت وهي ترتب القطع:" هيا نلعب مجددا، لكن هذه المرة علينا أن نلعب فعلا، أن نركز فعلا. هل تذكر كيف استمرت اللعبة ذات مرة لأسبوع؟".
"أول عيد ميلاد في بيت أهلك. لم يكن بمقدورنا أن نتوقف بسبب ذلك الثلج المتساقط، كل شيء كان مطمورا تحته".
 تذكرت رائحة الغرفة الباردة التي كانت أمها تحتفظ فيها بكل الأشياء التي تخبزها في أيام العطل، وتغطيها بالمناشف. قاما بحركتين، وتوقفت اللعبة، حان دوره، وذهبت خلاله إلى المنصة للتدخين.  من خلال الزجاج كان يشاهد كتفيها الناعمين، وهما يغوصان في وشاح صوفي. ولم يحرك حجره حتى عادت.
سألته:"هل تظن أنه علينا أن نرتاح اليوم؟".
وافق بحركة من رأسه.
"هل أنت جاهز للنوم؟".
 انتابه الشعور بقصدية هذا السؤال، كما لو أنه يهمها حقا أن تكون لهجتها محايدة.
"سأتأكد أولا من نشرة الأحوال الجوية، ثم أجهز السرير".
أشعل التلفزيون، و أصبحت الأمور طبيعية بطريقة من الطرق.  زال التوتر بينهما حينما اهتم كل منهما بشؤونه. فتح علبة بيرة أخرى. وتنقل بين المحطات، ثم اختفى.  ذهبت هي لتغتسل. رفعت التدفئة الكهربائية حرارة الحمام الصغير بسرعة. وضعت عدة مناشف على الرف تحت المرآة. ومالت على مرآة الحلاقة وتفحصت العروق الحمر الباهتة التي تخللت وجنتيها. ثم تأملت بتمهل بشرة عنقها وصدرها. نظرت لنفسها بالمرآة، وتخلصت من مكياجها بمنشفة قطنية. وما إن تعرت حتى تذكرت أنه لا يوجد هنا حوض استحمام، فالحوض موجود هناك في المدينة، لم يكن لديها الآن غير الدوش الضعيف المفصول عن بقية الحمام بستارة بلاستيكية تشبه القشور الملونة. انتابها الشعور بالبكاء، وغضبت من نفسها حينما انتبهت أنها تقوم بحركات تمثيلية مبالغ بها، فالإنسان لا يبكي لعدم توفر حوض استحمام وحسب.
حينما زحفت إلى غرفة النوم، لاحظت أن السرير غير جاهز، والملاءات مكومة على الكرسي، مطوية بعناية،  باردة و ناعمة.  جاءت دمدمة من التلفزيون الذي يعمل في الأسفل، وتزايد جماع غضبها مثل انهيار ثلجي، وبدأت بترتيب السرير، وكافحت عند زوايا الملاءات، وكان جهازها العصبي يتناسب مع غضبها- كما لو أنها أغنية وألحان. وكان يبدو لها أن هذا الغضب عام، مجرد حنق لا هدف له، و ثم، بلا سابق إنذار ولشديد دهشتها أصبح كل شيء صقيلا كحد السكين - مثل فيلم كرتون، وكان الطرف المدبب يتجه حيثما جلس الرجل مع علبة البيرة، ومثل سرب من النحل الهائج، اقتحمت السلالم الخشبية ودخلت إلى غرفة المعيشة. ووقفت عند الباب وشاهدت رأس الرجل - كان جالسا بوضع جانبي- ولدقيقة من الوقت اعتقدت أن الخطر الداهم سيخترقه في دماغه، بسرعة كاسحة،  سيتوقف الرجل عن الحركة ثم ينهار ويتراخى على ظهر كرسيه. ميت.
صاحت من أعلى السلالم:"أنت، هل يمكن أن تساعدني؟".
قال:"أنا قادم". ووقف رغما عنه، و هو ما زال يحملق بشاشة التلفزيون.
وفي الوقت الذي استغرقه بالصعود، كانت قد هدأت. وأخذت نفسا عميقا.
سألته برباطة جأش:"هل أنت مزمع على الاغتسال؟".
قال:"حصلت على حمام قبل أن نغادر".
واستلقت على ظهرها بين الملاءات الباردة غير المريحة، و لتي تترك لديك الشعور أنها مبتلة. تحرك ليطفئ النور. سمعته يغلق باب الشرفة ويضع كيس النفايات في علبة القمامة. ثم تخلص من ثيابه واستلقى على طرف السرير. ولبثا كذلك لبعض الوقت، متجاورين، ثم اقتربت منه ووضعت رأسها على صدره. تحسس بيده ذراعها العاري بعاطفة أبوية، لكن في لمسته التالية، اختفت عاطفته - كان تلامسا، لا أكثر.  تدحرج ليستلقي على بطنه، فوضعت يدها على ظهره كما لو أنها تضغط. كانا ينامان هكذا منذ سنوات طويلة. وزمجرت ريناتا من موضعها عند أقدامهما.
نهض أولا، ليفتح الباب للكلبة.  شقت طريقها للغرفة الصغيرة لفحة هواء جليدي. وراقب الكلبة تسرع نحو البحر، وتطارد نورسين،وتريح نفسها، ثم تعود. كانت هبات الريح تثور من جهة البحر. وضع الماء على النار لإعداد القهوة وانتظرها لتغلي. ألقى نظرة على رقعة الشطرنج و تأكد من وجود خشب محترق في الموقد،  لكن النار كانت خامدة تماما. صب القهوة،،وأضاف الحليب والسكر- في كوبها. وعاد أدراجه إلى الأعلى و معه الكوبان واندس بين الملاءات الدافئة. شرب القهوة منتصب الظهر، و و يسند رأسه على رأس السرير.
قالت له بصوت متثائب بسبب النوم:"حلمت بطائرة حافلة بكعك نابوليون. وكانت الأرض مغطاة بالثلوج. لكنه ثلج زهري اللون".
لم يجد طريقة للاستجابة. نادرا ما كان يحلم. وإذا شاهد حلما، فهو ليس من النوع الذي يمكنه وصفه. إنه لا يجد الكلمات المناسبة لذلك. بعد الإفطار حمل الكاميرا ونظف عدستيها كليهما، فالمفروض أنهما سيخرجان بنزهة. ارتديا الثياب الدافئة التي أحضراها - الصوف، الأحذية الطويلة، الوشاحات و لقفازات. اتجها إلى الشاطئ، نحو الكثبان، حتى غابت عنهما الأكواخ الخشبية.  هناك بدأت مملكة الأعشاب تميل مع الريح. جلس القرفصاء وأخذ صورة لكدسة من الأخشاب العائمة التي يتلاعب بها البحر - كانت تشبه عظام حيوان. ثم نظر من العدسة، وهو يتلفت حوله. وتركته وراءها وتابعت المسير على طول ضفة البحر، وصنعت أقدامها طبعات خفيفة على الرمال  كانت تزول فورا وغمرها المياه. كانت ريناتا تحضر لها الوتد  ترمي ساقيها معه، لكن كلما تستعيده تزمجر ريناتا وترفض تسليمه.
قالت:" كيف يفترض أن ألقيه في الهواء وأنت لا تعيدينه لي، كلبة غبية؟".
ثم تخلت ريناتا عن الوتد الذي استعادته- كان يطير إلى مسافات مرتفعة ثم يسقط ما بين أسنانها.
وفهمت المرأة أنها محط اهتمامه، وأن عين العدسة المستديرة تتابعها.  لغمضة عين رأت نفسها كما كان الرجل يراها- قامة قصيرة وقاتمة أمام خلفية من الظل الأبيض والرمادي، شكل مثلث بحدود جازمة.  لمح يدها المحمرة. هل فعلت شيئا خاطئا؟. كان يستر وجهه خلف الكاميرا ويوجهها نحوها - كأنه يسدد عليها سلاحا. كان عليها أن تعتاد على ذلك- دائما يلتقط لها الصور،  لكنها شعرت بالحنق الذي استولى عليها في اليوم السابق وهي في السرير. ابتعدت.  تابعها، وسارا معا بصمت. احتوتهما الريح وهما صامتان، وأجبرا شفاههما على الانطباق. كلما طال الصمت كان هناك القليل ليعترفا به، و الكثير من الطمأنينة والهدوء. وشردت أفكاره نحو اليسار، باتجاه البحر، وانطلقت فوق كتلة زوارق الصيد، وحطت على الجزر، في بلدان أجنبية، وحيثما أمكن.  عادت أفكارها هي إلى البيت، تعلقت بالأدراج ودخلت حقائب اليد، وألقت نظرة على التقويم السنوي، وتكهنت بالفواتير. لم يكن صمتا مؤلما. كان من المفيد أن تمضي وقتك مع شخص صامت.  بنوع من الإشراق المفاجئ فكرت:"هذا الصمت فن"، وكررت هذه الجملة عدة مرات. وارتاحت لها.
قال لها:"انظري" وأشار إلى غيمة داكنة تطير فوق الأرض على ارتفاع منخفض وتقريبا سقطت بين أغصان قمم أشجار الصنوبر. وشعر فجأة بالرغبة في التقاط صورة لهذه الغيمة مع المرأة، كلتاهما ممتلئتان برعد لم يزمجر. وبعاصفة من البرق لن يقصف.
صاح وهو يخطو للخلف نحو خط الماء الفاصل وينظر بالعدسة من مسافة قريبة:"توقفي حيث أنت هناك".
كل ما أمكن أن يراه هو وجه المرأة، مشتتا بسبب الرياح، مع غضون على جبهتها، وشفتين متصلبتين من البرد. لفّت الريح شعرها حول وجهها. قامت بيدها بعدة حركات عصبية لتنحيته من أمام وجهها، لكن كل ذلك بعذاب وضغينة. قرقعت أغطية النوافذ. فاستدارت بشيء من الشقاء.
قال لها:"انتظري قليلا. كل شيء يبدو رائعا الآن". ابتعد قليلا للخلف، حتى غمر الماء حذاءه الطويل.
غضبت من نفسها لأنها تحاول أن تأخذ وضعية استعداد للصورة، ولأنها مهتمة بشكلها. كانت الكاميرا لصق وجهه وربح بذلك ميزة أمامها، وكان يبدو لها كأنه يعاينها، ويقدر حالها، ويقلل منها ويشيئها. لم تحب أن يلتقط لها صورة- كانت مكشوفة أمام تلك العين الزجاجية والتي استعملها كقناع.
أحيانا كان يتكون لديها انطباع أنه يمكنه أن يرى من خلالها، وأنه يعدها بشيء له علاقة بالخلود، وأنه يعلو بها فوق الفناء و العدم، ولهذا كانت قواها تتصاعد في عروقها. كانت تستسلم له باستمرار. دائما تدهشها النساء اللواتي يعملن بصفة موديل، كل تلك الشابات اليافعات وهن مستسلمات خلال التصوير، يرمين رؤوسهن للخلف، وبوعي كامل يعرضن شيئا للبيع، كأنهن لسن نساء، بل بضاعة معروضة للبيع، مثل البائعات المتحمسات الصغيرات. تجارة فقط. ولا غرابة أنه شاركهن الفراش. هل يعلم مقدار نعمة هذه الكاميرا عليه؟. كان وجهه مليئا بالحياة، حياة مؤجلة. شاهدته بعين ذهنها مجددا، ومعه البيرة، وهو أمام التلفزيون-  ثم أصبح وجهه بلا  ملامح ومعانٍ،  كأنه بكل بساطة يخلو من كل شيء.
قالت بجرأة:"لا تلتقط صورتي". دون أي صوت استدار بالكاميرا نحو ريناتا وتبعها لفترة من الوقت، وكانت الكلبة تتملص من مجال العدسة، تعدو بشكل متعرج، وتحاول أن تضعها خارج مسارها.
شعر بجرح في كرامته. أحيانا يمكنها نطق كلمات محايدة، لكن تبدو كأنها تريد أن تلطمه على وجهه. كيف يمكنها أن تفعل ذلك؟  انتابه الإحساس أنه ولد صغير يحوم حولها، مجرد طفل. ولا يسعه أن يحدد متى ستلحق به الضرر. مع ذلك تمرن على فعل معاكس ناجع: أن يخفي ملكه خلف الجنود، وحينما يأتي دورها، تلك المرأة الغريبة، يتجاهلها، يتخطاها، ولا يلاحظها أبدا، لا يرد، لا ينظر، لا يهتم، يتحاشاها،  يحتفظ بمسافة منها كأنها صورة، بهذه الطريقة يدعها بمتناول يديه- قوام مثلثي أمام خلفية من الظل الرمادي.
 بعد ذلك، تستدير نحو أحد الاطراف بطريقة غير مفهومة-  تلقي نفسها بين ذراعيه، وتتوتر وتصبح وحيدة، مثل بنت يائسة صغيرة لها شعر رمادي، وينتابها الوهن، تتراجع، وتستسلم. تزمجر، مثل ريناتا.
ركض خلف الكلبة.  عثرت ريناتا على عصا كبيرة الحجم، وقبضت عليها بين أسنانها، وبدأت تتوسل ليلعب معها. أمسك طرف العصا وجر الكلبة، لكن لم تتركها. كانت ريناتا مولعة بهذه اللعبة.
هذه هي لعبة الفك المفترس. لعبة المقاومة. بدأ يدور حول نفسه مع الكلبة المتمسكة بالعصا، وكانت تطير بمستوى خصره. ثم سمع صيحة وشاهدها تعدو نحوه.
تباطأ، حطت ريناتا بأمان على الرمل. أسرعت المرأة إليه، ووجهها متوتر من الحنق.
صاحت تقول:"ماذا تظن أنك تفعل؟. هل أنت أحمق؟. ستضرها. هل لديك أية فكرة؟. لماذا أنت غبي، مغفل؟".
ثم تابعت:"هل فقدت عقلك، أيها المغفل المتهور".
آلمه ذلك. واعتقد أنها مزمعة على ضربه. وكانت ريناتا- و العصا ما زالت في فمها- تتأرجح قليلا.
قال لها بهدوء:"اغربي عني، أيتها العاهرة المجنونة". وبدأ بالعودة إلى البيت.
ألح عليها البكاء. ثار في داخله بسبب الشهقات الغاضبة كأنك تعدو خلف شيء ما لتمسكه. ووصل البيت، وهو يفكر: يجب أن احزم أمتعتي و أنصرف.
أو لا تحزم أمتعتك، و ترك كل شيء هناك. كان يود أن يستقل السيارة ويقلع. وأن يعود إلى المدينة. هذا هو الحل، وهكذا ينتهي الموضوع. يمكنها أن تتصرف من دونه. فهي لما زالت شابة، ستجد غيره،  تعيش على هواها. فكر أنه بذل ما باستطاعته، وعليه أن يتابع. لقد بذل كل ما بمقدوره.
وحينما عادت إلى البيت، كان يجلس أمام التلفزيون ويشرب البيرة. تخلصت من معطفها ووضعت الماء على النار.
سألت:"شاي؟". دمدم:"كلا".
قالت:"آسفة". وشعرت فجأة أنها ضعيفة كما لو أنها تمشي على الرمال، كما لو أنها مضغوطة، وقدمها تغوص. تذكرت أنه لم يسبق له أن اعتذر منها على شيء. أبدا أبدا. أشعلت سيجارة.
قال:"هل يمكنك أن لا تدخني هنا؟".
ذهبت إلى الشرفة. صفّرت الغلاية. لكنها لم تسمعها، فنهض وأطفأ الموقد. كان هناك برنامج على التلفزيون عن الزراعة. تابعت ريناتا تسحب الخشب من السلة وتلقيه ثم تقبض عليه وهو معلق في الهواء.
سألته:"ماذا تعتقد،  كيف ستكون النهاية؟". ثم جلست بجانبه على كرسي له ذراعان.
"كيف هي النهاية".
"كل شي ونحن ضمنا".
هز منكبيه. نظر إليها، لكنه لم يحتمل منظر عينيها المتسائلتين والملحتين.
قال:"سأشعل النار".
طوى بعض الصحف وكومها، ثم أضاف لها بعض الأغصان. قدمت له الثقاب. شعر أنها تريد أن تفصح عن شيء، لكنه لم ينطق. أراد أن تقول أي شيء، وكان في الوقت  نفسه  خائفا أن تنزلق كلماتها من لسانها دون ضابط مجددا. كان يعرف كيف يؤثر فيها، وفعل ذلك- صعد للطابق العلوي واستلقى على السرير غير المرتب، وحاول قراءة مجلة قديمة. وارتاح لمقال عن الحاسوب، لكنه لم يفهمه كما يجب. ثم لاحظ إعلانا عن عطلة في تركيا، وذكرته برحلتهما المشتركة إلى اليونان- كل شيء غائم، معرض للشمس بلا رحمة، مثل صور لم تنجح بالتظهير. جسمها البرونزي والعاري تقريبا. والحب في غرفة الفندق- آخر مرة. صدمة ارتباكه. وأدرك أنه لا يتذكرها بأي شيء آخر، تلك الرحلة التي مضى عليها شهور هي أقدم ذكرى عنها. وفي العبارة المتكررة "تذكر حينما" كان الناس الذين التقى بهم غرباء تماما. استيقظ من النوم وهو يسبح بالدهشة.
عندما فتح عينيه، كانت قد ذهبت. الكلبة رحلت أيضا، واعتقد أنها رافقتها إلى الرمال، ومع ذلك حاول أن يتأكد من وجود سيارتها. كانت هناك. أشعل التلفزيون وأصغى للأخبار بنصف طاقته. وكان الظلام يخيم في الخارج. جهز لنفسه البيض المخفوق وأكله من المقلاة مباشرة وهو أمام التلفزيون. ثم فتح علبة بيرة وأصغى للرسائل التي تلقاها جهازه الخليوي. ليس هناك ما يفيد. و شاهدها تعود، ووجهها منتفخ من الريح. أسرعت ريناتا إليه لتحيته، كما لو أنه مرت سنوات على آخر لقاء. ونظرت المرأة للمقالة الفارغة.
سألت بشيء من الإدانة:" هل تناولت طعامك؟. هل أكلت؟". أدرك أنه عليه أن ينتظرها. فقال:"فقط شطيرة، يمكننا أن ندهب إلى المطعم الصيني في المدينة".
قالت وهي تعلق سترتها:"لست جائعة".
فكر بغضب، لماذا تسأل إذا. لكنه يعلم لماذا، ليكون لديها سبب للانزعاج. قال لها بصوت صامت:"الكلبة يحركها مزاجها. لا تأكلي أي شيء إن كنت لا تريدين الطعام. هذا لا يعنيني فهو تفاهة". واستمتع بهذا الحوار الخيالي. بدّل القناة، و لكن كانت القناة التالية بيضاء. حاول أن يجد غيرها. لم يكن أمامه غير قناتين. ولم يكن لديه مهرب. عادت من الحمام بعد قليل، شعرها ممشط، مع لمسة إضافية على مكياجها، و شم رائحة سيجارة جديدة تفوح منها- لا بد أنها دخنت في الحمام مثل بنات المدارس.
سألته:"هل نتابع لعبتنا؟" وافق. ولاحظ أن ترتيب لوحة الشطرنج مشجع. استمتع بوجود القوانين. واحتمال ضرورة التفكير قبل كل حركة. وإمكانية المفاجأة. ومشاعر السيطرة مثل عناق عصبي لطيف. ثم أضاف الحطب للنار. هنا قالت:" بالله عليك انظر، الفارس الأبيض اختفى". بحثا عنه تحت الطاولة، وجرا الكراسي، فتشا الفراغات بين الوسائد. نقب بعينيه في سلة الحطب.
قالت:"ربما ريناتا . لا بد أنها لعبت بالحجرة في الخارج. انظر لسريرها".
سحبت غطاء سرير الكلبة- كانت هناك عدة قطع من خشب الموقد وسدادات بلاستيكية مخصصة للمغسلة. ولكن ما من قطعة شطرنج.
قال كأنه يستعطف نفسه:"ربما حملت الحجرة إلى الردهة".
باشرا بتفتيش دقيق. هو نقب في النفايات. هي نظرت على الشرفة في الخارج. وجرا الطاولة. سألته:"هل كانت الحجرة بمكانها حينما غادرنا".
لم تكن تتذكر.
قالت وهي تميل فوق الطاولة: "ماذا تفيدك قطعة شطرنج أيتها الكابة الغبية؟".
قال:"ربما مضغتها".
سكب كأسين من البيرة. وجلسا أمام رقعة الشطرنج المخيبة للأمل. ثم اقترح أن يستعملا قطعة خشب عوضا عن الحجرة المفقودة. كسر قطعة ووضعها على المربع الأسود الفارغ. غير أنها تمنعت قليلا. ثم قالت:"لن ألعب بحطب".
"سأختار الحجر الأبيض إذا".
" لكن علينا أن نبدأ من جديد، أليس كذلك؟".
قال:"كلا".
"لن ألعب إذا".
فكرت من الأفضل لها أن ينصرفا حالا، وأن يحملا متاعهما، ويعودا إلى البيت، لكنها لم تجد الجرأة لتقول ذلك. اشتبهت أنه هو من أخفى قطعة الشطرنج. وأنه هو من تخلص منها بطريقة ما. لكنها لم تنطق بكلمة- وتكومت على نفسها فوق وسادات الكنبة.
كانت تعلم أنه سيرحل في كل الأحوال، و يهجرها- سمتصه التلفزيون أو يصعد إلى الأعلى ليعاود النوم، أو يلهو بكاميرته (وشكرا لله أن الوقت تأخر وعمت الظلمة مما لا يناسب التقاط الصور) أو أنه سيستغرق بالقراءة أو يهاتف الأصدقاء، أو يرسل لهم رسائل قصيرة- هي تعلم أن هذا لا مهرب منه. كانت تريد أن تقبض على قميصه الأزرق، لكنها لم تجد الشجاعة لتبرح الكنبة. كانت يداه مشغولتين بترتيب قطع الشطرنج في العلبة. شعر أسود ناعم.
نظر إليها.
وقال:"لماذا تبكين؟. على الشطرنج، أم على ذلك الفارس؟".
جلس بقربها أحاطها بواحد من ذراعيه. وترددت ذراعه الثانية لدقيقة، ولبثت في النهاية كما كانت، على مسند الكنبة.
قالت فجأة:"أن يهجرك أحدهم أفضل من أن تهجره. الهجران يمنحك القوة".
قال:"لي رأي معاكس".
"أنت لا تفهمني".
"أنا لا أفهم شيئا".
نهض ثم ذهب إلى المطبخ. سأل عن النبيذ- أليس لديهما و لو قطرة؟. قالت بلى.
كانت قد رتبت كل أفكارها في رأسها. جملة جملة، ومبررات كل جملة.  توضيحات كل جملة، وعليه أن يرد بطريقة ما، من المستحيل أن يتحصن بصمته. حينما عاد قدم لها كأسا وجلس على الكنبة. كان عليه أن يعلم بماذا تفكر. وأن عليهما تبادل الكلام، وسينتهي، كالعادة، بمشاحنة. ثم إن ريناتا تلك الكلبة المطيعة، بدأت بالأنين عند الباب. فنهض ليفتحه من أجلها.
قال:"هيا، أيتها الكلبة الغبية، ماذا فعلت بالفارس؟".
قفزت ريناتا للخارج في الظلام وهي تنبح. نسمة قوية من الريح حملت سحابة خفيفة من الرمل عبر الباب. سمع صوت التلفزيون من ورائه وانتابه الارتياح. هذا يعني أنها أشعلت التلفزيون.
قال:"من المؤسف أننا بلا دليل. ربما هناك فيلم جيد".
أعادت ملء الكأسين، مع أنهما لم تفرغا بعد. فجأة استولى عليها التعب الشديد. مدت ساقيها مثله ووضعت قدميها على طاولة القهوة. جلسا جنبا إلى جنب، يرشفان النبيذ حتى نهاية الفيلم، وكان لغزا مسليا قديما عن سيدة مسنة قتلت أعداءها بالسم.  كانت تترنح قليلا وهي تصعد السلالم. 
قال:"سأكون هناك حالا". لكنها تعلم أن هذا لن يحصل. سيجلس هناك، كما يفعل دائما، حتى الصباح. متأملا الضوء المعتم للشاشة، غائبا عن وعيه، ملتصقا بتلك الصور البراقة مثل هرة- ودائما يسكت الصوت.  تعلم ماذا سيجري، ومن المفيد أن تعلم. هذا مريح للأعصاب. قناعة تامة كاملة التكون. كان في يدها كرة زجاجية ناعمة. هكذا سقطت بنوم عميق. استلقى فوقها مثلما يستلقي على الأعشاب، بكامل جسمه، بكل ثقله. كانت هناك رائحته المميزة، ونعومتها الخاصة. تنهدت. استجاب جسمه كأنها تتمسك به. قالت شيئا، لكنه لم يفهمها. مرر يده على وركيها. فهمست:"لا أستطيع أن أتنفس". تردد. وتوقف. أدرك أن ليس تحته امرأة، ولا زوجة، ولا جسم امرأة، لكن شخص، وأنه لا يستلقي فوق امرأة، بل فوق كائن بشري آخر، غيره، فرد مستقل،  لا يجوز الاعتداء عليه. هذا أحد ما بتخوم محددة واضحة، و لكن ما عدا ذلك هو هش، عرضة للانكسار، رقيق مثل خيط ماء، مثل بسكويتة.  تلاشى إحساسه الجنسي بها- و م يعد مهما له ولم يفهم أنها امرأة أو زوجة - كانت مثل أخ، رفيق يعاني، شريك يتألم، جار يواجه الخطر المجهول والمستمر. غريب كان في الوقت نفسه على مقربة منه. شخص بالجوار، يقف هناك وينظر من وراء السور، شخص تلوح له بالوداع وأنت في طريقك إلى البيت. هذه الملاحظة لم تكن متوقعة وشعر بالخجل. الإحساس بالرغبة التي تنامت بداخله تراجعت الآن. تدحرج عنها واستلقى بجانبها. وجرّها نحوه، من ذراعها، وغطاها بالملاءة. كانت تبكي. قالت شيئا عن الفارس، وعن فقدانه. تبادر لذهنه أنها  لا بد شربت كثيرا.
كان رأسها يؤلمها، نهضت بهدوء وهبطت السلالم لتسمح لريناتا بالخروج. 
-------
كان منطويا على نفسه ونائما، ملتفا بالملاءة كالشرنقة، بعيدا عنها، وعند الطرف الآخر من السرير. تناولت حفنة من الفيتامينات والأسبرين. وشعرت بالتعب، و لتآكل.
في البداية أنفقت وقتا طويلا بتنظيف أسنانها بالفرشاة، وكان شعرها مشوشا منذ الليلة السابقة ويتساقط في كل مكان، هل كانت تبكي؟. نعم. تمثل بانفعال. قرصت الجلد فوق معدتها. وارتاحت لهذا الألم، وفتح بوابة كراهية الذات المتنامية. حين كانت طفلة سمعت أنه من الممكن أن يصيبك السرطان بسبب القرصات. بعض اليافعين أخبروها بذلك، لا تذكر من،  لكن حين كان الأولاد يقرصون أثداء البنات.
-------  
حينما هبطت إلى الأسفل، كان يجلس على الكنبة، بقميص دون سروال، ويقرأ الجريدة. وقد هيأ لها القهوة.
قالت"مرحبا".
ورد بالمثل:"مرحبا".
"ما برنامجك لهذا اليوم؟".
"هل هناك شيء خاص بذهنك؟".
"سنحضر اللوازم معا مساء".
وقلب الصفحة.
"كيف مزاجك؟".
قال:"ممتاز".
بعد لحظة صمت أضاف:"أنت؟". لكنها لم تكن تود الكلام. بدأت تقلب صفحات مجلة. فجأة تفرقت الغيوم، وأغرق الغرفة بحر من الضوء الذي يغشى على البصر. سحبت سيجارة و رجت إلى الشرفة، لكن فكرة التدخين أصابتها بالدوار. فأجبرت نفسها عليها.
شاهدت ريناتا عن بعد. وكانت الكلبة الغبية تلقي بنفسها في المياه. بمحاولة يائسة لتعض الأمواج. فكرت: يا لها من حيوانة حمقاء، وكانت ترتعش من البرد. صعد إلى الأعلى ليرتدي سرواله. وسيكون سعيدا لو أمكنه أن يحزم أمتعته الآن. لديه أمور مستعجلة بانتظاره.  شعر بالتأهب. وحينما مر بجانب السرير شاهد منامتها مع صورة الدب الدمية مطبوعة على واجهتها، وفورا، بلحظة أقل من سُمك جليد تشرين الثاني على سطح بركة، شعر بالعاطفة نفسها التي تنتابه وهو نائم وبين يديه قميص نومها لكنها بعيدة.
هذه العاطفة، مثل الرغبة التي انتابته في تلك الليلة، هي من بين عاداته. هز رأسه. وفي النهاية، خدعته. الغضب، موجة من الغضب التي خبرها جيدا، جمد حركاته. أصبح وحشا مستعدا للقتال، متأهبا، ومستعدا. ارتدى سرواله وشد حزامه. لم يكن يفكر بها الآن- فلتتصرف كما ترغب وتشاء- إنه يفكر بنفسه حاليا: لن يعرض نفسه للأذى مجددا. و تذكر اهتياجه، لكن بسببها هو الآن أقوى، كما لو أنه دخل الحرب وعاد بأمان. وفي طريق هبوطه شاهدها من السلالم وهي تعانق الكنبة، بلا ماكياجات، وعيناها متورمتان.
عبرت في رأسه فكرة غريبة. كان يريدها أن تموت، لهذا السبب أصبحت دميمة جدا.
قال:"أفكر بالتقاط صورتين ثلاثة". قالت إنها سترافقه. انتظرها عند الشرفة لترتدي ثيابها. وذهبا باتجاه معاكس لمشوار الأمس.
صاحت به من وراء الرياح وقالت:"انظر"، أشارت إلى شيء كان قد لاحظ وجوده: مربع أبيض من السماء فوق بحر أزرق وفقاعات بيض كانت تبدو كأنها مرسومة هناك بريشة فنان صيني. ثم لمع فلاش من أشعة الشمس مثل البرق.
قالت:"لا بد أن مرت بنا عاصفة في الليلة الماضية".
كان هناك الكثير من النفايات على الشاطئ: خيوط من الإشنيات، أغصان أشجار، خشب، كل شيء ممزوج هنا و هناك عشوائيا بأشياء بلاستيكية ملونة. تبعته وفكرت أن هيئته من الخلف لم تتغير مع مرور الوقت، لكن هي متأكدة أن ذلك مجرد وهم. لا شيء يمكن استعادته.  ما حصل مرة لا يمكن أن يتكرر.
أبدا. البرق لا يضرب مرتين. فجأة أشرقت هذه المقولة بداخلها.  لم يعد هناك شيء يمكن أن تفعله. للحظة تمنت أن تسرع وراءه وتلمس جاكيته، وتجره نحوها ليصبحا وجها لوجه، ثم سيتضح - ماذا؟. ماذا سيتضح؟. تباطأت، لكنه تابع بسرعة إلى الأمام، ابتعد هو والكلبة والكاميرا لمسافة ملحوظة، لم تعد تود أن تلحق به، وجلست بلا حراك على الرمل.
ببعض الجهد، أدارت ظهرها نحو الريح، وتمكنت من إشعال سيجارة، وجلست في مكانها بيأس، هي تفكر برتابة حول كل شيء لا يمكن تكراره: تلامس أيديهما، تلك الشرارة، أحيانا بالصدفة وأحيانا بتعمد ورغبة: الإثارة القادمة من رائحته المعطرة، ذوبانها في تلك الرائحة، النظرات المتفهمة، وكل منهما يقرأ ذهن الآخر، والفكرة نفسها في اللحظة نفسها، التقارب الهادئ والثابت، يداً بيد، كما لو أن هذا هو وضعهما الطبيعي والوحيد. متعة التلاصق، التكاتف مثل شجرة عنب في الليل، النظر لذلك كأنها حالة خاصة. الصباح البطيء. وتناول حساء جذور الشوندر من الطبق نفسه. ثورة الرغبة خلال نزهة في الحديقة.. حقيبة يد تحملها معك إلى العالم وتتضمن أشياء يمكنك استعمالها لمرة واحدة فقط، مثل تلك الأعاجيب السحرية في الخرافات، مثل الألعاب النارية. وما أن ينطلقا، يخرجا، لا شيء يمكن استعادته من الرماد. هذه هي النهاية.
اعتقدت أنها ستخبره بكل شيء بعد عودته، لكن وهما يعودان البيت أدركت أن هذا أمر شخصي، وستخجل من المشاركة به مع إنسان آخر. إذا فعلت سيبتسم، لأن ذلك أشبه بأنشودة شعبية تغنيها له.
لا أكثر ولا أقل. نعم، كل سقوطها كان مسألة بسيطة خاصة. من الواضح أنه يأس يمكنك أن تمر به لمرة واحدة. ما يتلوه من سقوط سيكون نسخة فقط. وربما هناك خط غامض في حياتك أنت تعبره دون علمك، دون قصد، وبعد ذلك كل شيء تكرار مزيف عما كان عليه الحال سابقا، وكان في وقت من الأوقات حيا وحاضرا، لكنه الآن يبدو شيئا من الماضي، عبارة من درجة ثانية. ربما إن ذلك الخط الفاصل تنبع منه الحياة وتتدفق حتى أسفل السفح إلى حيث كان بالأساس. واليوم، على هذا الشاطئ، من هنا وما بعد، من هذا اليوم وصاعدا، ستجد نسخا ضبابية منها وتشارك بالحياة، انتاج غير واضح، تزوير رخيص، وأكاذيب قليلة النجاح.
عادا إلى البيت صامتين. احتوتهما الريح كما فعلت بالأمس. كان أمامها مع ريناتا وهي خلفه، ووجهها محمر من النسمات القوية.
حاولت ريناتا أن تدخل وفي فمها شيء. لكنه سد طريقها بقدمه.
"ماذا لديك أيتها الكلبة الفاسدة؟. ماذا وجدت؟ عظمة قديمة متعفنة؟ سمكة ميتة؟".
فتح فمها عنوة وأخرج قطعة خشب شاحبة ومطلية. استغرق لحظة ليعرف ما هي.
صاح بانفعال:"انظري ماذا وجدت".
اقتربت، وحملت الشيء المغطى باللعاب من يده ومسحته بالبساط. كان حصان شطرنج. فارس أبيض، ولكن ليس من مجموعتهما. كان أصغر، وأثمن، أكثر امتلاء، ربما صناعة يدوية. وفمه المفتوح الصغير متجه للأعلى، وشق يتخلل كل قامته.
قال:"لا أصدق ذاك. من أين أتيت به يا ريناتا؟".
قالت:"جاءت من البحر. ألقتها الأمواج".
كرر وهو يرشقها بنظرة عابرة وسريعة:"لا أصدق ذلك". حاول أن لا يقاطع بصره بصرها. وتابع:"كيف يمكن لحصان صغير مثله أن يسقط في البحر، وأبيض، مثل الذي فقدناه. يا لها من صدفة".
ذهب كلاهما إلى مغسلة المطبخ. غسلته بتأن ثم جففته بمنشفة الشاي.
وضعاه على الطاولة وتفحصاه كما لو أنه حشرة نادرة. وريناتا أيضا- كانت تبدو مسرورة بنفسها. ثم وضعه على المربع الفارغ حيث القطعة الخشبية القميئة الصغيرة ما زالت هناك.
كان الفارس يبدو خارج المكان بين قطع غريبة عنه. مثل طفرة. 
سألها:"هل نلعب الآن؟".
ردت:"الآن؟. علينا أن ننصرف". لكنها تخلصت من سترتها وجلست بتردد.
سألته: "لمن الدور التالي؟".
لم تكن متأكدة. جلسا لدقيقة طويلة ينظران لرقعة الشطرنج المفتوحة، ثم قال لها دون أن ينظر نحوها:"كنت ألعب كيفما تفق".

*أولغا توكارشوك Olga Tokarczuk روائية بولونية معاصرة حازت على المان بوكر الدولية من لندن عن روايتها "الطيران". وقامت بترجمة هذه القصة من البولونية الى الانجليزية جينيفر كروفت.  القصة عن مجلة “كلمات بلا حدود” الإلكترونية. عدد ديسمير كانون الأول. 2008.

* أديب ومترجم من سورية.