الـجَـهـْـل الـمُـزدَوج

Printer-friendly versionSend to friend
د. عبدالقادر حسين ياسين*
 
قبل ثلاثة آلاف سنة تحدث أفلاطون عما وصفه بـ “الجهـل المزدوج”، 
قاصداً بذلك جهل من "يدعي إنتاج المعـرفة"، 
فيما هو "لا يقدم للآخرين سوى الجهل عـينه:، 
لأنه هو ذاته "جاهـل".
 
ومـن نـافـلـة الـقـول أن العصر الحديث أنتج الوسائط الفعالة ،
القادرة ليس فقط على إنتاج هذا الجهل ،
وإنما تعـميمه وتسويقه بصورة جذابة، آسرة، ساحرة، 
تماماً كما تُسوَّق السلع الأخرى ،
من خلال “فاترينات” العـرض ،
أو من خلال الإعلان الذي يتوسل أكثر الأساليب فـتـنـة ومتعة وجذباً.
 
في عام 1848 كتب تشارلز ديكنز يقـول: 
"نسمع أحياناً كلاماً عن دعوى التعويض عن الأضرار،
ضد الطبيب غير الكفء ،
الذي شـوَّه أحد الأعـضاء بدلاً من شفائه. 
ولكن ماذا يقال في مئات آلاف العـقـول ،
التي شوَّهـتها إلى الأبد الحماقات الحقيرة التي ادعـت تكوينها؟!"
 
في ظني أن أحداً لم يسبق له أن عقد مثل هـذه المقارنة ،
وطرح هذا السؤال بكل هـذه الجرأة ،
كما فعل مؤلف “قـصة مدينتين” و”ديـفـيـد كوبرفـيلد”، 
كأنه بهذه المقـولة يحثنا على التفكير ،
في مدى مسؤولية أولئك الذين ينتجون الجهـل.
 
الشائع أن الجاهل هو الإنسان الذي لم يتعلم في مدرسة أو جامعة،
ولم يتلق خبرات كافية في الحياة، 
ولكن هذا الفهم يبدو سطحياً وعاجزاً عن الوفاء بشروط تعريف الجهـل.
 
فالجهل، هو الآخر، يُعـلـَّم، كما العـلم تماماً، 
ومثلما يوجـد معلمون يُلقِنون أو يُعَلمون الناس العلم والثقافة، 
فإن هناك معلمين على قدر كافٍ من الذكاء والفـطنة واللؤم، 
مهمتهم تعليم الناس الجهـل.
 
لا يعرف الجاهـل انه جاهـل، 
ليس فـقـط لأنه لا يعـترف به، 
وإنما أساساً لأنه لا يدركه ولا يعـيه، 
ويظن أن جهله معرفة.
 
ويتيح العصر الحديث ،
بما يقدمه من وسائط جبارة خارقة ، فـرصاً واسعة،
لإشاعة وتعميم ما درج على تسميته بالثقافة الاستهلاكية،
المحمولة على إمكانات غـير مسبوقة، 
التي تحمل في ثناياها،هـذا النوع من الجهل الذي يتزيا بزي المعرفة.
 
وفي الوقت الذي تكابد فيه أشكال الوعي الحقيقي المشقات،
كي تجد لنفسها كـوَّة تطل منها ،
فان الفـضاء ينفتح كاملا لذلك النوع من الوعي الزائف،
الذي يدخل البيوت من دون استئذان، 
لأننا لا نملك أن نقاومَ مقـدار جاذبيته، 
فيأسرنا بمكره لأنه يظل واعـياً بما يفعل، 
فيما ننساق نحن إلى هاوية الجهل ،
بإرادتنا الحرة في كثير من الأحيان.
 
* أكاديمي وكاتب فلسطيني مقيم في السويد.