الغول

حسن بوفوس*

ثيابه رثة تكاد  لا تستر أعضاء جسده النحيف. لون جلده يميل إلى السمرة دلالة على كثرة ما عرض نفسه لأشعة الشمس اللاهبة، وإهماله له علامة على قلة التفكير في أهمية هندامه.

ما فتئ ينظر من حواليه، على حافة الرصيف، في صندوق القمامة لأحد المنازل، وخلف الجدران المتهدمة، أو بين أكوام من الأزبال.. يعثر على علبة سجائر مرمية فيفتحها ثم ينظر ما بداخلها لعله يعثر على سيجارة أو بعضها. وإذا لم يجد بداخلها شيئا يكوّمها بأصابعه النحيلة، ويدوسها بعد ذلك بقدميه النحيلتين. أمله الوحيد أن تجود عليه الطرقات بشيء ما ذي أهمية بالنسبة له.. أي شيء. لقد سبق له وأن عثر في ما مضى على أشياء كثيرة ومتباينة من حيث الجودة والأهمية يتصدرها قطعة نقدية من فئة عشرة دراهم، ومهما ينسى لن ينسى ذلك اليوم الذي أحس فيه بنفسه وكأنه أضحى أكثر قيمة مما فاته من أيام. لكن سرعان ما هوى نجمه وانزلق إلى وضع هو فيه أشبه ما يكون بدودة تائهة أحست بخطر رجل عملاقة تنوي دهسها.
تارة ينزوي بركن من الأركان متأملا موضوعا من المواضيع لا يعلم بها سواه، فيبدو شريدا من خلال عينيه التائهتين. وتارة أخرى يطلب المارين أمامه بعض ما عندهم، فمنهم من لا يتحمل النظر إليه إشفاقا على نفسه، ومنهم من يتظاهر بالعطف من دون أن يترجم عطفه ذاك إلى قطعة نقدية هو في أمس الحاجة إليها.
على الرغم من حاجته وهزاله، لا يطيق الإلحاح في الطلب. إن أعطاه أحد فرح للعطاء ولليد المحسنة، وإن لم يكرمه أحدا بدرهم أو درهمين انكمش في جلبابه، وانكفأ على نفسه يجتر المواضيع التي يعتاد النظر فيها، يجدها لذيذة حينا، ويعافها أحيانا أخرى.
حاول ساكنو حيّه مرارا طرده، يتهمونه بالفوضى أو بمحاولة اعتراض سبيل بنات الحي، أو إثارة الرعب فيه؛ فلقبوه «بالغول» واتخذته الأمهات وسيلة لردع نزق أبنائهن. أما هو فَلَنْ يطيق التخلي، مهما كلفه ذلك من ثمن عن المكان الذي اعتاد وتردد عليه صغيرا، ولو أن الأماكن الأخرى قد تكون أكثر وفرة وغنى من حيث العطاء. أو ربما اعتبر حيّه بمثابة امبراطورية يتصرف فيها كيفما شاء بينما ينحصر ويكاد ينعدم دوره في أحياء أخرى هي ملك لأمثاله. على الرغم من وضعيته المشابهة لهم يصر على تميزه عليهم.
كثيرون يصفونه بالحُمْقِ والبَلَهِ من دون أن يعوا جسامة الوضع المزرى الذي يتخبط فيه. وهل اختار بمحض إرادته أن يصبح على الحال التي هو عليها الان؟ وهل يوجد في الدنيا إنسان يؤثر الفقر على الغنى أو المرض على صحة البدن؟ كانت له آمال ككل هؤلاء الذين يرمقونه بنظرات فيها شفقة واستصغار. وله أيضا مشاعر كغيره من الناس تسمو أحيانا إلى آفاق نبيلة وتزل أحيانا أخرى إلى الحضيض، وربما تجاذبها مشاحنات الأهواء وتناقضات الواقع المعيشي.
استقام واقفا. غير أنه وجد صعوبة في الوقوف استغرب لها أيَّمَا استغراب. هل بدأ الهزال والضعف يغزو أطراف جسده؟ ما يلتقطه بين الأزبال من فضالات الطعام لا يشبع غريزته.
استلقى ثانية فطفق يفكر في أشياء تافهة ومهمة في آن، سرعان ما ينساها فتصبح وكأنها أضغاث أحلام. لكنه.. سرعان ما يستسلم لمخالب نوم ملحاح.
الآن يبدو وكأنه كومة ضخمة من الأزبال يكاد  لا يميزه عن باقي الأشياء المحيطة به من يمرر عليه نظرة خاطفة. أشعة الشمس تغطيه إلى حدود منكبيه بأغطية واهية بينما انطلق أزيز الذباب يعلن عن مقدم أسراب من الحشرات مختلفة وصنوف من النمل. على رجليه تبرز أثار لشقوق في حين حطت على وجههِ الذبابة الأولى.
تحرك جسده الرث قليلا. إلا أن الذبابة لم تبرح مكانها. هش لها بطريقة آلية لكن الذبابة ما فتئت تحرك جناحيها وجوارحها دلالة على غبطتها.

 

* قاص من المغرب.