العيادة

ممدوح رزق*

دكتور محمد الحسيني سيد خاطر. العيادة ممتلئة عدا كرسي واحد، كأنه المخصص من أجلي، ولن يجلس عليه أي شخص آخر . أدفع ثمن الكشف بارتياح لكفاية ما معي من نقود . أجلس حريصًا على عدم حدوث مواجهة بين عينيّ وعيون الآخرين. لكنني لا أستطع الحفاظ على هذا الحذر. أرفع بصري بتردد نحوهم. لا أحد ينظر لي. لا أحد ينظر إلى الآخر. لكل عينين نقطة في الفراغ تحدقان فيها ، لكل نظرة ممر تعبر منه خارج هذا الفراغ . رجال ونساء بأعمار متفاوتة تغطي رحلة الإنسان منذ المراهقة حتى نهاية منتصف العمر ، رجال ونساء صامتون ، لا يمكن تحديد أي منهم بمفرده، ومن منهم برفقة آخر ، لكنني أعرفهم جميعًا. لا يوجد بينهم من لم أقابل وجهه بمكان ما في هذه المدينة ، في شارع، حديقة، مقهى، صالة فندق، داخل محل، فوق كوبري، على رصيف محطة القطار ، لكنهم لم يكونوا هكذا. كانوا حينئذ بشرًا عاديين، يظهرون بسلوكيات نمطية تخلو من الغرابة، أي لا يبدو عليهم الاستعداد للمجيء إلى هنا، أو ربما كان ذلك المظهر الطبيعي هو دليل اقترابهم من هذه الكراسي. حينما يُفتح هذا الباب المُقبض ليخرج شخص ما ثم تُشير الممرضة لأحد الجالسين بالدخول؛ أعرف أنهم ليسوا جميعًا فرادى. هناك زوج وزوجة. أم وابنها . أب وابنته . رجل وأخ أو ربما صديق أو قريب له ، لكنهم كانوا يبدون كأنما جاءوا إلى هنا بعد أن طردتهم اللغة خارجها ، لم يتكلم أي منهم كلمة واحدة مع الآخر، فتحوّلت حجرة الاستقبال إلى ما يشبه سرادق عزاء ينقصه التوصل إلى معرفة هوية الميت. ربما يستطيع هذا الجالس في الداخل بملامحه المجهولة لي، والذي يتعاقب على الامتثال بين يديه كل هؤلاء المنبوذين من فكرة "الألوهة"؛ ربما يستطيع أن يعيد الحياة إلى ذلك الشيء المبهم الذي لا يستوعبون كينونته، وهو ما قد يعني إعادة تدوير المزيد من الكلمات المؤقتة . أنا أريد هذا .. أتمنى ألا يتعدى الأمر بالنسبة لي سوى الاحتياج إلى تلك الرحمة الزائفة من اللغة التي سأستمتع بتفتيتها مع علب السجائر، وزجاجات الستلا، وأطباق الفول سوداني داخل "مارشال المحطة" في كل مرة أستطيع خلالها أن أسرق شيئًا ثمينًا مخبوءاً لن يمكن ملاحظة اختفائه من مقتنيات أسرتي ،ثم بيعه للمخنثين من تجّار المسروقات برخص التراب .. أتوسل إليك يا من تمثل الدناءة الغامضة في ذاتها أن تجعل هذا الطبيب يخبرني بأن التنميل والخذلان في أطرافي ليس بداية ضمور النخاع الشوكي، وأنني في حاجة فقط ـ مثلما يخبرني أطباء آخر الليل في المستشفيات ـ لـ "راحة الأعصاب".

* * *
في صباح اليوم التالي يخرج منصور من بيته . يمشي ببطء مبتهجاً، خفيفًا كطفل يخطو خطواته الأولى. مشي أقرب إلى طيران متمهل، ثملًا بنقائه الخالص في بداية معجزة تتحقق . يسير داخل المسارات التي تعوّد طوال الأربعين سنة الماضية أن يدور بينها كأنما صارت هذه الشوارع اختزالا جامدًا لهويته المكانية في تاريخ المدينة . يتأمل الوجوه باحثًا عن الغنائم الملائمة بالنسبة إليه كي يبدأ بها في دفع العالم نحو أسطورته الأخيرة . الملامح التي يعرفها منصور تمامًا بوصفها نسخًا متوارية من ملامحه، والتي سيستعملها لتنفيذ المهمة التي كتبت زيارة الغراب له أمس نقطة انطلاقها. لم يكن منصور يبحث عن الوجوه المألوفة التي لن يستبعدها من الضحايا المشردين، والمعدمين، والصعاليك التقليديين، والمنبوذين، والخائفين، والمقامرين، والمعطّلين، والفائضين عن الحاجة، والذين يجلسون في المقاهي الصغيرة المنزوية في الوقت الذي يجب أن يكونوا خلاله داخل بيوتهم .. بل كان يفتش أولًا عن ملامح أخرى، أقل عمومية وأكثر دقة من أبناء سفاح المدينة، عن الذين يشبهونه في كيفية التخطي لأحلام وكوابيس الحياة والموت نحو الحقيقة الصافية للعالم التي ستمحو أية صور أو احتمالات أخرى له ، الحقيقة التي ستولد وتنمو وتتطور وتتعاظم وتطغى وتبتلع كل شيء لتكتب النهاية بنفسها.
 
* أديب من مصر، النص المنشور هنا جزء من نوفيلا "جرثومة بو"  تصدر قريبا للكاتب.