العرب في معرض سويدي للكتاب: غياب في الغياب (شهادة)

Printer-friendly versionSend to friend
د. عبدالقادر حسين ياسين*
 
لا أدري هل شعرت بالأسف أم بالخجل ، وأنا أتجول في أروقة معرض غـوثـنـبـيـرغ السويدي الدولي للكتاب ! 
في الحقيقة كان خليطاً من الشعورين. 
ففي حين خُصصت مساحات واسعة للمنتجات الفكرية والأدبية، لمعظم دول العالم بغربه وشرقه، جنوبه وشماله، لم أعثر بينها إلا على زاويتين عـربيتين فقط،
الأولى لمصر حيث لم تتجاوز المساحة المخصصة لها ثلاثة أمتار مربعة ، وربما أبالغ إذا قلت أن عـدد الكتب المعروضة يصل العشرين، 
أما الزاوية الأخرى فهي للسعـودية. 
 
وهـنا كان حظ السعـودية أفضل، حيث شغـلت المساحة الموهوبة لعرض الكتب،ما يقارب العشرين مترا...
كانت جميع الكتب المعروضة دينية، 
تطل عليك من خلف زجاج العرض ومن على الرفوف ، بأغلفـتها السميكة وخطها الكوفي ،
كأنما لتقول أن ثقافتنا العربية تقتصر على الدين ليس إلا: 
لا أدب، لا فكر، لا عـلـم، لا فـلـسفـة، لا سياسة ...
لا شيء آخر. 
 
لماذا العـرب ليسوا هـنا؟
لا أظن أن هذا السؤال تبادر إلى ذهن أي زائر للمعرض، 
ليس لأن الكم الهائل المعروض من الكتب، وتنوع الدول ودور النشر واللغات، قادر على أن ينسيه أي غائب وحسب، 
وإنما أيضا لأن مسألة غـيابنا أو حضورنا لا تعني هـذا الزائر ،بالدرجة التي تجعله يطرح فيها هذا السؤال.
أما أنا فقد طرحته : لماذا نحـن لسنا هـنا؟ 
 
طرحته مع أنني أعرف الإجابة ،
وأظن أن القارئ يعرفها أيضا ، ويعرف أن أحد الأسباب الرئيسية لهذا الغياب ،
هو غـياب المشروع الثقافي والحضاري العربي على الساحة الدولية. 
 
نحن ، باختصار، غير مهمومين بتقديم أنفسنا وإيصال صوتنا إلى الآخر، 
هذا عـدا عن أننا ما زلنا عاجزين عن التحرر من قوقعة الذات،
واكتشاف اللغة التي يجب أن نخاطب بها هذا الآخر.
نحن غائبون. أقول نحن ولست أدري من نحن...
 
في الحقيقة ليس هناك "نحن " متجانسة ومتكاتفة معنية بهذا الهم...
لا على صعيد السلطات ولا على صعيد النخب الثقافية،
فما بالكم بالشعوب المقموعة والجائعة. 
 
يبدو لي ـ وقد أكون واهمـاً ـ أنني أعي جوانب المشكلة، 
مع ذلك بقيت ،وأنا أتجول في أروقة المعرض الدولي للكتاب، أتساءل: 
لماذا نحن لسنا هـنا؟ 
 
طرحت هذا السؤال ليس بهدف العثور على اجابة، 
لا سيما وأنه يبدو لي أنني أعرفها، وإنما طرحته بعفوية وتلقائية ،عكست إحساساً عميقاً بالمرارة في داخلي. 
وبدا لي وأنا أطرحه أننا لسنا هنا ولسنا هناك أيضا. إننا أمة غائبة في كل مكان. 
لقد أصبحنا طيف أمة، طيفاً ليس إلا. 
 
قد يعارضني البعض قائلا أنني أضخم الأمر، وأن هذا الغياب يقتصر على غـوثـنـبـيـرغ، 
وأن الكتب العربية تشارك بحضور أكبر في معارض الكتب الأوروبية. 
ربما!. 
لكن هذا السؤال يفتح الباب عريضا أمام سؤال آخر: لماذا نحن غير معنيين بالسـويـد وبالقارئ الـسـويدي؟
لماذا ولماذا ولماذا.؟...
كلها أسـئلـة مثيرة للأسف والخجل والمرارة....
 
لست أريد هـنا الحديث عن أهمية السـويد ،والقارئ الـسـويـدي بالنسبة للعالم العربي، 
فلا أعتقد أن ثمة خلافاً حول هذا الأمر. 
ليس هناك خلاف على الصعيد النظري، أما على الصعيد العملي فعلى ما يبدو أن هناك خلافا كبيرا...
وغياب الكتاب العربي في معرض غـوثـنـبـيـرغ الدولي للكتاب يبرهن على ذلك.
 
في هذا الصدد أود أن أشير إلى تجربة فردية ريادية،وفي غاية الأهمية تحاول أن تمحو شيئا ولو ضئيلا من رمادية هذا المشهد، 
وهي دار Alhambra للنشر. 
 
ومـنـذ تـأسـيـسـهـا قـامـت هـذه الـدار بـتـرجـمـة  ، ونشر الـعـديـد من الكتب العربية المعـنية بقضايا الإنسان العربي، والقادرة على زعـزعة تلك الصورة النمطية المشوهة ،
لدى القارئ السـويـدي عن الإنسان العربي وثقافته وعـدالة قضاياه. 
 
إنها حقا تجربة ريادية ، وهي في الجوهر نبيلة وتعكس مشاعر وطنية صادقة. 
أقول ذلك لأنني أدرك مدى صعوبة هذه الرسالة التي "ورَّط " هـشـام بـحـري نفسه بها ،
وأعرف إلى درجة ما حيثيات الواقع الـسـويـدي وتعقيداته. 
 
كي ينجح هذا المشروع يجب أن يتبناه ليس فرداً واحداً،بل دولا ً ومؤسسات تحمل هذا الهم الوطني.
 
ما أقصد الإشارة إليه أن تجربة دار Alhambra للنشر، 
هذه التجربة الفردية والريادية المهمومة حقا بتوصيل الصوت العربي إلى القارئ السـويدي، 
هي مغامرة صعبة للغاية، تتطلب خوض معارك وجهد نفسي ومادي كبير. 
لهذا يبدو أنه من الضروري جدا على المثقفين العرب ومؤسساتهم ،
أن تساند هذا المشروع وتتعاون مع دار النشر هذه وتدعمها بكل ما تستطيع.
هذه التجارب الفردية هي في النهاية قطرات ماء عذبة إنما في بحر جاف، 
بحر بحاجة إلى تدفق الكثير من السيول ،
علّه يقوى على تغيير طعم الملح في واقعنا.
 
لست أدري إذا كنا قادرين على ذلك ونحن غارقون في الغـياب. 
غـياب هناك ينتج غـياباً هـنا.
 
* كاتب وأكاديمي  فلسطيني يقيم في السويد.